"كما أننا لن نساوم بشأن سلاح حزب الله فلن نساوم على قيام محكمة دولية". هذه المعادلة" جاءت في سياق خطاب رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري في دبي قبل ثلاثة أيام وكررّها في حواره الإعلامي أمس بطريقة أخرى، وهي تعني ما تعنيه.
من نافل القول هنا ان سعد الحريري يضع "سلاح حزب الله" على قدم المساواة مع "المحكمة الدولية". يعتبرُ الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قضية توازي قضية المقاومة. إذاً قضية وقضية، قضية في موازة (أو في مقابل) قضية. انه منطق "التسوية" يشهره الحريري في "مواجهة" الاستقطاب والفرز.
معادلة الحريري ومقاربة "حزب الله"
لم يتأخر جواب "حزب الله" على هذه "المعادلة" حتى لو بدا ان الموقف منها لم يجرِ تقديمه في صيغة ردّ عليها وعلى "صاحبها". ففي خطاب له يوم الاحد الماضي، قال نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم ما مفاده ان الحقيقة ليست مطلباً سنيّاً وكذلك فإن الاعتراض على المحكمة الدولية ليس شيعياً.
في المبدأ، ان كلام قاسم صحيح. غير انه في الواقع ليس تشخيصاً دقيقاً. فممّا لا شك فيه ان الحقيقة مطلب "عمومي" يخترق الطوائف وقوى تمثيلها السياسي، في حين ان الاعتراض على المحكمة الدولية مصدره شيعي، أي قوى التمثيل السياسي الشيعي. وبكلامٍ أدق، ان التمثيل السياسي الشيعي هو المعترض وحده على المحاكمة الدولية في "المكان" الدستوري الذي يتخذ القرار في هذا الشأن، أي مجلس الوزراء، فيما القوى الأخرى في مجلس الوزراء تريد الذهاب إلى محكمة دولية.
و"الدليل" الأهم على ان الاعتراض "شيعي"، أو انه غدا شيعياً، هو ان هذا الاعتراض إن تحوّل استقالةٍ احتجاجية، يولّد "أزمة حكومية"، وربما ما هو أكثر، أي أزمة في "الوفاق الوطني". ولم يُخفِ الشيخ نعيم قاسم مثل هذا الاحتمال عندما قال ان لمن يتمسك بالمحكمة الدولية حقاً يمارسه وصولاً إلى اتخاذ القرار بذلك، وان لمن يعترض حقاً يمارسه وصولاً إلى اتخاذ القرار بمغادرة الحكومة. ولذلك، فبالرغم مما قاله نائب الأمين العام لحزب الله مِن ان الموقف سواء بالنسبة إلى الحقيقة أو بالنسبة إلى المحاكمة، سياسي وليس طائفياً أو مذهبياً، فإن واقع الأمر غير ذلك.. على الأقل منظوراً إليه من زاوية المحكمة الدولية.
بري و"حشرة" السقف المرتفع للحزب
طبعاً، لا يمكن للنقاش ولا يجوز له أن يتوقف هنا. فإذا كان ما يطرحه سعد الحريري "تسوية" تتضمن الدعوة إلى إجماع حول قضيتين، فإن رد الحزب ينطوي ـ حتى الآن ـ على رفض "التسوية". أما الشريك الشيعي الآخر، أي "حركة أمل"، فإن موقفه وعلى الرغم من تشدده، يبدو مفتوحاً على "التسوية"، وهذا ما تجلّى في إعلان الرئيس نبيه بري لـ"المستقبل" قبل بضعة أيام ان الخلاف بشأن المحكمة الدولية هو خلاف على التوقيت وانه مع محاكمة دولية بمحكمة مختلطة على الأرض اللبنانية، كما تجلّى في دعوة الرئيس بري عبر "النهار" أمس إلى لقاء لأركان "التحالف الرباعي" ("المستقبل" و"الاشتراكي" و"أمل" و"حزب الله") مضمراً تجديد "التسوية" بين أطراف هذا "التحالف".
وإذا كان الحديث هنا عن نزوع تسووي عند بري لا ينسُب إلى أي من الأطراف الأخرى الموافقة على ما يعلنه رئيس المجلس أو ما يقترحه، فإن الجدير بالملاحظة في هذا المجال هو ان السقف "المرتفع" الذي يضعه "حزب الله" حتى الآن انما "يحشر" الحركة ويضيّق أمامها الهامش ويحدّ من حرية تحركها.
مفهوم الشراكة يقترن بمفهوم التسوية
وفي سياق النقاش هنا، لا مانع من التذكير بأن الأداء السياسي لحزب الله خلال الشهور الماضية بدا رافضاً لمنطق "التسوية"، والحديث في هذا المجال لا يشمل المخارج الجزئية لعناوين جزئية، بل يتناول المسائل "الكبرى". وبالمناسبة، فإن مقاربة الحزب لمسألة مشاركته في الحكومة، فيها "الجوهري" وفيها غيره. فهو يعتبر محقاً ان الحكومة "شراكة"، وهو غالباً ما يذكّر بـ"الشراكة" ليواجه الدعوات إلى إعمال منطق العدد أو الأكثرية والأقلية، لكنه في المقابل وبدلاً من إبداء الاستعداد للانفتاح على "التسوية" يتصرّف، على قاعدة ان الحكومة شراكة، بما يؤدي ليس فقط إلى "حجز" القرار بل إلى "حجز" الوفاق العام أيضاً.
إعادة النظر مطلوبة بـ"شبه التسوية" السابقة
بطبيعة الحال، ان القول ان "حزب الله" هو من يتحمّل المسؤولية وحده في هذا المجال، ليس "عادلاً". ويجب أن يقال هنا ان "شبه التسوية" التي حصلت منذ نيسان ـ أيار الماضيين خدمت "عسكريتها"، وعلى أساسها كان التحالف الانتخابي لا بل كانت الانتخابات، وكان تشكيل الحكومة، وكان البيان الوزاري الذي أتى في صيغةٍ تتجنّب "التحديد" في مسائل رئيسية. وما يجري على الساحتين السياسية والدستورية منذ مدة، جدير بأن يدفع إلى إعادة النظر بـ"التسوية" السابقة.
على ان رفض تحميل "حزب الله" وحده مسؤولية "بؤس التسوية" التي كانت لا تزال قائمة، لا يُلغي واقع ان الحزب أبدى تبرّماً واضحاً من مشاريع التسوية، في موضوع سلاح المقاومة مثالاً. فهو إما انه رفض البحث فيها بالمطلق، وإما انه ردّ عليها برفضها، وإما انه تمسّك بالسلاح بـ"المطلق".. وإما انه ردّ على من يعرض حماية المقاومة سياسياً ضمن توجّه متفق عليه بأن أحداً لا يعطي الحماية للمقاومة بل المقاومة هي التي تحمي الجميع وتحمي البلد.. أي بلا "جميلة" أحد. هذا مع العلم ان ثمة "مشروع تسوية" حقيقياً اقترحه الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط ولم يبدر من "حزب الله" ما يشيرُ إلى تعاطٍ ايجابي معه، وهو اقتراح يحظى بموافقة عدد كبير من القوى والتيارات، بما في ذلك ضمن الساحة المسيحية. ويقترح جنبلاط التمسّك بالمقاومة وسلاحها حتى تحرير مزارع شبعا وتحرير الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية، على أن يتواكب ذلك مع نقاش عميق لفكرة قيام ما يسمّيه جنبلاط "المنظومة الدفاعية المشتركة" بين الجيش والمقاومة لمرحلة ما بعد مزارع شبعا والمعتقلين. وكان جنبلاط ومن يؤيد مشروع التسوية هذا يأملون أن يبدي الحزب استعداده للحوار في هذا الشأن.
خطاب الحريري و"توقيت" الطرح
إذاً، وبعد هذه المقدمات وبالعودة إلى خطاب سعد الحريري في دبي، من الواضح ان المعادلة التي صاغها بين المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد فقط وسلاح "حزب الله"، هي في العمق "مبادرة تسوية".
لم يلبس زعيم "تيار المستقبل" القفّازات حين انتقل في الخطاب نفسه من الحديث عن قضيتين تتوازيان إلى تأكيد ان المحكمة الدولية لن تكون سبباً لـ"شرخ" في لبنان وانها لن تكون سبباً لـ"شرخ" بين السنّة والشيعة. فهو سمّى الأشياء بأسمائها.
وعندما قال الحريري انه كما لم يساوم على سلاح "حزب الله" فلن يساوم على المحكمة الدولية، فإنه لم يقل ان عدم السير معه في المحكمة الدولية سيجعله يتخلى عن المقاومة. هو شاء أن يذكّر ليس فقط بأن الأمور في لبنان "تسويات"، بل أن يذكّر بأن ثمة ظرفاً موضوعياً يسمح ببحث التسوية ويتيح إمكان التوصل إليها. ولذا، فإن توقيت "العرض" أمر بالغ الأهمية.
1 ـ لما كان سعد الحريري لا يجهل ان النظام في سوريا "يخطط" لمواجهة "المجتمع الدولي" والمدخل الرئيسي هو التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ولا يجهل ان النظام السوري يستسهل كالعادة جعل لبنان ساحة لهذه المواجهة، فإن ما "يعرضه" هو أحد عناوين تسوية متكاملة تقي البلد أي تداعيات محتملة في هذه الحالة.
2 ـ ولا يجهل الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" انّ النظام السوريّ قدّم نفسه دائماً ويقدّم نفسه على أنّه العامل الرئيسيّ في مناعة لبنان ومنعته، وانّ هذا النظام رسم ويرسم سياسته في لبنان بين حدّي الإلحاق والتبعيّة والوصاية من جهة والفوضى من جهة ثانية. ولذلك، فان الدعوة إلى تسوية لبنانية ـ لبنانية في هذا التوقيت، تعكس الوعي بالخطر.
رفض الفتنة: الوحدة الاسلامية
3 ـ كذلك، لا يجهل سعد الحريري انّ احدى "وسائل" هزّ الاستقرار في لبنان، لا بل الوسيلة "الرئيسيّة" هي احداث فتنة مذهبيّة سنيّة ـ شيعيّة على "موضة" هذه الايام لانّ هكذا فتنة هي الأكثر تدميراً. ولذا، وفي امتداد وعي والده الرئيس الشهيد لهذا الخطر وهو ما شغله منذ الحرب على العراق وما دفعه إلى رفع أولويّة وحدة الساحة الاسلامية، فانّ سعد الحريري يجدد أولوية تحصين هذه الساحة. وأكثر من ذلك، هو لا يريد قطعاً لقوى التمثيل السياسيّ الشيعيّ ان تبدو في ضفّة كمن يشكّل متراساً، فيما الآخرون في ضفة أخرى. وهو عندما يعلن رفضه السماح بـ "شرخ" بين السنة والشيعة، انّما يرفض اي شكل من اشكال "الصراع الأهلي".
دمشق.. و"الجرّ" إلى الماضي
4 ـ والأهمّ، هو انّ الحريري يدرك انّ ثمة صراعاً بين المستقبل والماضي. وغنيّ عن القول انّ النظام السوري يمثل الماضي بالنسبة إلى لبنان، وهو ـ أي النظام ـ يحاول جرّ لبنان إلى الماضي من جديد ومنعه من النظر إلى المستقبل. وفي هذا المستقبل رؤية متكاملة لا بدّ من بلورتها، بشأن مشروع الدولة في لبنان وحول الديموقراطية، ومتابعة الصراع مع إسرائيل.
5 ـ لذلك، ليس خافياً انّ في ما طرحه الحريري محاولة لطمأنة "حزب الله" بأن لا تفريط إسلامياً ولبنانياً به، والطمأنة ليست لفظية بل جرت صياغتها على شكل التزام قوي قوة الالتزام بمتابعة الحقيقة والعدالة في جريمة اغتيال والده.
في ضوء ذلك، يصحّ اعتبار خطاب سعد الحريري في دبي عرض تسوية. وإذا كان لم يظهر من عرض التسوية هذا الا التوازي بين "قضية" المحكمة الدوليّة و"قضية" المقاومة، فانّ من شأن الحوار أن يبلور جوانبها وبنودها الأخرى. والمهم هو الاستعداد لذلك، ولا شكّ ان "الكرة" في ملعب الحزب مع تذكيره بما "يجب" ان يعرفه، وهو انّ ثمة استعداداً كاملاً لدى الآخرين لتبديد مخاوفه، في حين انّ الآخرين ما زالوا ينتظرون استعداده لطرح المخاوف المتبادلة.. على الطاولة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.