8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المسألة الأمنية بالتزامن مع هروب النظام في دمشق إلى الأمام

في أداء النظام السوري حيال التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا سيما من خلال ما ظهر منه في ما يتصل بكيفية التعاطي مع "الشاهد" هسام هسام، وبما جرى تسريبه حول مجموعة أخرى من "الشهود" المشابهين، يتبيّن بما لا يدعُ مجالاً للشك ان هذا النظام قرّر منذ البداية التعامل مع التحقيق استخباراتياً، وتنظيم شبكة شهود استخباراتيين في محاولةٍ لـ"اختراق" التحقيق والمسّ بصدقيته وتخريبه.
فالطريقة التي استُقبل بها هسام "العائد"، تشير إلى ان هذا الأخير لم يكن عميلاً للاستخبارات السورية "منشقّاً" عنها أو مرتداً عليها، تمت استعادته من قبل الجهاز الأمني السوري، لانه لو كان كذلك لجرى توقيفه واستجوابه والتحقيق معه كما يعرف الجميع عن طبيعة هذا النظام الاستخباراتي. بيد انه عومل بوصفه بطلاً سورياً نظمت له مقابلة على التلفزيون، ثم نظم له مؤتمران صحافيان، وذهبت الحماسة بمحاميه أن اعتبره منقذ سوريا ومنطقة الشرق الأوسط. هذا كله يعني ان هذا الشاهد ـ المخبر كان منذ البداية اختراقاً معدّاً للاستخدام في الوقت المناسب.
إذاً، ومع توقّع "ظهور" شهود مشابهين، لا بد من القول ان النظام في دمشق، وفي ما يتجاوز "اللعب" المخابراتي مع التحقيق الدولي، مما من شأنه أن يرتد على لاعبي هذه اللعبة، انما يعطي ـ أي النظام ـ أكثر من رسالة في السياسة.
يكاد المريبُ يقول خذوني
فمِن متابعة سلوك النظام منذ جريمة الاغتيال وحتى اليوم، سواء في المجال السياسي أو في المجال الأمني، يتصرّف النظام بما يؤدي إلى تعزيز القناعة السياسية في لبنان بأنه يقف بطريقة أو بأخرى خلف تلك الجريمة. ومن الواضح انه لا يتصرّف على هذا النحو لأن ثمة استهدافاً له لأسباب "أخرى" تتعلق بسياساته الإقليمية غير المرغوبة أميركياً ودولياً بين العراق وفلسطين، بل لانه مقتنع على ما يبدو بأن له علاقة ما بالجريمة وبأن الملف الأساسي الذي على أساسه يجري استهدافه دولياً هو ملف الجريمة في حدّ ذاته. والحديث هنا عن علاقة ما بالجريمة يتراوح ما بين تشكيل المناخ السياسي للجريمة وما بين الانخراط فيها تخطيطاً أو تنفيذاً.
لذلك، فإن النظام في سوريا يحاول بكل الوسائل أن يفلت من التحقيق ومن الخضوع للمحاسبة أمام أي محاكمة تقرّر للمتهمين في الجريمة والمتورطين فيها. انه باختصار يحاول أن ينقذ نفسه بأي طريقة.
فمِن "التنتيع" في وجه لجنة التحقيق الدولية حتى آب الماضي إلى حين صدور التقرير الإجرائي الأول للمحقق الدولي ديتليف ميليس الذي لحظ غياب التعاون السوري، ثم إقدامه على خطوة إلى الوراء بالموافقة على استقبال ميليس وتمكينه من مقابلة الشهود داخل الأراضي السورية، فلجوءه بعد ذلك إلى التعقيد عبر تلقين الشهود شهادة واحدة لا تساعد التحقيق، ثم التقرير الإجرائي الثاني لميليس الذي أعلن وجود مشتبهين سوريين ما استدعى صدور القرار 1636، وبعد ذلك مماطلة دمشق في الموافقة على استجواب الشهود في يينا.. وصولاً إلى هسام هسام، لا يخفى ان النظام السوري الذي يعزّز القناعة السياسية بتورطه في الجريمة، انما يحاول كسب الوقت. وعندما يقال هنا انّ النظام يعزز القناعة السياسية بتورطه، فمعنى ذلك انّ ما يحاول ضخّه في الداخل السوري بشكل خاص، عن استهدافه بسبب ممانعته لـ"المخطط الأميركي الغربي ـ الإسرائيلي"، لا يعدو كونه محاولة لـ"التعبئة" في إطار خطته لكسب الوقت.
الاتصالات السورية ـ العربية
والعربية ـ الدولية
إذاً، يحاول النظام كسب الوقت في إطار الدفاع عن وجوده. غير ان ما بدا خلال فترةٍ من الزمن لا تتجاوز بضعة أيام، انه نجاح سوري في تطبيع العلاقات مع الوضع العربي لا سيما مع المملكة العربية السعودية ومصر، ومع بعض الوضع الدولي، أي روسيا تحديداً، يبدو الآن وقد عاد إلى الوراء.
لعل النظام السوري "اكتشف" ان قبول المملكة العربية السعودية ومصر بهذا التطبيع لا بل ربما الاستعداد لـ"حماية" النظام من العواصف العاتية، ليس بدون ثمن، و"الثمن" هو التعاون السوري مع لجنة التحقيق الدولية وعلى أساس الحقيقة. وإذ أقدم على قراره بالموافقة على تسليم خمسة مسؤولين سوريين إلى التحقيق في العاصمة النمسوية، عاد لـ"يكتشف" أمرين: الأول هو أن لا تسويات ولا ضمانات في إطار التحقيق الدولي، والثاني ـ وهو مسألة عضوية ـ ان القبول بالسير في التحقيق بلا ضمانات ولا قرار سياسي، يعني القبول بفتح موضوع النظام.
لا معلومات بطبيعة الحال عن الاتصالات السورية ـ العربية وما أسفرت عنه، ولا معلومات أيضاً عن الاتصالات العربية ـ الدولية ونتائجها. بيد انّ إقدام النظام في سوريا غداة موافقته على ذهاب المسؤولين الخمسة إلى يينا، على المماطلة في إرسالهم إلى هناك، ثم إخراج هسام من القبّعة السحرية، يشير إلى ان هذا النظام وصل إلى حائط في مكان فعاد إلى "سياسة" التشكيك بالتحقيق وإلى الحملة على ميليس في محاولة لـ"إسقاطهما". وبذلك فإن ثمة قراءة تفيد ان الأداء الذي اعتمده النظام في فترة معينة والقاضي بإظهار قدر من "الانفتاح" على الخارج في مقابل "الانغلاق" حيال لبنان، هو في طريقه (الأداء) إلى أن يصبح ـ خلال فترة على الأقل ـ في اتجاه واحد: التهرّب من مقتضيات التعاون مع التحقيق و"التشدّد" حيال لبنان... والعنوان واحد هو الدفاع عن النظام ووجوده بأي وسيلة وبأي ثمن.
المخابرات السورية ما زالت تتحرّك
غير ان ما أظهرته "مسرحية هسام" لا تقف هنا. فإلى جانب ما كشفته من أبعاد على صعيد التعاطي مع التحقيق الدولي، فإنها كشفت جانباً أمنياً شديد الخطورة.
فهسام هذا جزء من شبكة استخباراتية كانت ـ ولا تزال ـ قائمة في لبنان. ونجاح هروبه من لبنان عبر معبر حدودي شرعي بقدر ما يطرح أسئلة إلى الأمن اللبناني وكيفية تعاطيه مع "أمثال هسام"، يطرح في المقابل استمرار قدرة الاستخبارات السورية على الحركة وحريتها على الأراضي اللبنانية. والأنباء "المتسرّبة" في الآونة الأخيرة عن خطة أمنية بين التفجيرات المحدودة والتفجيرات الكبرى بواسطة شبكات وقوى وفصائل موالية، تشكّل تتمة للخطر الأمني. وعودة النصائح الديبلوماسية إلى العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية بـ"الاحتراس" الأمني، مؤشر إلى ان ثمة "شيئاً" مرصوداً.
جنبلاط و"البنية الأمنية"
على هذه الخلفية، وعلى قناعة منه بأن للتحقيق الدولي من يحميه، أطلق الزعيم اللبناني وليد جنبلاط غداة عودة هسام إلى أحضان أولياء أمره، صرخته حول الأمن، مطالباً بالتشدّد الأمني على كل الأراضي اللبنانية.
فمَن يملك "وقاحة" التفاخر بأن له شبكة منظمة لتضليل التحقيق بهدف إسقاطه، ومن لا يزال قادراً على تهريب عملاء له، ومن لا يزال حاضراً للتصعيد، ومن يدافع عن وجوده، يمكنه أن يكون مؤذياً في الأمن.
لذلك، أجرى جنبلاط اتصالات لم تستثنِ أحداً بهدف تجديد التشديد على الأولوية الأمنية. غير ان ما كشف عنه جنبلاط لـ"المستقبل" أول من أمس لجهة وجود ملاحظات لديه على ضبّاط كان ولاؤهم لعنجر (مقر رستم غزالي) وبقوا أو صاروا في مواقع أمنية رئيسية، انما يطرح ملاحظات تتعلق بـ"البنية الأمنية" أو "الهيكلية الأمنية".
لم يُفصح الزعيم الاشتراكي في العلن عن أسماء هؤلاء الضبّاط أو مواقعهم أو المؤسسات التي يشغلون مواقع فيها. غير ان ملاحظاته لا بدّ أن تؤخذ في الاعتبار من قبل قائد الجيش العماد ميشال سليمان الذي نجح في "موضعة" المؤسسة العسكرية على السكّة الصحيحة، وأن تؤخذ في الاعتبار من قبل سائر قادة المؤسسات الأمنية. فليس جنبلاط مهجوساً بالأمن، لكنه لا يستطيع أن يمرّ بـ"تجربة" هسام مرور الكرام لا أثناء قيامه بدوره في لبنان، ولا بعد إدلائه بـ"شهادته" أمام لجنة التحقيق الدولية، ولا خلال تنقلاته وصولاً إلى فراره عبر المصنع.
رومية
على أي حال، أعطت صرخة جنبلاط أول مفاعيلها في رومية وقد سمّى رومية بالاسم في تصريحه بعد فرار عميل المخابرات السورية. ففي سجن رومية يقبع الأمنيون اللبنانيون الأربعة، وإذا كان ثمة "تنظيم استخباراتي سوري" مستمر فقد يصل إلى هذا المكان، طالما ان الهدف هو تخريب التحقيق وتخريب الاستقرار.
ما تقدّم يتعلق بـ"اللحظة" الراهنة من أداء النظام السوري. و"استيعاب" ما يقوم به هو المقدمة الضرورية للتحصين السياسي والأمني في لبنان.
نظام دمشق يظن انه انتصر على ميليس
وتزداد أهمية "استيعاب" أبعاد هذه "اللحظة"، أي وعيها، من واقع ان التحقيق الدولي سيستمر ولن توقفه "الاحتيالات" عليه. وحتى لو أخرج النظام السوري مزيداً من "الشهود الهساميين"، فإن التحقيق يملك شهوداً وأدلة ومعطيات كثيرة على ما أكد القاضي ميليس في حواره مع الإعلاميين أول من أمس. كذلك تزداد أهمية الأمر، في وقت يتهم النظام في سوريا المتمسكين بالحقيقة في لبنان والمصرّين على السيادة والاستقلال والحرية باستهداف هذا النظام على الرغم من تأكيد زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري ووليد جنبلاط وغيرهما بأن لا سعي إلى توظيف الحقيقة في أي صراع على النظام في دمشق أو ضدّه من لبنان.. هذا بينما كل الدلائل متوافرة على استهداف هذا النظام لاستقرار لبنان.
انه النظام العارف بما فعل.. والمطوّق بقضية الحقيقة. فهل يضحك النظام على نفسه إذ يعتقد انه انتصر على ميليس وعلى المجتمع الدولي الذي يقف وراءه؟ وهل يظن انه سينجح في الإفلات مِن واقعِه؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00