عندما وافق النظام السوري الأسبوع الماضي على تسليم خمسة مسؤولين سوريين إلى التحقيق الدولي لاستجوابهم في العاصمة النمسوية، كان واضحاً أنه، بفعل عوامل عديدة أهمها ضغوط النصائح العربية والدولية، اختار عدم المواجهة أو تأجيلها مع المجتمع الدولي، والتي كانت ستقع لو لم يقبل باقتراح رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس، في أي يوم من الأيام الفاصلة عن الموعد المقرر لـ"عودة" ميليس إلى مجلس الأمن في 15 كانون الأول المقبل.
ولم يعد خافياً أن المملكة العربية السعودية ومصر وروسيا نصحت جميعاً دمشق بأن لا خيار أمامها الا التعاون. أما "إخراج" النظام السوري لـ"رضوخه" تحت مسمى "التطمينات والضمانات"، فأمرٌ لا بد أن النظام يعلم أنه "ظرفي" ولا يستر "الحقيقة". ذلك أن موافقة ميليس على استجواب خمسة بدلاً من ستة، وعلى أن الخمسة هم أربعة ضباط و"مدني"، وعلى أن يكون مكان الاستجواب حلاً وسطاً بين "المونتيفردي" في لبنان والجولان في سوريا، وعلى أن يعود المستجوَبون إلى سوريا بعد الاستماع اليهم... إن موافقة ميليس على هذه الخطوات لا تعني قبوله بـ"تسوية" مع سوريا في إطار التحقيق، أي أن يقف التحقيق الدولي عند "مكان" سوري محدد في النظام. فالمحقق الدولي كما صار معروفاً، وافق على هذه الخطوات بوصفها خطوات مرحلية.
ما يفترض أن النظام السوري يعرفه
بكلام آخر، يُفترض أن النظام السوري يعلم أن التحقيق مع الخمسة يمكن أن يُسفر عنه اتهام يوجَّه إلى الخمسة أو بعضهم. ويُفترض أنه يعلم أن هذا التحقيق يمكن أن يُسفر عن طلب التوسّع في التحقيقات في مرحلة لاحقة بما يشمل من لا تضمّهم "لائحة فيينا" الآن. ويُفترض أنه يعلم أيضاً أن ميليس في التقرير الذي سيرفعه إلى مجلس الأمن في 15 كانون الأول المقبل قد يتضمن طلباً بالتمديد للتحقيق، ما يحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن لتجديد انتداب فريق التحقيق الدولي الذي تنتهي مهمته في منتصف الشهر المقبل، لكنه قد يتضمن في حال نجح ميليس في "تبكيل" تقريره بأدلة الظنّ، طلباً بالذهاب الى المحاكمة.
إذاً، يعلم النظام السوري أو يُفترض أنه يعلم أن عدم المواجهة أو ـ تأجيلها مؤقتاً ـ قرار من ثلاثة أطراف في هذه الحالة: من النظام نفسه أولاً على قاعدة التسليم بمطالب ميليس، ومن ميليس ثانياً لأنه وافق على "مرحَلة" الأمر طالما أن المسألة مسألة أيام، ومن الجهات العربية والدولية التي نصحته ثالثاً.
أفراد ونظام...
بيد أن النظام السوري الذي يُفترض أنه يعلم ذلك كله، يعلم تالياً أن من يضع قدمه على أول الطريق لا يمكن إلا أن يكملها.. أي أن التسليم بخمسة لن يقف عند هذه الحدود في المرحلة التالية، وأن مهمته في المقبل من الأيام ستكون أعقد، عندما يصبح واضحاً تماماً أن المسألة لا تتعلق بـ"أفراد" ضمن النظام بل تتعلق بالنظام. ذلك أن إدانة أفراد مسؤولين في النظام لو حصلت هي في "السياسة" إدانة للنظام برمته.
وغني عن القول هنا أن ثمة فارقاً بين التحقيق القضائي وبين الاستنتاج السياسي. فإذا كان التحقيق القضائي يتعاطى مع أفراد ليثبت بالأدلة والقرائن ما إذا كان هؤلاء الأفراد مجموعة، فإن الاستنتاج السياسي يتعاطى بـ"الجملة". وفي جميع الأحوال، فإن النظام في سوريا لا يستطيع أن يراهن على تغيّر في الموقف السياسي تجاهه إلاّ في إحدى حالتين قضائيتين: فإما أن يثبت التحقيق الدولي براءته ككل، وإمّا أن يثبت التحقيق الدوليّ أنّ الجريمة إذا كانت دمشق على علاقة بها، من صنع مستوى سياسي أمني محدّد.
"مسرحية هسام" وكسب الوقت.. وارتباك
باختصار، إنّ هذه المقدمة المطوّلة تهدف إلى تسليط الضوء على حقيقة أنّ النظام السوريّ الذي سارَ في خيار عدم المواجهة أو تأجيلها ويعرف أنّه "قد" لا يستطيع الذهاب إلى المواجهة أصلاً، يحاول في الفترة الفاصلة عن موعد "الاستحقاق" الذي "قد" يكون في 15 كانون الأول المقبل ممارسة "هوايته" في "كسب الوقت".
في هذا الإطار بالتحديد، تقع "مسرحية هسام طاهر هسام". فمن دون الدخول في التفاصيل أو الردّ على ما تضمّنته "عروضه" على الشاشة السوريّة، تكفي قراءة النتيجة القانونيّة ـ السياسيّة التي أعلنت دمشق التوصّل إليها من هذا الموضوع، حيث سارعت العاصمة السوريّة إلى إعلان أنّ شهادة هسام هي "الحقيقة الكاملة" كما قال الناطق باسم اللجنة السوريّة الخاصة، وأنّ هذه الشهادة تعني أنّ تقرير ميليس "سقط بالضربة القاضية".
ليس خافياً إذاً أنّ النظام السوريّ يستعيدُ عبر هذه "اللعبة" المخابراتيّة محاولة تشويه تحقيقات ميليس والمسّ بصدقيّتها من ناحية واتهام المحقّق الدوليّ، على قاعدة أنّ الملفّ "فارغ"، بتسييس التحقيق وبجعل نفسه مطية لمشروع أميركيّ ـ إسرائيليّ يستهدف النظام في دمشق من ناحية أخرى.
غير أنّ النظام السوريّ الذي افترض أنّه بـ"مسرحيّة هسام" انتقل إلى "المبادرة" أو أنّه حقّق "سكوباً إعلاميّاً"، أو هو حقق نجاحاً مخابراتياً، لعلّه لا يدرك أنّ هذه "المسرحيّة" ستُضَمّ إلى ملف ميليس باعتبارها محاولة تَشاطُر سوريّة على التحقيق الدوليّ، أو بوصفها محاولةً لتضليل التحقيق والمسّ بصدقيّته.. أي باختصار محاولة تعكس ارتباكاً ذا نفس قصير. وبكلام آخر، ثمّة ردود قانونيّة على هذه "المسرحيّة"، لكن الأهمّ أنّها سترتدّ ضدّ النظام في سوريّا، إذ تكشف أنّ وعوده بـ"التعاون" مطاطة، وأنّ أول فرصة تلوح أمامه للتنصل من وعوده يستغلها حتّى لو كانت الوعود قد قدّمت إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أو الرئيس المصري حسني مبارك أو الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين.
"مشهد برشولونة"
هذا من جهة "مسرحية هسام" وما تؤشر إليه لناحيتين: الأولي المتعلقة بطريقة دفاع النظام عن نفسه ووسائل هذا الدفاع، والثانية المتعلقة بالحقد المتنامي حيال الوضع اللبناني والذي تم تلقينُه لـ"الشاهد" الذي قال "أي كلام" في قادة الغالبية النيابية، الأمر الذي يعني إمكان إقدام النظام السوريّ، وهو في معرض محاولة الدفاع عن نفسه ومحاولة تجنب "الكأس المرة"، على أعمال أمنيّة وتخريبيّة في لبنان.
في هذا "المناخ" السوريّ حيال التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، التقى رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة بوزير الخارجيّة السوريّ فاروق الشرع في برشلونة أول من أمس، وأشيعت أجواء إيجابيّة حول هذا اللقاء من الجانبين اللبناني والسوريّ، وحُكي عن "صفحة جديدة" بين البلدين.
و"الأصل" في الأجواء الايجابيّة التي أشيعت أنّ الشرع أقرّ في كلمته أمام مؤتمر "الأورومتوسطيّة" بأن مزارع شبعا لبنانيّة.
بطبيعة الحال، إنّ تجديد سوريّا اعترافها بلبنانيّة مزارع شبعا أمر إيجابيّ في حدّ ذاته، وأن يقال هذا الكلام أمام محفل دوليّ بهذا المستوى، أمر إيجابيّ أيضاً. غير أنّ المسألة إذا بقيت عند هذه الحدود لا تعود جديّة أو إيجابيّة، خاصة أنّه سبق لها أن بقيت عند هذه الحدود طيلة خمسة أعوام منذ العام 2000، وبقيت مرتبطة بكلام قاله الشرع نفسه آنذاك.
لبنانيّة المزارع، تثبيتها
وكي يستطع لبنان الاستفادة من الإقرار السوريّ بلبنانيّة مزارع شبعا، ثمة طريقتان: إمّا وثيقة سوريّة رسميّة تحَوَّل إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإما ترسيم لبناني ـ سوريّ لحدود مزارع شبعا. وكلا الأمرين لم يعلن عنه أيّ من الرئيس السنيورة أو الوزير الشرع بعد لقائهما، علماً أنّ رئيس الحكومة "بدا" وكأنه يبني على الفقرة حول مزارع شبعا في كلمة الشرع أمام مؤتمر برشلونة، ليتحدث عن "مسار" يحتاج إلى متابعة للوصول إلى استعادة المزارع إلى السيادة اللبنانية.
الأكيد أنّ السنيورة يعلم "مضمون" الموقف السوريّ وكيفية توجّه دمشق إلى ترجمته. غير أنه ربطاً مع الرسالة التي كان رئيس الوزراء السوريّ محمد ناجي عطري قد وجهها إلى السنيورة، والتي تعلن رفض دمشق ترسيم حدود المزارع إلى حين التوصل إلى تسوية إقليميّة للصراع العربي ـ الاسرائيلي، يُستنتج أنّ الطريقة الوحيدة التي يُفترض ان تترجم سوريّا بواسطتها موقفها من لبنانيّة المزارع هي وثيقة سوريّة رسميّة موقّعة موجّهة إلى الأمم المتحدة.
وهنا، من المهمّ جداً معرفة موقع هذه المسألة من الأجندة السوريّة، وتوقيتها، وما إذا كان ثمة علاقة لهذه "الورقة" بأوراق أخرى. كذلك من المهم معرفة ما العلاقة بين "شَلْح" ورقة مزارع شبعا ـ إذا تأكد الأمر عملياً ـ وبينَ الأداء السوريّ في أمور أخرى تعني لبنان، لا سيما في ما يتصل بالتحقيق والهجمات السوريّة المصاحبة له. ثم ماذا لو اعتبرت الأمم المتحدة أنّ الوثيقة السورية الرسميّة يقتضي ربطها بخرائط؟
بطبيعة الحال، ثمة إجماع في الوسط السياسي اللبناني على التنويه بجهود الرئيس السنيورة، حيث لا شكّ في ان الحصول من سوريا على "تشريع" للبنانية المزارع، يحصّن المقاومة من جهة ويعزز المطالبة اللبنانيّة بانسحاب الاحتلال الاسرائيلي الفوريّ منها من ناحية ثانية، حتى قبل الانسحاب الاسرائيلي من الجولان إلى خطوط الرابع من حزيران 1967 كما تطلب سوريا، أي ألاّ يربط الانسحاب الاسرائيلي من المزارع بالانسحاب الاسرائيلي من الجولان. وفي ضوء ثقة الوسط السياسي برئيس الحكومة وجهوده التي تصبّ في خانة تمكين اللبنانيين من تعزيز تفاهماتهم ومن التعاطي مع القرارات الدولية، فإنّ الأسئلة في موضوع المزارع مطروحة على دمشق لدعوتها إلى إقران القول بالفعل.
إشارة إلى اليمين للذهاب إلى اليسار؟
لكن لماذا تم وضع المشهدين السابقين إلى جانب بعضهما، أي "مشهد هسام" و"مشهد برشلونة"؟
يمكن "التسرع" هنا في أحد استنتاجين: إمّا أن الايجابيّة السوريّة في برشلونة لا تعني كثيراً في ظل التعاطي "الأرعن" مع التحقيق، أو العكس أنّ "مسرحية هسام" غير ذات معنى والأصل هو الايجابيّة في برشلونة. لكنّ "التسرّع" لا يقدم الجواب. والجواب لا بدّ أن يتّضح في أيام قليلة. وبقليل من "التأني"، يمكن القول أنّ "مسرحية هسام" التي جرى الإسهاب في تحديد دوافعها، هي دليل "لبكة" سوريّة، وأنّ الموقف في برشلونة هو دليل "لبكة" أيضاً. غير أنّ كثيرين، إذ يعودون إلى "مسرحية الشاهد" في أحد فنادق دمشق، يميلون إلى الاعتقاد أنّها بالإضافة إلى ما جرى تقديمه شرحاً لدوافعها، إنّما تندرج في خانة يجب عدم إسقاطها من الحساب: التعبئة التي يلجأ اليها النظام باتجاه الداخل كلما كان على مشارف مفصل يتعلق به. والأمثلة على هذه التعبئة كثيرة حديثاً. ففي ظل خطاب الرئيس بشار الأسد "المتشدد" كانت دمشق تجري "مفاوضات التنازل"، وعشية الموافقة على استجواب خمسة مسؤولين في النمسا كان الشرع يعطي "دوزاً" عالياً من "المواجهة"، ليتبيّن أنّ "الحقيقي" هو الذهاب إلى فيينا.. على طريقة سائق السيارة الذي يعطي إشارة إلى اليمين ليذهب إلى اليسار.
فإذا أُخذَ هذاالجانب في الاعتبار، يصبح "الحقيقي" بين المشهدين السوريَين، هو مشهد برشلونة، بما هو "تنازل" أمام الخارج في مقابل التصعيد حيال الداخل اللبناني. لكن السؤال يبقى: ماذا لو؟ وفي كل الأحوال، يبدو أنّ ملف العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة لن يمكن فتحه على نحو متكامل إلا في ضوء التحقيق، وهو الأولويّة اللبنانية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.