8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المسألة الأمنية ـ القضائية وكيفية ترجمة أولويتها لـ "الحدّ" من الموت

عاد الشهيد جبران تويني من باريس الى بيروت مساء الأحد ونُفذت جريمة اغتياله صباح الإثنين. وهذا يعني ان مدبّري جريمة الاغتيال ومنفذيها عرفوا بقدومه من داخل مطار بيروت فأعدّوا جريمتهم خلال ساعات قليلة ونفذوها بدقائق.
الأمر يطرح اذاً وجود اختراق أمني في جهاز أمن المطار تسربت منه المعلومات عن عودة تويني. والحديث عن اختراق في أمن المطار يعني الحديث عن اختراق في جهاز الأمن العام. لكن الموضوع لا يقف عند هذا الحد. ذلك أن الطريق الذي جرى استخدامه لتنفيذ الجريمة، والمؤدي الى مقر لجنة التحقيق الدولية في المونتيفردي، كان في وضع سائب أمنياً على الرغم من أهميته، وبالتالي فان في الأمر أما تقصيراً وإما اختراقاً معادياً، وهذا ما يحمّل المسؤولية لضابط أو أكثر من الجيش يقع هذا الموقع في عهدتهم، ويحمّل المسؤولية لمخابرات الجيش.
هسام.. وأسئلة حول الأمن في بيروت وعلى الحدود
قبل جريمة اغتيال الشهيد تويني، تمكن الشاهد السوري هسام هسام من الفرار عبر الحدود الشرعية بين لبنان وسوريا عند نقطة المصنع. وسواء كان هسام اختراقاً مخابراتياً سورياً للجنة التحقيق الدولية، أو كان منشقاً تمكنت المخابرات السورية من استعادته بـ "وسائلها"، فان الأمر يطرح وجود مشكلة أمنية. كيف لـ "شاهد" أعطى شهادة رئيسية في التحقيق أن يكون حراً في تنقلاته داخل لبنان وأن يكون متاحاً امامه الاعلان عن نفسه بوصفه "الشاهد المقنع" ويصول ويجول تلفزيونياً من غير أن يكون تحت مراقبة أمنية لصيقة؟ كيف يعقل أن هسام الذي أبلغ أكثر من مرة انه يفكر بالعودة الى سوريا لم يجرِ منعه أو توقيفه؟ كيف يمكن أن يعبر الحدود بعد أن يضع سيارته في المنطقة بسهولة؟ المسألة هنا أخطر من مجرد تقصير، سواء من قبل قوى الأمن الداخلي التي تركته حرّ الحركة والتحرّك في الداخل، أو من قبل الضباط المسؤولين عن معبر الحدود، أو من المسؤولين العسكريين والمخابراتيين عن تنفيذ قرار إقفال ما كان يسمى "الخط العسكري".. أي أن ما جرى مع هسام يطرح مسؤولية ثلاث مؤسسات عسكرية وأمنية على الأقل، بالاضافة الى مسؤولية القضاء الذي لم يسارع الى طلب توقيفه بعد اطلالاته التلفزيونية في بيروت مباشرة وتأخر في استدعائه حتى كان هربه.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن شهود عيان يؤكدون أن الوضع على الحدود سائب بدرجة كبيرة. ففي معلومات حديثة ان شاحنة سورية تمكنت قبل أيام من عبور الحدود اللبنانية وأفرغت داخل الأراضي اللبنانيّة حمولتها من السلاح، ثمّ عادت أدراجها الى سوريّا عبر "الخط العسكري" إيّاه من دون أن يتم اعتراضها لا في الإياب ولا في الذهاب. والسؤال المشروع طرحُه في هذا المجال: من هو الضابط المسؤول أو الضبّاط المسؤولون عن هذه المنطقة الحسّاسة لأمن لبنان؟ خاصة ان ثمة معلومات تؤكّد أنّ من يتولون المسؤوليّة في هذا الموقع لا يزالون يتلقون تعليمات من داخل سوريّا، وهم برتبة قادة لواء أوقائد وحدة.
مسؤولو ألوية.. وفروع مخابرات
أكثر من ذلك، تشير معلومات الى أنّ مسؤولي ألوية في مناطق معينة، ومسؤولي فروع المخابرات في بعض المناطق، لا يزالون على ولاءاتهم السابقة، ويصولون ويجولون في هذه المناطق ضد النواب الجدد وضد معارضي الوصاية السورية، وأن أحد مسؤولي الألوية هو نفسه الذي طوّق منزل الزعيم وليد جنبلاط في كليمنصو في بيروت في نهاية العام 2004، بأعداد من القناصة، عندما جاء لتنفيذ أمر إزالة سواتر الحماية من أمام المنزل. وكذلك، أنّ عناصر من جهاز أمن الدولة يصولون ويجولون أيضاً، وبعضهم أكّد يوم جريمة اغتيال جبران تويني ان الدور آتٍ على آخرين سمّاهم بالإسم.
ويُقال أيضاً إن مجموعات الرصد التابعة لقوى الأمن الداخلي أوفرع المعلومات فيها، تلاحق في عدد من المناطق قضايا جرمية عاديّة، من مخالفات البناء الى الشيكات من دون رصيد وما شابه، في حين أنّ المطلوب منها أكبر من ذلك بكثير.
يعقوب الصراف ورخص السلاح
ولا ينسى أصحاب المعلومات لفت الانتباه الى عدد كبير من رخص السلاح التي يصدرها وزير الدفاع بالوكالة يعقوب الصرّاف مستغلاً غياب الوزير الأصيل الياس المر، وتُعطى لفريق من المستمرين على ولائهم للنظام السوريّ وأتباعهم.
هذا غيض من فيض "التسيّب" و"التقصير" و"الاختراق" في المؤسسات المعنية بالأمن. وبطبيعة الحال، يُمكن توقّع أن تحصل ردودٌ تطرحُ تارة مقولة أن السلطة الجديدة لا تزالُ فتيّة، وتطرحُ تارةً أخرى مسألة الإمكانيات، وبعضُها الآخر قد يطرحُ علاقة الأمن بالسياسة.
التطور المنشود
وإذا كان ما لا شك فيه ان الذرائع المشار اليها تتضمن "أشياء" حقيقية، فانه من غير المقبول بالمطلق ألا تتخذ السلطة قراراً بتطهير المؤسسات العسكرية والأمنية من بقايا الولاء للمخابرات السورية. والتطهير يمكن أن يحصل على درجات إدارية مختلفة لكن المهم ألا يبقى أمثال هؤلاء في مواقع أساسية وحساسة. ومن غير المقبول بالمطلق ألا تلجأ قيادات هذه المؤسسات والأجهزة الى تشكيلات جديدة في داخلها. وليس مقبولاً بالمطلق في ظل أولوية الأمن عندما تكون الحرب الإرهابية معلنة على البلد وقيد التنفيذ ألا يتم الصرف على الأمن، سواء للتطويع أو لإعادة تأهيل هذا الجهاز أو ذاك، أو لإعادة تكوين مصادر المعلومات. وليس مقبولاً بالمطلق أيضاً أن تُعتبر ملاحظات من هذا القبيل تشكيكاً في قيادات عدد من المؤسسات والأجهزة، لا سيما أن المجتمع السياسي منح ثقته لقائد الجيش العماد ميشال سليمان ولدوره، ولقائد قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي وغيرهما. لكن المطلوب أن يفهم الجميع أنّ الأمن ليس مزحة وأنّ اللبنانيين لا يقبلون أن يُنحر قادتهم كالنعاج، كما لا يقبلون أن يبقوا طويلاً في حالة من القلق من أن يكون أمنهم مخترقاً أو مقصراً أو هاوياً. والمسألة تتعلق بقرار سياسي يقول إن الأمن يجب أن يكون موثوقاً من السلطة السياسية، ويقول إن لا مساومة لا في التعيينات ولا في التشكيلات من أجل إلغاء "الأواني المستطرقة" التي تربط "الفلول" بولاءاتها السابقة.. وأغلب الظنّ انّ الأسماء معروفة.
لماذا لا تحلّ تنظيمات "فرق الموت"؟
ولعل من المفارقات على سبيل المثال أنّ أيّ قرار "سياسيّ" لم يتخذ من أجل حلّ تنظيمات محلية ميليشياوية شبه عسكرية كانت ولا تزال جزءاً لا يتجزأ من "فرق الموت" ومطاردة شبكاتها وتوقيفها، وبعضها تبيّن من التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري انه ضالع في هذه الجريمة سواء في الجانب اللوجيستي الميداني أو في الاتصالات. وللتذكير، فان السلطة السياسية في العام 1994، أصدرت قراراً بحل "القوات اللبنانية" بالتزامن مع تفجير كنيسة سيّدة النجاة الذي تبين لاحقاً عبر التحقيقات أن لا علاقة لـ "القوّات" به، في حين ان أي قرار بحل "فرق الموت" بالرغم من وضوح علاقتها بالنظام الأمنّي وجرائمه لم يتخذ، وعلى الرغم من أن "اللباس السياسي" الذي تلبسه هذا التشكيلات ليس سوى ستار للتهديد الأمني الذي تمثله بالنسبة الى اللبنانيين.
بطبيعة المحال، يفهم اللبنانيون أنّ ثلاثين عاماً من الوصاية السوريّة وخمسة عشر عاماً من بناء الأجهزة بالأمرة المخابراتية السورية "من البابوج الى الطربوش"، مسألة لا تحلّ بسرعة. بيد أنّ اللبنانيين غير مستعدين لتفهم التردّد.
في القضاء: لماذا لا يُستدعى
المحرضون السياسيّون؟
وبما انّ الأمن ليس مسألة أمنية فقط، فانّ العديد من حلقات النقاش تطرح الجانب القضائي أيضاً. فاذا كان من غير المشكوك فيه أن الوضع القضائي في طور النقاهة بعد سنوات من الإخضاع لنظام الوصاية ومتطلباته، وانّ ثمة تطوراً على صعيد الأداء القضائي.. فانه من غير المفهوم لماذا لا يتحرّك القضاء على جبهة ملفات رئيسية.
هناك مسؤولون سياسيون من رموز الحقبة السيئة الماضية يهددون بالحرب الأهلية ولا يتم استدعاؤهم الى التحقيق. ومنهم من يهدد اللبنانيين من خلال التلفزيون السوري ولا يتم استدعاؤهم. وبعضهم يستدرج مشاكل أمنية في منطقته ولا يُسأل. وبعضهم الآخر عليه ملفات متصلة بجريمة إغتيال الرئيس الحريري ويستمرّ مطمئناً. وكل هؤلاء معروفون بأنهم يتلقون تعليماتهم من سوريا ويعلنون ذلك باسم "الوفاء" حيناً وباسم عدم الخجل من العلاقة بالنظام السوريّ حيناً آخر، وبعضُهم يوجّه التهمة بجريمة معينة الى زعيم سياسي ولا يقال له "ما أحلى الكحل في عينك". وهذا في نظر كثير من اللبنانيين لا يجوز تحت أي عنوان من العناوين، لا باسم حرية الاعتقاد ولا باسم الديموقراطية، ذلك أنّ القضاء مدعوّ هنا ليس الى مكافحة العمل السياسيّ، بل الى مكافحة الفتنة باسم السياسة.
بنك المدينة.. ونيابات المناطق
كذلك، فان السؤال الذي تطرحه أوساط عدة يتعلق ببنك المدينة: أين وصل هذا الملفّ؟ لماذا "تبدو" التحقيقات متباطئة؟ لماذا لم يعد اللبنانيون يسمعون شيئاً عن فضيحة العصر؟
وهل تواكبُ النيابات العامة في المناطق التطور الذي يسير القضاء باتجاه تحقيقه؟ وماذا يمكن أن يقال مثلاً عن أحد المدعين العامين أفرج عن موقوفين من جماعة وزير ونائب شمالي سابق بتهمة قتل عنصرين من تيار سياسي ينتمي الى الأكثرية النيابية، في وقت يبقى المجرم الأساسي "محمياً" من وجه العدالة؟ لماذا لا تجري تشكيلات قضائية مناسبة؟
إذاً، ان للأمن جانبين متكاملين: أمني وقضائيّ. وفي هذين الجانبين ثمّة تردد وتباطؤ لم يعودا مسموحين والمطلوب حزم فيهما يؤدي الى وضع المسألة الأمنية على السكة الصحيحة أو بدايتها على الأقلّ، ولتتم الإستعانة بمن يجب لمواصلة هذه الورشة. المهمّ، أنّ اللبنانيين المؤمنين بأن أحداً لن يستطيع جرّهم الى الحروب الداخلية من جديد، مقتنعون في المقابل بأنّ ثمّة شيئاً يُعمل.. بأن ثمة بداية ما لهذا "الشيء".
الجانب السياسي بين لحود والنظام السوري
بطبيعة الحال، من البديهي القول إنّ للمسألة الأمنية ـ القضائية جانباً سياسياً رئيسياً. والمسألة في السياسة هي أن السلطة السياسيّة مخترقة طالما استمر الرئيس إميل لحود في رئاسة الجمهورية وشكل ملاذاً لـ "الفلول". لذلك، فان الإنتهاء من لحود على رأس السلطة، هو التتمة الطبيعية، لا بل هو البداية الفعلية لسيادة السلطة على قراراتها.
كذلك فان المسألة في السياسة هي أن النظام السوري اتخذ قراره بألا يترك لبنان واللبنانيين يرتاحون. غير أن هذا الأمر سيبقى مرهوناً بالضغوط التي لا بدّ أن تواجهه، أي أن تتشكل مظلة عربية ـ دولية فوق لبنان تردع النظام السوريّ وقراره. فعلى سبيل المثال، يجب أن يُقال للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أنّ تحركه بين لبنان وسوريا تحت عنوان استعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين، لن يعطي نتيجة اذا ما استمرّ التهديد السوريّ للبنان بعدم الاستقلال.. هذا فضلاً عن استحالة فصل ملف العلاقات عن ملف التحقيق في جريمة إغتيال الرئيس الحريري وسائر الاغتيالات الأخرى. و"يجب" مطالبة قادة الدول العربية جميعاً بأن يربطوا "مساعدتهم" للنظام السوري بأن يكفّ عن تهديد لبنان، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤوليته أيضاً تجاه لبنان.
مصير لحود في الرئاسة مطروح بقوة وسيستمر، وكذلك موضوع "إجبار" نظام دمشق على وقف تهديداته. لكن الجوانب الأخرى التي تمت الإشارة اليها آنفاً "قيد الإمكان" ولو بنسبة معينة فلتتحقق، ولتتصرف الغالبية بما تمليه عليها مسؤوليتها عن البلد، حتى في ظل ما هو معروف من "تعقيدات" في الوفاق الوطنيّ.
وما تمّ استعراضه على مدى هذه السطور موجّه الى رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة باسم عدد كبير من اللبنانيين عبّروا عن هذه "الأفكار" في الأيام الماضية قبل جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني وبعدها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00