8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المحاكمة الدولية وذهاب لحود عنوانان طبيعيان لما بعد 13 كانون

للبنان مع كل تقرير يقدمه رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي ديتليف ميليس موعد مع محطة سياسية جديدة. بيد أن المحطة هذه المرة، أي الأسبوع المقبل، تبدو مفصليّة لا بل استراتيجية وفقاً لكل المقاييس.
ذلك أن ميليس الذي تعرّضت تحقيقاته خلال الأسبوعين الأخيرين خصوصاً لهجوم سوري مضاد، يُفترض أنه معنيّ، خاصةً إذا كان في طريقه إلى مغادرة موقعه على رأس التحقيق الدولي، بإعادة الاعتبار للتحقيقات و"هيبتها"، ومعنيّ بإثبات أن التنظيم المخابراتي السوري لشهود معينين لم يفلح في النيل من صدقية التحقيق الذي لا يستند إلى "شاهد أساسي" أو "شهود أساسيين" كما قال في لقائه بالإعلاميين الأسبوع الفائت، بل يستند إلى وقائع ومعطيات "غير محدودة". وعلى هذا الأساس، "يُفترض" أن يأتي تقرير الثالث عشر من كانون الأول الجاري حافلاً بالأدلة والبراهين، مما يتيح له الاشتباه وتوجيه التهم.
وسواء اتخذ ميليس قبل التقرير أو بعده الإجراءات القانونية "المتلائمة" مع الاشتباه، من مثل توقيف مزيد من الأشخاص في لبنان أو طلب توقيف مسؤولين سوريين، فمما لا شكّ فيه أن ثمة جديداً تجدر ملاحظته على الصعيد السياسي.
تطور أول: النظام السوري في دائرة الاشتباه
الجديد الأول بانتقال ميليس من الحديث عن عدم تعاون سوري مع التحقيق الدولي إلى الحديث عن ظنّ واشتباه في ما يتعلق بـ"الجانب السوري" من جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، هو أن أركاناً في النظام السوري سيصبحون في موضع الشبهة ـ والاتهام ـ أي أن النظام السوري نفسه سيصبح ـ رسمياً ـ في موضع الشبهة، على قاعدة عدم إمكان الفصل بين "أفراد" و"تركيبة" في نظام كالنظام السوري، خصوصاً إذا ذهبت الشبهة إلى من هم أعلى رتبة في الهرمية السورية من الذين تمّ استجوابهم في فيينا، وخاصة إذا أخذ في الاعتبار أن القرار الأمني والقرار السياسي متوحّدان في سوريا.
هذا الجديد "قضائياً" يمثّل تطوراً سياسياً بارزاً. ويعني أول ما يعنيه أن النظام السوري بات أمام مزيد من الحصار السياسي، فلا حرية حركته متاحة عربياً ولا هي متاحة دولياً، وبالقدر نفسه سيتحول إلى "مشكلة عربية".
تطور ثان: لحود "مخنوقاً"
أما الجديد الثاني الموازي، عبر تكامل الجانبين اللبناني والسوري في تحقيقات ميليس وتقريره، فهو أن وضع رئيس الجمهورية اميل لحود سيزداد اختناقاً طالما أن النظام الأمني السوري ـ اللبناني المشترك سيصبح بمجمله في موضع الشبهة ـ والاتهام ـ قضائياً.
بطبيعة الحال، لا أحد ينتظر من تقرير ميليس أن يحدّد من اتخذ "القرار السياسي" بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد حتى لو قدم المعطيات والوقائع التي تسمح بـ"الاستنتاج السياسي". و"قد" يورد ميليس في تقريره معطيات معينة عن لحود أو عن إفادته أمام لجنة التحقيق الدولية، و"قد" تكشف هذه الإفادة "أشياء" أساسية سواء كانت غير مطابقة لوقائع المرحلة السابقة و"قوانينها" وآليات القرار فيها من دمشق إلى بعبدا أو من دمشق إلى عنجر إلى بعبدا.. أو كانت متناقضة مع إفادات آخرين.
هذان الجديدان المفترضان، هما في حقيقة الأمر تطوران سياسيان بارزان. فوصول ميليس في تقريره الى الاشتباه بأركان في النظام السوري، أي عملياً بالنظام السوري نفسه في "الاستنتاج السياسي"، يعني أن النظام في سوريا أصبح وجهاً لوجه أمام "المجتمع الدولي" وبـ"شروط" أقل لصالحه، وأن المعركة "على النظام" أخذت أبعاداً إضافية. كذلك فإن وصول ميليس في تقريره إلى تقديم الوقائع "المحاصِرة" للحود، يعني أن هامش المناورة لدى الرئيس الممدّد له قسراً يضيق أكثر فأكثر، وأن معركة بقائه في رئاسة الجمهورية تأخذ أبعاداً إضافية أيضاً في ظل "رافعة" دولية متاحة الآن لإنهاء ولايته .
الأداء السوري المفترض بعد 13
كانون.. والأخطار الأمنية
إذاً، إن مرحلة ما بعد تقرير ميليس الأسبوع المقبل، مختلفة سياسياً، وإن كانت لا تزال في سياق المرحلة السابقة عليها.
ستكون للنظام السوري ردّة فعله حيالَ هذه المحطّة من التحقيق الدولي. وإذا ما اُخذ في الاعتبار سلوكُه في الفترة الماضية، وهو أمرٌ يجب أخذه في الاعتبار، فإن المتوقّع هو أن يتصرّف دفاعاً عن نفسه، وبسياسة تكاد تكون على قاعدة "عليّ وعلى أعدائي"، أو على قاعدة "أن ليس لديّ ما أخسره"، مع مراهنات إما على عامل الوقت وإما على مشكلات مُفترضة لدى "معسكر الخصم"، وإما على أساس أن الوضع العربي الرسمي لا يرغب، على الرغم من عدم موافقته على الأداء السوري، في رؤية "وضع عراقي" جديد في المنطقة، وإما على قاعدة "أحِبّ الموتَ يكرهُه غيرُك". لماذا؟
من الواضح أن النظام السوري لا "يأكُل" مِن الكلام عن التعاون مع التحقيق الدولي، وهو لا يستطيع أن "يأكل" منه. وهو لا يستطيع أن يوافق على مثول مزيد من المسؤولين أمام التحقيق. ولا يستطيع الموافقة على إرسال من يتمّ الاشتباه بهم واتهامهم الى المحاكمة. فالمسألة عنده مسألة وجود النظام نفسه، وليس خافياً أنه يعرف أن الكل يعرف أنه متورّط في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وفي الأصل هو يتصرّف على هذا النحو لأنه لا يمكنه "الاعتراف"، ويحاول عبر الإكثار في الكلام عن البراءة نقل المعركة الى ميدان آخر تحت عنوان ممانعة المشروع الأميركي ـ الغربي والصمود في وجهه. وعليه، سيكون من الخطأ افتراضُ ردّة فعل مختلفة عند نظام لم تكن له مبادرة في مرحلة سابقة الى تطوير نفسه من داخله أو من خلال الانفتاح الداخلي، عند نظام يقول رئيسه "إنك إمّا أن تكون قاتلاً أو مقتولاً لأنك مقتول مقتول". وبطبيعة الحال، من المبكّر الخوض في توقعات حول الممرات التي ستسلكها معركة دفاع النظام السوري عن نفسه من جهة والمعركة الخارجية "على" النظام السوري من جهة وأخرى.
غيرَ أنه من "الواجب" إفتراض أن لبنان سيكونُ في مدار معركة النظام دفاعاً عن نفسه. ومِن متابعة أدائه في لبنان بعدَ الانسحاب منه رسمياً، يمكنُ استنتاج أنه زاوجَ بينَ أمرين: تعويق لبنان عن مسار التقدّم في قضاياه كافة من ناحية، ومحاولة التخريب السياسي والأمني من ناحية ثانية. وذلك كله يعني أن ثمّة مخاطر أمنية بالدرجة الأولى، وسياسية طبعاً، ستكونُ ماثلةً في الفترة المقبلة. فهل هذا هو الاحتمال "الأسوأ"؟
يتوقف الجوابُ عن هذا السؤال على مدى قدرة النظام السوري الذاهب الى "محاصرة" عربياً ودولياً، وفي حدّ أدنى محاصرة دولية "تتخلّلها" مساعٍ عربية ما على "اللعب" بالاستقرار اللبناني. بيدَ أن المؤكد هو أن القول إن مشكلة النظام السوري هي مع المجتمع الدولي وليست مع لبنان، مقنعٌ "ذهنياً" لكنه لا يكفي لأن يكون مطمئناً للبنانيين، وهو من النوع الذي لا "يأكلُ" النظام السوري منه أيضاً.
المحاكمة الدولية وذهاب لحود:
مزيد من المشروعية
مِن هنا، مِن المنطقيّ أن يتمّ التفكير، وعلى مسافة أسبوع فقط مِن تقرير ميليس وتداعياته بما العمل.
غنيّ عن القول بدايةً إن عنوانَين يفرضان نفسيهما على المجتمع السياسي اللبناني. العنوان الأول هو الجواب على الاشتباهات ـ والاتهامات ـ في تقرير ميليس بالمطالبة بمحاكمة دولية. والعنوان الثاني هو الجواب على وجود إميل لحود في دائرة الاشتباه في ضوء موقعه في النظام الأمني المُشتبه بـ"شقّيه" السوري واللبناني، بالمطالبة باستقالته والعمل على تحقيقها.
ستكتسبُ المطالبة بمحاكمة دولية مزيداً من "المشروعيّة" بعد 13 كانون الأول الجاري. فإذا كانت الدعوةُ الى انتظار انتهاء التحقيق لا تستقيم مع التوضيحات القانونية التي قدّمت في الأيام الأخيرة حولَ أهمية عامل الوقت لتشكيل هكذا محكمة، فإن وجود عناصر ظنّية وأدلة ظنّ واتهام في تقرير ميليس المقبل، سيفرضُ الذهاب الى هذه النقطة لبتِّها، إضافة الى ما يعنيه القرار بمحاكمة دولية من "مظلّة" فوق لبنان هي أكثر أهمية من تمديد مهمة لجنة التحقيق الدولية وذلك بالتوازي مع التشديد على نقطتين هما ان المحكمة الدولية لا تعني التدويل، وان المحكمة الدولية معنية فقط بجريمة اغتيال الرئيس الحريري.
وستكتسبُ المطالبة باستقالة لحود مزيداً من الدينامية أيضاً بعد 13 كانون الأول الجاري. ذلك أن لحود محاصرٌ بـ"الشبهة"، ويُحتمل جداً أن ينتقل مع "المعركة السورية" الى موقع العمل على مزيد من التخريب السياسي.
..ولكن
هذان العنوانان طبيعيان ومنطقيّان. غير أن كونهما طبيعيَين ومنطقيَين لا يكفي لاعتبار أنهما سيتحققّان حتماً.
لا شك أن اتخاذ قرار في مجلس الوزراء بطلب محاكمة دولية ممكن بالأكثرية. غير أن اتخاذ هكذا قرار، في ظل موقفَي حركة "أمل" و"حزب الله" حتى الآن، ينطوي على المجازفة بأزمة حكومية إذا أصرّ الطرفان على الاستقالة، علماً انه لا يمكن اعتبار موقفيهما "مقفلين" لا سيما بوجود "تلاوين" في الموقفَين.
كذلك، ثمة غالبية نيابية ـ وسياسية ـ مع استقالة لحود ودفعه إلى الاستقالة. لكن لا يخفى أن ثمّة "متراسَين" أمام لحود في هذا المجال هما "حزب الله" من ناحية و"التيار الوطني الحر" ورئيسه العماد ميشال عون من ناحية أخرى. وإلى ذلك يضاف أن موقف البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي لا شكّ أنه لا يغطي بقاء لحود في القصر الجمهوري، لا يزال يحجز التوجه إلى ضغط سياسي ـ شعبي لدفع لحود الى الاستقالة، وذلك تحت عنوان "القانون". وليس خافياً أيضاً أن طرح فرقاء وشخصيات مسيحيين لمقولة الاختيار المسيحي لرئيس الجمهورية، وحرص البعض الآخر على معرفة البديل قبل الدخول في إقالة لحود، و"إشتغال" كل مرشح لـ"قضيته" فقط.. إن كل ذلك، يجعل هذه المسألة في حال استمرت المعطيات الحالية، معقدة.
معطيان تحليليان "يُراهن" عليهما
وهنا، ثمة معطيان "تحليليّان" يجري تقديمها لـ"الرهان" على إمكانية تغيير في أمر العنوانَين السابقين. المعطى التحليلي الأول هو مدى تأثير العامل السوري سياسياً بعد 13 كانون الأول الجاري، أي مدى استمرار بعض الأطراف في مراعاة الموقف السوري بعد أن يصبح في خانة الاشتباه ـ والاتهام ـ خصوصاً إذا تجسّد الأداء السوري في صيغة محاولة دفع الأطراف إلى مواجهة بعضها بعضاً وهزّ الاستقرار الداخلي. والسؤال هنا هو: هل ثمة خطّ أحمر داخلي؟. أما المعطى التحليلي الثاني، فهو أن انتقال أطراف الغالبية النيابية ـ السياسية ـ الى "الهجوم" بعد أن وُضعت في حال دفاعية طويلاً، من شأنه أن يُظهر أمام الآخرين مدى الضرر على البلد خصوصاً في حال "عدم الوصل" مع الغالبية.
أين "عصب" الغالبية؟
هذان مجرد معطيين "تحليليين". والغاية من ايرادهما هي التأشير إلى استمرار الضعف في أداء فريق الغالبية، الأمر الذي يحتاج إلى استدراك سريع، وكذلك الإشارة إلى أن البحث عن تسوية بين مختلف الفرقاء ضروري وإن كان شرطُه توحيد الغالبية لصفوفها.
وأكثر من ذلك، وفي ظلّ خوف اللبنانيين من لجوء النظام السوري وأدواته اللبنانية الى "الأمن" وسط مؤشرات عديدة إلى استعدادات في هذا المجال ستكون عودة لاحقة اليها، تكتسب تقوية الغالبية لـ"عصبها" أهميّة كبرى، للتوصل إلى تسوية لا تحمي سياسياً فقط بل أمنياً أيضاً.
المحاكمة الدوليّة وذهاب إميل لحود إلى بيته.. عنوانا مرحلة ما بعد 13 كانون الأول، فلتعدّ لهما الظروف.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00