في قراءة للتحرك الذي بدأه الرئيس نبيه بري لتنظيم حوار وطني بين القوى السياسية الرئيسية، ثمة دلالات وأبعاد بالغة الأهمية تعكسها هذه المبادرة بصرف النظر عن مآلها العملي "الأخير"، أي بصرف النظر عن العوامل التي يمكن أن تتدخل ايجاباً لإنجاحها أو التي يمكن أن تتدخل سلباً لإفشالها.
ثنائية فأحادية.. فثنائية متمايزة
مما لا شك فيه ان هذه المبادرة منظوراً اليها من "زاوية شيعية"، تعني أول ما تعني ان الرئيس بري يعيد الاعتبار بتحركه لواقع ان "الثنائية الشيعية السياسية" هي ثنائية بالفعل ليس فقط في ما يتصل بالتمثيل السياسي الشيعي بل في ما يتعلق بالخط السياسي لهذه الثنائية التي بدت أحادية على مستوى الخط خلال السنة الماضية بشكل خاص.
ليس خافياً على أحد، وعلى بري تحديداً، ان ما حصل خلال العام الفائت هو ان الثنائي "أمل" و"حزب الله" اختزل الواقع الشيعي، وان "حزب الله" تأسيساً على هذا الاختزال الأول مارس عملياً اختزالاً ثانياً بحيث صار ناطقاً وحيداً باسم الثنائية وباسم الشيعة تالياً.
وعلى هذا الأساس وبغض النظر عن "الموضوعي" في كلا الاختزالين، لا فكاك من الاعتراف بأن بري و"حركة أمل" فقدا الكثير من "الموقعية" السياسية ومن الدور ـ أو من هامشه ـ لا بل بدا ان "أمل" بمثابة ملحق بالحزب، هو يضع "السقف" وهي تلحق، هو يرسم الإطار وهي تتبع.
سيكون خاطئاً تماماً إعدام "المشترك" بين الطرفين، وسيكون خاطئاً أكثر النظر إلى التحرك الأول من نوعه لحركة "أمل" منفردة (؟) على انه "انشقاق" داخل الثنائية، وسيكون من الظلم للرئيس بري ان يُنسب إلى تحركه الموضوع تحت عنوانَي الحوار والوفاق الوطنيين هدفٌ قائم بذاته داخل الطائفة الشيعية. بيد ان ملاحظة ان التحرك هو الأول من نوعه، هي بهدف تسجيل حقيقة ان "اللحظة" الحالية لا تشهد أحادية في التعبير الشيعي السياسي.. وذلك سواء كانت مبادرة بري منسّقة مع "حزب الله" أو "تلقائية".
وفي اعتقاد كثيرين ممن "يراقبون" بري وأداءه خلال الأيام الأخيرة، ان التحرك الذي بدأه، مع كل ما يرمز إليه على المستوى السياسي الشيعي، إنما يأتي ترجمة لما كان رئيس المجلس أعلنه بنفسه من أن لا صبغة طائفية أو مذهبية على تأييد هذا الموقف أو ذاك من هنا وعلى معارضة هذا الموقف أو ذاك من هناك.
طبعاً، قد يتبادر إلى الذهن من خلال ما تقدم ان خلفية رئيس المجلس النيابي في تحركه نحو تنظيم حوار وطني لبناني، هي خلفية ممارسة ترَف التمايز عن "حزب الله". وهنا أيضاً، سيكون من الخطأ والظلم معاً اعتبار "التمايز" نقطةانطلاق أو خلفية في حين أن التمايز "نتيجة".
الخوف من التطورات المحتملة بعد تقرير ميليس
وفي تقدير العديد من المراقبين والمتابعين ان الدوافع السياسية إلى تحرك بري كثيرة جداً.
الدافع الأول هو ان الوضع اللبناني مقبل وخلال أيام قليلة على مفصل سياسي يمكن أن يكون بالغ الخطورة في حال استمر الوضع السياسي على ما هو عليه من استقطابات واصطفافات. فبعد تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس في الساعات القليلة المقبلة، ثمة استحقاقات كبرى أمام لبنان، ليس أقلها المحاكمة الدولية لمن يتم اتهامهم في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وذلك وسط مخاوف من ان تُقدم دمشق على استخدام لبنان ساحة لمواجهة المجتمع الدولي.
وإذا كان الدافع الأول كما يبدو، هو الخوف من التطورات المحتملة، في ظل الوضع اللبناني الراهن وما يحيط به على الصعيدين الإقليمي والدولي خارجياً، فإن الدافع الثاني إلى التحرك هو ـ على ما يبدو أيضاً ـ الخوف من أن يظهر الشيعة عبر تمثيلهم السياسي وكأنهم خارج الوفاق الوطني أو في مواجهته، لا سيما في ما يتصل بالمحاكمة الدولية. ولعل الرئيس بري هو الأعرف بأن الخوف، أو القلق الشيعي "المشروع" ليس فريداً في بابه في ظل خوف كل طائفة، وأن لا علاج لهذه المخاوف جميعاً إلا بالمكاشفة.
هذان الخوفان من المفصل الخطير الذي سيكون على لبنان مواجهته ومن وقائع الوضع اللبناني الداخلي الراهن، حاضران بلا شك في خلفية مبادرة بري. ولا شك أيضاً ان ثمة خوفاً شيعياً إضافياً سواء من وضع الشيعة في "وجه" الآخرين أو من أن يكون عليهم دفع ثمن التطورات.
فكفكة الجدار اللبناني السميك
يُفترض إذاً أن بري "الخائف" و"القلق"، أمعن عقله وحنكته السياسيين، فوجد مُحقّاً ان الأفق السياسي في ضوء معطيات الوضع اللبناني الراهن ووقائعه، مسدود، وأن لا بد من إزاحة الجدار السميك. هو يعرف جيداً أن التنسيق بين قوى وتيارات 14 آذار لا يرقى إلى مستوى تجديد التحالف. وهو يعرف ان ما سُمّي "التحالف الرباعي" خدم عسكريته وانتهى وان "التسوية" التي قام عليها كانت ظرفية "جداً" وانتهى مفعولها. وهو يعرف ان 8 آذار كان في الأصل يعني تحالف "أمل" و"حزب الله" أساساً. أدرك إذاً أن أحداً ما، عليه أن "يعدّل" موقعه على الرقعة السياسية اللبنانية، وان هذا "الأحد الما" ليس سوى بري نفسه. وذلك من أجل الانتقال إلى موقع أقرب إلى التوسط والوسطية والبحث عن تسوية أو تسويات، يساعده في ذلك كونه اضافة إلى كل ما يمثل، رئيساً لمجلس النواب. ولعل بري يدرك أيضاً أن وجوده على رأس المجلس النيابي بعد الانتخابات الأخيرة والذي بدا بوصفه أمراً واقعاً فرضه التمثيل السياسي الشيعي، بات يتطلب "تدعيماً" بالتحرك على رقعة "الشطرنج" اللبنانية. وأكثر من ذلك، ان بري الذي اكتسب طوال السنوات الماضية صفة تمثيل الشيعة في السلطة والنظام السياسي، يعرف ان ضمانة "الحقوق المكتسبة" للشيعة في النظام هي في تجديد الوفاق الوطني، إذ لا يخفى على أحد في البلد أن "الخوف الشيعي" حيال التطورات إنما له جانب أساسي يتعلق بالخوف من أن تأتي التطورات على حساب مكتسبات الشيعة، وهو "الخوف" الذي جرت تغذيته تحت عنوان أن الشيعة مستهدفون طالما أن أحد طرفي الثنائية أو كليهما مستهدف.
الخط البياني للمبادرة.. وعلاقة "حزب الله" بها
هكذا إذاً، يمكن رسم الخط البياني لتطور تفكير بري وصولاً إلى المبادرة: الخوف من المنعطف الخطير "الآتي" "الخوف الشيعي" الخوف "على" الشيعة الخوف على لبنان فكفكة الجدار السميك الدعوة إلى الحوار التحرك لتنظيم هذا الحوار التمايز ضمن الثنائية الشيعية.
بطبيعة الحال، إن أحداً لا يريد أن "يمون" على الرئيس بري في شرح مبادرته ودوافعها. بيد أن المراقبين والمتابعين يقرأون المبادرة التي أطلقها على أساس ما جرى تقديمه آنفاً.
وبكلام آخر، يستبعد المراقبون والمتابعون أن تكون المبادرة "موحى" بها سورياً، لانها ـ أي المبادرة ـ لا تتوازى مع السياسة السورية القائمة حيال لبنان، وإن كان من الطبيعي أن يُدرج الرئيس بري بعد استكشاف آراء القوى، بند العلاقة اللبنانية ـ السورية على جدول أعمال الحوار. مع تشديده المتوقّع على الخطر الاسرائيلي، وهو تشديد غير مفتعل بطبيعة الحال، بل هو بديهي في ظل المعطيات الاقليمية والدولية الراهنة.
غير ان المراقبين والمتابعين، لا يستبعدون أن تكون المبادرة منسّقة مع "حزب الله"، وهي لو كانت كذلك، في مصلحة الحزب ومصلحة البلد ككل. وأكثر من ذلك، وفي حال كانت كذلك فعلاً، يكون "حزب الله" قد أعطى بري "تكليفاً شرعياً" بها من أجل أن "يوحي" بإعادة تموضع "ما" جديد على الرقعة السياسية بالنسبة الى مواضيع محدّدة كالمحاكمة الدولية مثلاً.. هذا مع العلم انّ عنواناً من نوع كيفية التعاطي اللبناني مع القرارات الدولية بات ضرورياً اجراء التمهيدات اللازمة لقيام حوار صحّي وطنيا حوله.
أهمية استحضار العامل اللبناني الذاتي
لكن ومن دون "مونة" لا مبرّر لها على الرئيس بري، ومن دون الغرق في افتراضات، فإن تحرك رئيس "أمل" ينطوي على ايجابيات كثيرة، أهمها ليس فقط ما يشير إليه من وعي بالأخطار، بل محاولته "استحضار" العامل اللبناني الذاتي في هذه المرحلة الحرجة، ومحاولته فرض مسار لبناني موازٍ للمسار الإقليمي والدولي و"أغراضه" ومستقل عنه "نسبياً" في آن... لا بل إن هذه المبادرة هي الأولى من نوعها لاستحضار العامل اللبناني منذ اتفاق الطائف الذي يبقى سقف أي مبادرة، وأي تسويات يمكن لحوار وطني جدي أن ينتجها، وهي ـ أي المبادرة ـ ترجمة "حقيقية" لما يجري إعلانه منذ الانتخابات الأخيرة من ان "الحوار اللبناني" هو البديل من "التدويل".
المحك
لقد أعلنت أطراف رئيسية ترحيبها بهذه الخطوة. "تيار المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي" يتعاملان معها بايجابية وهي تستحق هذا التعاطي معها. وثمة فرقاء آخرون يدرسونها وآخرون سيطّلعون عليها قريباً. وإذا كان صحيحاً القول أنها ستكون على المحك خلال الأيام المقبلة، محك قدرتها على أن تكون شاملة كل قوى التمثيل السياسي الطائفي والشعبي، فالصحيح أيضاً انها سوف "تختبر" المعوقات، داخلية أو إقليمية (سورية) أو دولية. بكلام آخر، إن اطلاق المبادرة لا يعني حتمية نجاحها خاصة أنّ في البلد "مشروع تخريب" ومصدره معروف. لكن إطلاق المبادرة ايجابي في حد ذاته، في انتظار أن يتبلور المضمون، وأن تتضح آفاق التسويات التي لا بد منها.
مبادرة العام 2000 والإشارات الأخيرة
وغنيّ عن القول أن تحرك الرئيس بري أعطى أملاً، وأشّر إلى "إمكان" الخروج من "الفرز"، وإلى فرصة لتحصين الوضع اللبناني. وليست المبادرات جديدة على الرئيس بري وإن كانت مبادراته متباعدة جداً زمنياً. فمن لا يذكر مثلاً مبادرته باتجاه بكركي خريف العام 2000 بعد انتخابات ذلك العام، والنداء الأول الشهير لمجلس المطارنة الموارنة؟. ومن لا يذكر الفائدة الوطنية التي كانت ستتحقق لولا إطلاق النار عليها من بعبدا ومن مكان ما بين عنجر ودمشق آنذاك؟. لذلك، وبالرغم من التحليل السابق، وبالرغم من أن بري يحسب خطواته عادة، يجب عدم استبعاد "التقويص" عليها بالمطلق، وإن كان الوضع اللبناني أكثر قابلية اليوم، في بعض جوانبه، لتقبل مبادرات، شعوراً بأن لبنان لا تحميه إلا "ذاته"... ثم من ينسى ان بري أعطى "فلاشات" عدّة في الآونة الأخيرة حول المحاكمة الدولية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.