8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كي لا يعودَ المشهدُ الى الوراء كثيراً: معالجة المخاوف المتبادلة في البلد

ليس ثمّة لغزٌ محيّر في أداء طرفَي التمثيل السياسي الشيعي، و"حزب الله" تحديداً، كما تجلّى في الموقف المعبّر عنه بالنسبة الى المحاكمة الدولية وصولاً الى التهديد بالاستقالة من الحكومة في حال طرح هذا الموضوع على مجلس الوزراء.. في الأمد المنظور على الأقل.
السياق الاعتراضي الأشمل
وبما أن "حزب الله" كان "كثير الحضور" إعلامياً في الفترة السابقة، فإن استعادةً سريعةً لمواقفه كفيلةٌ بتأكيد أن ليس في الأمر أيّ لغز. فالحزب منذ الأساس كانَ ضدّ تشكيل لجنة تحقيق دولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإن كان "سايَر" في مرحلة لاحقة. غير أن الحزب ومنذ دخوله الى الحكومة رسمياً، اتّخذ مواقف معترضة من قضايا تتفاوت في أهميتها، تدخلُ في إطار ما يمكن اعتباره علاقة لبنان بـ"المجتمع الدولي".
لا يزالُ اعتراضُ "حزب الله" على الاستعانة اللوجستية بالـ"أف.بي.آي" في ما يتّصل بعدد من الجرائم، حاضراً في الأذهان. هوَ لم يوافق على تلك الاستعانة لكن التوضيحات التي أعطاها الرئيس فؤاد السنيورة التي أطفأت السجال آنذاك، بدا أنها لم تطفئ "الهواجس". والدليل على أن الهواجس والشكوك لم تتبدّد، هو تجديد "حزب الله" بعدَ ذلك طرح إشكالية العلاقة بين الاقتصادي ـ المالي والسياسي بالنسبة الى مؤتمر دعم لبنان. أعطى الرئيس السنيورة هنا أيضاً ما عنده من توضيحات ومعطيات فخمدت الاعتراضات جزئياً لكن الهواجس لم تنطفئ.
الموقف من "الشرعية الدولية"
حتى الآن، يبدو أن للأمر علاقةً بالموقف من الولايات المتحدة "فقط". غير أن المسألة بدت بوضوح أبعد من ذلك، عندما أخذ الحزب في طريقه الأمم المتحدة أي ما يسمى "الشرعية الدولية" إصطلاحاً. فقد شنّ "حزب الله" وعلى مراحل متقاربة حملةً على تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس وعلى ميليس نفسه، ثم على تقرير مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، تيري رود ـ لارسن وعلى لارسن شخصياً، ثم على ممثل الأمين العام غير بيدرسون. وبصرف النظر عن مضمون ما قيل مِن قِبل الحزب في كل هذه القضايا، فقد كان واضحاً أنه يفتح معركةً ضدّ المنظمة الدولية، مهجوساً بـ"خطر تدويل لبنان"، ومعبّراً عن مخاوف معيّنة. وفي هذه القضايا أيضاً، تزامنت الحملة على الأمم المتحدة ـ "الشرعية الدولية" ـ مع انتقادات للرئيس السنيورة وحملات عليه وتلميحات الى مصير الحكومة على الرغم مما كانَ يعطيه في كل مرة من توضيحات و"تطمينات".
شكّ بالسنيورة.. وبالتوقيت
إذاً، إن الاعتراض الأخير من قِبل "حز ب الله" على المحاكمة الدولية، ليس مفصولاً عن سياق متكامل. فالحزب لا يعترضُ على المحاكمة الدولية اعتراضاً على توقيت طرح الموضوع قبل انتهاء التحقيق فقط كما كانت الحجة "الرسمية" المعلنة حتى يوم أوّل من أمس، بل يعترض على تشكيلها لأنه يرى فيها أداةً من أدوات "التدويل"، ووسيلةً من وسائل المشروع الأميركي ـ والغربي والإسرائيلي ـ وأكثر من ذلك هو يعبّر عن ثقة "مأزومة" برئيس الحكومة، إذ يستحيل أن تتوالى فصول التساؤل والظنّ والتشكيك وتكون الثقة بالسنيورة قائمة. وبطبيعة الحال، فإن رفض بحث موضوع المحاكمة الدولية ينطوي في بعض جوانبه على تشكيك بالسنيورة وبـ"نواياه"، وهذا ما يعكسه السؤال الذي طرحه الطرفان الشيعيّان: لماذا طرح موضوع المحاكمة الدولية "الآن" وقبل نهاية التحقيق؟
برّي
أما بالنسبة الى حركة "أمل"، وعلى الرغم من تشارك ممثليها في الحكومة مع ممثلي "حزب الله" في الظن بـ"توقيت طرح الموضوع" والتهديد بالاستقالة، فإن الرئيس نبيه بري يوضح أن الاعتراض هو على التوقيت طالما أن التحقيق لم ينته، وأنه ما لم تتضح دوافع الاستعجال لإزالة الهواجس والمخاوف، فإن الإصرار على البتّ بعجلة يعني رفض الأخذ بـ"منطق" انتظار انتهاء التحقيق ويعني المعاندة مع الحلفاء عملياً.
ويوضح الرئيس بري أنه قال منذ فترة بقيام "محاكمة دولية بمحكمة مختلطة على الأرض اللبنانية".
ومِن هنا لا يخفى أن رئيس المجلس يرفض وضع المسألة في إطار اصطفاف شيعي ضدّ الآخرين.
طبعاً، إذا كانَ ما تقدّم يهدف الى وضع الاعتراض الشيعي على قيام محاكمة دولية في إطار موضوعي، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن الطرفين الشيعيين "يتحفّظان" بـ"تفاوت" عن نتائج التحقيق الدولي نفسه. ففي بيان مشترك صدرَ عنهما بعد تقرير ميليس، عكسا هذا الأمر، وإن كانَ الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله "زادَ" كثيراً على البيان المشترك و"هاجم" التقرير. وفي الأيام الأخيرة، بعدَ عرض "الشاهد" هسام هسام على التلفزيون السوري كانت تعليقات الحزب واضحةً في إبداء القناعة بأن "التحقيق اهتزّ"، لا بل يعتبر الحزب أن عدم بقاء ميليس على رأس اللجنة الدولية يأتي في سياق "اهتزاز" التحقيق.
المحاكمة الدولية ليست تدويلاً للبنان
في ضوء هذه المقدّمات جميعاً التي "تحاول" أن تقول أن للاعتراض على المحاكمة الدولية أصلاً في المواقف من مسائل أخرى، خصوصاً بالنسبة الى "حزب الله"، تسجّل أوساطٌ سياسية مجموعةً من الملاحظات:
أولاً ـ أن يكونَ للاعتراض على المحاكمة الدولية أصلٌ في مواقف أخرى، فذلك صحيح. بيدَ أن تنسيبَ المحاكمة الدولية الى "التدويل السياسي والوصاية الأجنبية" غير صحيح، لأن ليس ثمّة ضمانة للوصول الى الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري إلا عبر محاكمة محمية دولياً. وفي تنسيب المحاكمة الى "التدويل السياسي" ليس فقط افتعال إنما "تسييس آخر" للتحقيق نفسه، وخوف منه وإعلان رفض مسبق لنتائجه حتى لو كانَ الأمرُ مطروحاً تحت عنوان "انتظار انتهاء التحقيق".
سيقول "حزب الله" ـ وربما "أمل" ـ أن هذا "الاتهام" في غير محلّه بـ"دليل" أنهما وافقا على التمديد للتحقيق وللجنة الدولية. غير أن الأوساط تعتبر أن الموافقة على التمديد ليست مؤشراً ايجابياً وحدها وفي حدّ ذاتها.
ثانياً ـ وأن يكون للاعتراض على المحاكمة الدولية أصلٌ في مواقف أخرى، فذلك لا يعني أن تلك "المواقف الأخرى" صحيحة، ذلك أن لبنان لا يجوز ولا يستطيع أن يكون في مواجهة الشرعية الدولية، كما أن ليس من مصلحة "حزب الله" نفسه أن يكون مكشوفاً "في وجه" هذه الشرعية الدولية.
والحال أن العلاقة بين لبنان والشرعية الدولية اليوم هي علاقة لمصلحة لبنان. وأن ينجح لبنان في إدخال "أجندته" كأولوية ومن دون تصادم مع الشرعية الدولية، فهذا شأنٌ يعدّ إيجابياً لمصلحة استقرار لبنان في ظروف إقليمية "حادة".
لماذا يرفض الحزب ترسيم حدود المزارع؟
ثالثاً ـ وعلى افتراض أن موقف الحزب من تقرير لارسن كان صحيحاً، فإن الأوساط تستغرب موقفه الرافض لترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية، لا سيما حدود مزارع شبعا. ويبدو الأمر مستغرباً أكثر في وقت يعلن الحزب أنه وبصرف النظر عن مزارع شبعا، لا بد أن يكون للبنان مشروع دفاعي ضد الاعتداءات والأطماع الإسرائيلية، وفي وقت يبدي الاجتماع السياسي اللبناني بغالبيته استعداده لمناقشة هكذا مشروع وتبنّيه. أما رفض ترسيم حدود المزارع بسبب أن الترسيم هنا سيتمّ على أساس خرائط 1920 بينما تطالب سوريا بالترسيم في الجولان على أساس خطّ الرابع من حزيران 1967، ففيه إصرارٌ على "أقلمة" المزارع وعلى "أقلمة" المقاومة فيها.
بين السنيورة
والحريري.. وجنبلاط
رابعاً ـ أما استمرار الحزب في وضع الرئيس السنيورة في موضع التشكيك، فأمرٌ لا يمكنُ أن يكون مقبولاً أو جائزاً، وكذلك "إسقاط" النوايا الأميركية على رئيس الحكومة اللبنانية.
أكثر من ذلك، لا يمكنُ فصل العلاقة مع السنيورة عن العلاقة مع "تيّار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري، بمعنى أنه لا يمكن أن تكون العلاقة بالحريري جيّدة وسيئة بالسنيورة، و"يمكن" في هذه الحال اعتبار أن الشك بالسنيورة هو شك بالحريري استطراداً، علماً أن "حزب الله" لا يزال يشدّد على إيجابية العلاقة بسعد الحريري.
خامساً ـ ولا شك أن "حزب الله" معنيّ بالجواب عن أسباب ما هو ظاهر للعيان من "برودة" في العلاقة بالحزب التقدمي الاشتراكي ورئيسه وليد جنبلاط، حيث يبدو أن هذه العلاقة "متراجعة". والأمر هنا مستهجنٌ من زاوية أن الطرف اللبناني الذي كان الأقرب الى الحزب، والذي دافع ولا يزال عن المقاومة، ودعا الى منظومة دفاعية عن لبنان تلعب المقاومة دوراً في إطارها، أن هذا الطرف اللبناني هو جنبلاط.
سادساً ـ وإذ لا تتوقف الأوساط كثيراً عند الخلل في العلاقات المسيحية للحزب، باستثناء العلاقة الناشئة مع العماد ميشال عون، وهي علاقة غير معروف ما إذا كانت أنتجت موقفاً عونياً متقدماً من وجهة نظر الحزب على موقف جنبلاط وتيارات مسيحية أخرى، تلفتُ مع ذلك الى أن الحزب يتحرّك في دائرة سياسية تشكو من قلّة المسيحيين.
بين الشراكة وحقّ "الفيتو"
سابعاً ـ إن "حزب الله" محقّ في اعتبار أن الحكومة المتشكّلة بعد الانتخابات، هي شراكة، وأن للشراكة أصولاً مِن النقاش والحوار وصولاً الى إنتاج القرار. بيدَ أن الشراكة ـ الوطنية ـ لا يمكن أن تتحوّل على "الطالع والنازل" الى تهديد بـ"اليتو" الذي يحجز في هذه الحالة القرار. والواقع هنا أنه إذا جرى افتراض انّ من حقّ طرفَي التمثيل السياسي الشيعي أن يستخدما حقّ "النقض" باسم الوفاق، فإن هذا سيعطي كل قوى التمثيل الطائفي حقّ النقض أيضاً، وهذا ما سيسري على أمور عدّة تخصّ الحزب والحركة والمقاومة. ومن المصلحة تالياً ألاّ تعطى المواقف صبغةً مذهبيّة. كذلك، فإن هذا سيعني ليس تحويل مجلس الوزراء الى فدرالية تمثيل طائفي، فدرالية صافية، بل سيعني أن تقرر قوى التمثيل الطائفي ما يحجز القرار العام أو تنفيذ ما تريد.
ثامناً ـ إن "خطورة" ما جرى خلال الفترة السابقة، على الرغم من أن التوصّل الى مخارج كان لا يزال ممكناً، تكمنُ في أن المشهد السياسي بدا وقد عاد الى الوراء، الى آذار: الشيعة في ضفّة و"معظم" الآخرين في ضفّة أخرى..
المسألة الرئيسية: التبديد المتبادل للمخاوف
تاسعاً ـ أمّا بعد، فإن المسألة الرئيسية التي تُطرح من خلال كل ما جرى عرضُه آنفاً هي الآتية: ثمّة قلق مشروع لدى التمثيل السياسي الشيعي، ولدى "حزب الله" بدرجة أعلى، وتلك حقيقة لا يمكن تجاهلها، ومن حقّ الحزب أن يشعر بمخاوف ومن واجب الآخرين ان يشعروا بها أيضاً. لكن ما لا يعرفُه الحزب ربما أن لدى الآخرين قلقاً ومخاوف أيضاً. فالكلّ في لبنان قلق والكلّ ربما خائف من الكلّ.
غير أن القوى الرئيسية في الاجتماع السياسي اللبناني، والتي تمتلك تمثيلاً واسعاً في بيئاتها، دأبت منذ شهور عدة على "محاولة" طمأنة الحزب وعلى "محاولة" تشكيل "حماية" سياسية له، وقد قابل تلك المحاولات باعتبارها "تربيح جميلة" تارةً وبالنظر إليها على أنها محاولات "إحتواء" تارة أخرى.
وفيما يجب الاعتراف بمخاوف الكلّ، حتى غير المشروعة كثيراً من بينها، فإن الحلّ هو بالتوافق على رؤية للمستقبل. ذلك أن عدداً من التيارات الحزبية والسياسية لا يزال أسيراً لخطاب المرحلة السابقة، أو أنّه يعتمد خطاباً انتقالياً متعثراً، بينما يبدو واضحاً أنه باتَ من الضروري الاطمئنان الى المستقبل لتسيير شؤون الحاضر، عكس ما كان يجري من "تيسير" للحاضر وتأجيل للمستقبل.
هذا هو بالضبط ما تطرحه التطوّرات الأخيرة، خصوصاً أن في الأفق أزمات سياسية حادّة إن لم يتمّ الإسراع الى اعتماد هذه الوجهة.
لقد بدا أول من أمس أن ثمّة شيعة في "مواجهة" الآخرين.. والمهم ألاّ يتأكد هذا "المشهد" فعلاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00