غنيّ عن القول أن جريمة اغتيال النائب الشهيد جبران تويني على يد النظام الأمني السوري وبقاياه وشبكاته، وعلى الرغم من الخسارة الفادحة التي ألحقتها بلبنان وحياته السياسية وإعلامه وصحافته، إنما شكّلت "مناسبة" لإعادة بعث الروح في العديد من مفاصل الحياة السياسية في البلاد. هكذا هو لبنان، لا تحرّكه إلاّ مأساة.. وهكذا هو القدر: موت إنسان كبير حياةٌ لآخرين.
"ثنائية" السلطة ـ المعارضة في قوى 14 آذار
النتيجة السياسية الأهم لاستشهاد جبران الذي هزّ وجدان اللبنانيين، تمثلت خلال الساعات الماضية بعودة الحياة الى تحالف 14 آذار وإلى العلاقات بين أطرافه. فللمرّة الأولى منذ جريمتي اغتيال الشهيدين سمير قصير وجورج حاوي في حزيران الماضي، يلتئم عقد قوى 14 آذار، أي أنها المرة الأولى منذ 6 أشهر التي تجد هذه القوى نفسها "مضطّرة" الى الاجتماع، علماً أن المرحلة السابقة كانت تفرض التقاءها، وعلماً أن عناوين كثيرة كانت تحتّم هذا الالتقاء.
المهم أن هذه القوى اجتمعت على مرحلتين أول من أمس وأمس وأعادت تأكيد حضورها الذي ظهر منه أنها تعيش في واقع الأمر "ثنائية" محدّدة: فهي من ناحية جزء من سلطة تحكم في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة، وهي من ناحية ثانية لا تزال معارضة لنظام يتدخّل من خارج الحدود ومِن داخلها لتعويق مسيرة السلطة الجديدة. وما لا شك فيه أن هذه "الثنائية" لا يمكن "تأبيدها" لأن معنى استمرارها طويلاً "هو تطويل" الوضع غير الطبيعي سياسياً، وتعطيل انتظام الحياة السياسية والدستورية.
الموقع اللبناني التوحيدي... والمبادرة المنتظرة
أطلق لقاء قوى 14 آذار المنعقد أمس في مبنى جريدة "النهار" والمُهدى الى روح الشهيد جبران تويني، مجموعة من المواقف المهمة بلا شك، وقرر سلسلة تحركات، وأقرّ بضرورة الحوار مع القوى الرئيسية خارج 14 آذار. لم يتصرف بمنطق أكثري أي على أساس أنه يمثل الأكثرية النيابية. وأعطى إشارات تطمينية الى القوى الرئيسية من خارج 14 آذار. أكد أنه توحيدي أي لبناني عام وفتح الأبواب باتجاه الآخرين. لكنه مع ذلك لم يطلق مبادرة سياسية متكاملة.
والحاجة ماسّة الى مبادرة سياسية متكاملة أي الى مشروع تسوية. والحديث هنا عن تسوية لا يعني المساومة بالمفهوم السياسي الرديء، بل يعني استكمال أهداف انتفاضة الاستقلال بمشروع سياسي يتضمّن رؤية الى مستقبل البلاد في المجالات الوطنية والسياسية والدستورية كافة، رؤية تطمئن الجميع وتكون من ضمن الطائف ومبادئه. غير أنه من الطبيعي القول هنا أن الإشارة الى الطائف ليست إشارةً الى "أمر جامد"، بمعنى أن الطائف منذ إقراره، وفي ظلّ الوصاية السورية، بقي مفتقداً الى ديناميات الحوار. والحوار مطروحٌ اليوم حول قضايا وطنية وسياسية رئيسية، ويجب أن يستحضر الطائف بما هو ميثاق العيش المشترك.
إذاً، ثمّة إيجابية كبيرة تمثّلت بعودة قوى 14 آذار الى تجميع صفوفها وبتشديد هذه القوى على متابعة معركة تثبيت الاستقلال. كما ثمّة إيجابية كبيرة تتمثّل في مخاطبة قوى 14 آذار اللبنانيين في البيان الصادر عنها أمس من موقع "لبناني وحدوي عام" وليس من موقع فئوي أو أكثري سياسياً. بيدَ أن الدينامية التي تطلقها بأمسّ الحاجة الى مبادرة سياسية متكاملة توحّد رؤية هذا التحالف الى المستقبل من جهة وتكون مادة "فعليّة" لحوار واسع من جهة أخرى.
وإذا كان ما لا شك فيه أن النتيجة السياسية الأولى لاستشهاد جبران كانت عودة الدماء الى أطراف تحالف 14 آذار، وأن النتيجة السياسية الثانية تمثّلت في حسم مجلس الوزراء بطلب إنشاء محكمة ذات طابع دولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبطلب تحقيق دولي في جرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال المتمادية منذ الأول من تشرين الأول 2004، فإن ما ترافق مع هذين المعطيين من تطورات يدفع الى الاعتقاد ان ثمة ظرفاً لبنانياً "يمكنُ" أن يكون معاكساً لمحاولات إدخال البلد في نفق الانقسام.
برّي الايجابي والمحنّك
في هذا المجال، تُسجّل "ظواهرُ" ايجابية في التعاطي السياسي مع الأحداث الجارية. فقد كانت جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني مسبوقة بمبادرة من قبل الرئيس نبيه بري تحت عنوان تنظيم حوار وطني لبناني ـ لبناني بعد تحديد العناوين الخلافية، الأمر الذي أعطى إشارة الى تحسّس الرئيس بري لضرورة "تعزيز" الوفاق إن لم يكن تجديده. لكن اتصال بري بالمجتمعين في "النهار" أمس لإبلاغهم بأنه كان سيوفد من يمثله الى لقاء 14 آذار لو وجهت الدعوة إلى "حركة أمل"، يحملُ من المعاني الايجابية الكثير، لانه يشدّد بذلك على "الوصل" وليس على "القطع"، ويعلن ان جريمة اغتيال جبران سبب لمواصلة مسعى الحوار.
..وأداء "أمل" و"حزب الله" في مجلس الوزراء
وفي جلسة مجلس الوزراء التي أقرّت طلب المحكمة ذات الطابع الدولي وتوسيع صلاحيات التحقيق الدولي ليشمل كل الجرائم الإرهابية، وبحسب العديد من الوزراء، تصرّف وزراء "أمل" و"حزب الله" بقدر مقبول من الواقعية. وإذا كان صحيحاً ـ بحسب الوزراء ـ ان النقاش "المباشر" كان بين ممثلي الغالبية النيابية في الحكومة من ناحية ووزيري "حزب الله" من ناحية ثانية، فإن هذا النقاش "انضبط" ضمن قواعد مقبولة: لم يعترض وزراء الحركة والحزب (والحزب خاصة) اعتراضاً "مطلقاً" على المحكمة ذات الطابع الدولي بالنسبة الى جريمة اغتيال الرئيس الحريري بل طالبوا بمزيد من الحوار حول أطرها وقواعدها، واعتبروا ان توسيع صلاحيات التحقيق الدولي أمر بحاجة الى تعمق وذلك من منطلق مخاوف يبدو انها لا تتبدد من جانب "حزب الله"، ثم ساروا في عملية التصويت ومارسوا اعتراضهم المشروع وصولاً إلى إعلان "تعليق المشاركة" في الحكومة بعد التصويت.
بين الظرف "المناسب"
والفرصة "المتاحة"
صحيح ان وزراء الحركة والحزب لم يصوّتوا مع المحكمة ذات الطابع الدولي ومع توسيع صلاحيات التحقيق الدولي لكنهم لم ينسحبوا ولم يرفضوا اللجوء إلى التصويت. وصحيح انهم قرروا تعليق المشاركة في الحكومة وان هذا التعليق يحتمل الذهاب الى الاستقالة، وقد لا تحصل الاستقالة بـ"شروط" معيّنة. إذاً، صحيح ان ثمة التباسات مستمرة، وان هذه الالتباسات تعكس أزمة في العلاقة بين تحالف 14 اذار و"حزب الله"، غير ان الجدير بالملاحظة في المقابل، هو ان ثمة "حراكاً" ما على مستوى طرفَي التمثيل السياسي الشيعي، وهو ان ثمة "مناسبة" للحوار.
وتأسيساً على ما تقدّم، يتضح ان هناك ظرفاً مناسباً للحوار: الرئيس بري يسعى اليه، ويبتعد عن الأزمات والتهديد بها. تحالف 14 آذار ذو مصلحة في حصوله خاصة إذا سارع إلى صوغ مبادرة سياسية متكاملة. و"حزب الله" ذو حاجة إليه ومصلحة فيه. والحال انه إذا كان قد ظهر مرة اخرى ان طرفَي التمثيل السياسي الشيعي بَدوا لا سيما في جلسة مجلس الوزراء أول من أمس انهما على "ضفة اخرى"، فقد كان واضحاً انهما لم يعترضا طريق البت الدستوري بالقرارات ولم يطرحا "إشكالاً شيعياً".
ومن الضروري الاشارة هنا إلى ان اتصال برّي باجتماع قوى 14 آذار غداة جلسة مجلس الوزراء يعكس توجهاً إلى الإيجابية من جانبه، لاسيما ان الحركة ورئيسها تصرّفا بهدوء أمس وانفتحا على الاتصالات التي جرت لمنع حصول "أزمة حكومية".
الظرف مناسب مبدئياً للحوار، لكن هل ثمة فرصة "محسومة" لهذا الحوار؟ ذلك ان الفارق واضح بين أن يكون الظرف "مناسباً" وبين أن تكون الفرصة "متاحة". وفي هذه الحال يغدو التفاؤل كثيراً غير مبرر، خاصة انّ تعليق المشاركة في الحكومة ترافق أمس من قبل "حزب الله" بـ"تصعيد إعلامي"، وإن كان الكثير من التشاؤم غير مبرر ايضاً. والخلاصة هي ان هناك "خطاً" يمكن العمل عليه، وهذا "الخط" يتغذى بلا شك من ان التطورات التي حصلت والتي يمكن أن تحصل، لا سيما على الصعيد الخارجي، من شأنها أن تفرض وعياً مختلفاً لدى الجميع، ولو تمظهر هذا الوعي ببطء هنا وبتوقّد هناك.
رئاسة الجمهورية في الإطار الدستوري
ومع ان بيان قوى 14 آذار أمس تضمن مواقف مباشرة وإشارات الى تموضع سياسي متجدّد ولم يتضمن مبادرة سياسية متكاملة أي "ورقة حوار"، فإن اللافت فيه هو مبادرة قوى 14 آذار الى طرح موضوع رئاسة الجمهورية بصياغة جديدة.
طبعاً، لا جديد في ان قوى 14 آذار تعتبر ان بقاء الرئيس إميل لحود في بعبدا لم يعد جائزاً ولا جديد في كونها ترى أن بقاءَه يُطيل أمد الازدواجية على صعيد السلطة. ولا جديد في أنها تريد رحيله لأسباب سياسية ودستورية ووطنية واعتبارية عديدة.
بيدَ أن البيان لم يحمل شعار استقالة أو إقالة أو إسقاط لحود، واختار واضعوه المتوافقون فيما بينهم صوغ الموقف بطريقة مختلفة تنص على المطالبة بأن يضع مجلس النواب يده على "الملف".. أي الذهاب بالموضوع الى المؤسسة الدستوريّة المعنيّة وصاحبة الصلاحيّة.
.. وإخراجها من الاطار المسيحي ـ المسيحي
سيكون هذا المطلب موضع تداول مع رئيس المجلس في الأيام المقبلة. لكن المهم في هذه الصياغة "المختلفة" هو أن قوى 14 اذار تُبقي موضوع رئاسة الجمهورية حياً، وأنها تفتح حواراً يتجاوز حدود الأكثرية النيابية حول هذا العنوان، وتطلق دينامية سياسية يمكن أن تتسع تباعاً في هذا الشأن، وأنها تخرج المسألة الرئاسيّة من اطارها المسيحيّ ـ المسيحيّ نحو مدى ارحب، وتذكّر لحود بأنه باق ضد البلد وتحاصره أكثر فأكثر. والمهمّ أيضاً أن هذه الصياغة "المختلفة" ترضي البطريرك المارونيّ نصر الله بطرس صفير، أو يُفترض أن ترضيه خاصة لجهة دعوته المتكررة الى مناقشة هذا الامر داخل الأطر الدستوريّة.
قد لا "يكتشف" النواب آليات دستوريّة حرفيّة لإقالته، لكنهم على الأرجح سوف "يكتشفون" أن في وسعهم حمل هذه القضيّة والسير فيها سياسياً ودفعها نحو محطات متقدمة في هذا الاطار.
إذا أن جريمة اغتيال جبران تويني فتحت أبواباً مغلقة. فجبران هو "الشهيد السياسي المسيحي الأول" بامتياز، إذا أخذ في الاعتبار أن الشهداء المسيحيين السابقين أصحاب هويّة سياسيّة وفكريّة محدّدة: فالشهيد باسل فليحان عضو في "تيار المستقبل"، والشهيد سمير قصير عضو مؤسّس في "حركة اليسار الديموقراطي"، والشهيد جورج حاوي قائد شيوعيّ. أمّا جبران فهو سياسيّ مسيحيّ "حاف" فضلاً عن كونه الصحافي المميز وصاحب الكلمة الجريئة الحرة. ولن تفتح الأبواب "تماماً" الا اذا فهم كلّ فريق سياسيّ الإشارات التي تأتيه من الفريق السياسيّ الآخر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.