8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ثلث ساعة "طويل" لجنبلاط في رحاب حكمة البطريرك

عشرون دقيقة، وقت غير قصير عندما يكون وليد جنبلاط والبطريرك نصر الله بطرس صفير طرَفي اللقاء. وليس وقتاً قصيراً في نظر من يعرفون الأسلوب "المباشر" للزعيم الجنبلاطي والطرح المكثف لرأس الكنيسة المسيحية، وفي نظر من يعرفون انّ اللقاء بين الرجلين يكون ممهّداً دائماً.
إلى هذا اللقاء "الودي جداَ" كما يصفه "ظلّ" جنبلاط وائل أبو فاعور، وصل جنبلاط مبكّراً ثلث ساعة ـ 20 دقيقة أيضاً ـ عن الموعد المحدد والمتفق عليه، وكان وصل إلى "المنطقة" ـ منطقة الصرح ـ أبكر، في حساب معين لمسافة الطريق والزمن و"العجقة". حاول الزعيم الاشتراكي ان يقطّع الوقت ليصل الى بكركي على الموعد تماماً، فجال في المنطقة و "تفرّج" على خليج جونية.. ومع ذلك وصل قبل الوقت.
بعد جعجع وقبل عون..
و"القرنة" السابقة حاضرة
هرعَ مستقبلوه إليه ودخل على سيد بكركي. وكما بدا على التلفزيون، فانّ تكريم البطريرك لضيفه كان لافتاً، فلم يجلس على كرسيه "الكبير" المعروف، بل جلس على كرسيّ "عادي" بجانب الضيف "الكبير"، وذهبا مباشرة إلى "الموضوع" ومن دون مجاملات.
وبانتهاء زيارته "القصيرة" لكن "الثمينة" الى البطريرك، يكون جنبلاط قد اكمل "الحلقة المسيحية" الثانية. الثانية "زمنياً" مع انها الأولى "وطنياً وسياسياً". هي الثانية بعد لقائه زعيم "القوات اللبنانية" سمير جعجع وتسبق لقاءه المنتظر في أي وقت مع زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون، إذ اصبح هذا اللقاء "متيسراً" في ضوء الاتصالات التي قطعت شوطاً بين الجانبين.. على ذمة أبو فاعور الذي يعرف. ويتحاور جنبلاط قريباً مع وزير "الكتائب" بيار الجميل. وليس ثمة سر في انّ لقاءات جنبلاط مع شخصيات "قرنة شهوان" السابقة لم تنقطع، واستمرت قبل التحرك الحالي وتستمر بعده، مع سمير فرنجية وفارس سعيد اللذين يلعبان دائماً دور "تقريب" وجهات النظر بين بكركي والمختارة.. ومع نسيب لحود وبطرس حرب.
سعد الحريري ومبادرة برّي
ويلمس المتتبع لحركة جنبلاط وتحركه، انّ رئيس "اللقاء الديموقراطي" حريص شديد الحرص على الاّ يفسر اقترابه من "الساحة المسيحية" افتراقاً عن الآخرين. فخلال الأيام الماضية، لم يخفِ جنبلاط ارتياحه إلى حصيلة مشاوراته مع زعيم "تيار المستقبل" وحليفه سعد الحريري في دبي والمملكة العربية السعودية. كذلك ابدى ارتياحه حيال المبادرة التي اطلقها زعيم "أمل" نبيه بري من أجل حوار وطني، فأظهر اهتماماً بها. وقد حمّل ابو فاعور رسالة إلى بري بهذا المعنى يوم الأربعاء الماضي. أما العلاقة مع "حزب الله" في انتظار اللقاء مع قائده السيد حسن نصر الله فقائمة وفي يد الوزير غازي العريضي الامينة.
إذاً، لا "شيء" على حساب "شيء" آخر.. والتحرك متكامل، ومنطلق من قناعة لدى وليد جنبلاط بأنّ استقرار لبنان هو أولوية الأولويات.. خاصة انه العارف انّ النظام السوري، وقد اشتدّ من حوله الطوق، "قد" يمارس "سياسة" هزّ الاستقرار اللبناني باسم "المواجهة" و"الصمود"، لعِباً بالفوضى استدراجاً لصفقة لا تأتي مع الولايات المتحدة، وهو العارف أيضاً انّه في صميم معركة "دفاعية" مع النظام السوريّ الذي اختط بـ"سياسته" طريق اللارجوع مع لبنان. وبهذا المعنى فانّ عودة جنبلاط إلى 14 اذار أو عودة 14 آذار اليه، لا تعنيان الا.. الاستعداد لمزيد من الانفتاح على القوى الرئيسية تحصيناً للبلد.
حماية الانجازات الوطنيّة المتكاملة.
... والآن عودة إلى بكركي. ماذا دار في اللقاء؟
في هذا اللقاء الودّي جداً، الاول منذ فترة الانتخابات النيابيّة الأخيرة، وما شهدته بكركي حينها من احتجاجات على قانون الانتخاب الذي سعت أوساط معروفة إلى تحميل جنبلاط مسؤوليته سعياً إلى "تجفيف" علاقته بالبيئة المسيحية، لم يتم التطرق إلى هذه المسألة "الغابرة"، والتي سبق لـ"قنوات الوصل" بين جنبلاط والبطريرك ان "عالجتها".
إذاً، حكى جنبلاط وأجاب البطريرك والعكس بالعكس. وكان الاتفاق تاماً على العناوين الرئيسية. أعرب زعيم الجبل عن اقتناعه بأنّ انجازات وطنية كبرى تحققت خلال الفترة السابقة، أهمها انجازان: انجاز التحرير بطرد الاحتلال الاسرائيلي عام 2000 من ناحية وإنجاز إستعادة القرار الوطني المستقل بانهاء الوصاية السورية على لبنان عام 2005 من ناحية ثانية، ورأى انّ الأهمّ هو في تكامل الانجازين وليس أن "يؤخذ" كل واحد منهما على حدة، ودعا إلى حمايةً الانجازات جميعها من أجل منع العبث بالاستقرار الداخلي.
اتفق رئيس الكنيسة ووليد جنبلاط على أنّه، ومن أجل ذلك، اي من أجل حماية الانجازات حمايةً للاستقرار، لا بدّ من الحوار بين القوى السياسية، ولا بدّ من طرح أيّ هواجس متبادلة تحقيقاَ لتفاهم وطني يشكل المعبر إلى حفظ وحدة البلد واستقلاله.
الحقيقة... إلى النهاية
هذا في المبدأ، أي في العنوان العام. أمّا في "الجوهر" فكان اتفاق على أولوية متابعة التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري حتى النهاية، وكان إصرار مشترك على أهمية كشف الحقيقة الكاملة في هذه الجريمة الارهابية.. وكانت قناعة مشتركة أيضاً بأن كلّ "الغبار السوري" الذي أثير في الآونة الأخيرة حول التحقيق لن يؤثر في مجرياته. واذ أكد جنبلاط تمسكه بقيام محكمة دولية لمحاكمة المجرمين والقتلة، لم يُبدِ البطريرك اعتراضه "خاصة إذا كانت المحاكمة اللبنانية متعذرة".
لا أفق الآن لمعالجة العلاقات اللبنانية ـ السورية
وفي "الجوهر" أيضاً، تبادل الرجلان الرأي في موضوع العلاقات اللبنانية ـ السورية. وفي ما اتفقا عليه بشأنها، لا يخفى أنهما مقيمان على قناعة بأن الافق ليس مفتوحاً الآن لا لبحثها جدياً ولا لتحسينها، مع حرصهما على التمييز بين النظام السوري "الخصم" والشعب السوري الشقيق. فجنبلاط يرى انّ البلد في خضم معركة لحماية انجاز الاستقلال في وجه محاولات تخريبه مِن قبل النظام السوري، وانّ معركة الدفاع عن الاستقلال هذه لا مساومة فيها. وصفير يعتبر انّ مشكلة النظام السوري هي مع المجتمع الدولي وان "لا دخل لنا فيها"، وانّه لا يجوز السماح بـ "شنكلة" لبنان في هذه المشكلة.
المقاومة
وكذلك في "الجوهر" أيضاً، استعرض الرجلان موضوع كيفية التعاطي مع القرارات الدولية لا سيما القرار 1559. عرض رئيس "التقدمي" موقفه المعروف من هذا القرار، وكرر انّه لا بدّ من تحرير مزارع شبعا واستعادتها إلى السيادة اللبنانية، وانه لا بدّ من تحرير الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية، وفي موازاة استمرار المقاومة لتحقيق هذين الهدفين، البحث في قيام منظومة دفاعية لبنانية في مواجهة الخطر الاسرائيلي، تلعب المقاومة دوراً بارزاً فيها إلى جانب الجيش، في مرحلة ما بعد المزارع والأسرى. من جانبه عرض البطريرك موقفه المؤيد لنقاش لبناني ـ لبناني حول هذه المسألة، معرباً عن "إيمانه" بدور المقاومة في المرحلة السابقة وعن "تحفظه" عن استمرار سلاحَين في المرحلة الحاضرة ـ المقبلة، واحد للشرعية اللبنانية وثان للمقاومة، عاكساً هواجس من كون السلاح موجوداً في أيدي "بعض اللبنانيين"، الامر الذي يخلق خللاً وطنياً. اتفق "الجانبان" على ضرورة أن تكون هذه المسألة عنواناً رئيسياً من عناوين الحوار اللبناني ـ اللبناني.
بريح والشحّار الغربي
وفي "الجوهر" أيضاً وأيضاً، واذ استعادا شراكتهما في مصالحة الجبل، اتفق البطريرك وجنبلاط على ان تبقى هذه المصالحة محيّدة عن أيّ تباين سياسي كما كانت حتى الان، وعلى اعتبار انها كانت ويجب ان تبقى منطلقاً للمصالحة الشاملة في البلد. عُرضت الخطوات التي قطعتها المصالحة في الجبل ميدانياً، وكان اتفاق على وجوب إقفال ملفي بريح والشحار الغربي بأسرع وقت، مع اتفاقهما على تثمين الأشواط التي قطعت في مصالحات المناطق والبلدات والقرى الأخرى.
اتفاق أصلي: ضد التمديد
بعد ذلك جرى المرور بسرعة على موضوع رئاسة الجمهورية، بمعنى انّه لم يُطرح في اللقاء كمسألة فورية أو كأولوية آنية. وكان واضحاً انّ هذه المسألة ليست موضع خلاف "سياسي" بينهما.. بدليل انّ البطريرك ذكّر بموقفه التاريخي والمبدئي ضدّ التمديد للرئيس الحالي، كما قبل ذلك ضدّ التمديد للرئيس الياس الهراوي. النتيجة التي يُمكن "استنتاجها" اذ لا يبوح أحد بما هو أكثر من ذلك، هي انّ موضوع الرئاسة هو نفسه سيكون نتيجة لمعطيات وتطورات لا ضرورة لاستباقها.
وعند هذا الحدّ وإذ يتبين انّ "لقاء ثلث الساعة" كان لقاء تحديد مواقف اكثر منه لقاء لنقاش مفتوح، برزت فكرة بالغة الأهمية لدى "الشريكين" في مصالحة الجبل: لا بدّ من تخفيف الاستنفار داخل كل طائفة، ولا بد من تخفيفه بين الطوائف اذا كان الهمّ هو همّ الاستقرار اللبناني فعلاً.
للبحث صلة
انتهى اللقاء بـ"سرعة" لكن بتفاهم عميق. وخطوط الاتصال ستبقى مفتوحة.. ووائل أبو فاعور بـ"تصرف" الصلة بين "الرئيس" و"حكمة البطريرك".. "حكمة الصبر" كما قال وليد جنبلاط قبل مغادرته الصرح البطريركي.. الصبر في مواجهة محاولات التخريب ثقةً بالمستقبل.
و"على الواقف"، سأل الزعيم الاشتراكي رأس الكنيسة عن الفاتيكان، وعن البابا الجديد.. وعن الأصدقاء المشتركين في "حاضرة الكثلكة".. وغادر مرتاحاً، فبثلث ساعة فقط يمكن توجيه الرسالة، رسالة التوافق والتضامن.
وكلمة حقّ تُقال: وحده وليد جنبلاط هو القادرُ على "دق النفير" عندما تكون البلاد على مشارف أيام فيها الكثير من الأمل وفيها بعض المتاعب، وعندما تكون البلاد على مشارف "جزء مجلجل" من الحقيقة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00