إنشغل الوسط السياسي خلال اليومين الماضيين بتقويم الموافقة السورية على استجواب خمسة مسؤولين أمنيين في مقر الأمم المتحدة في العاصمة النمسوية، خصوصاً لجهة انعكاسات هذه "الخطوة" على الوضع السياسي اللبناني الداخلي.
في إطار هذا التقويم برز اعتقاد راسخ ان النظام السوري بإقدامه على هذه الخطوة بعد مناورات مديدة، إنما سعى وفي سياق سياسته المعروفة إلى كسب وقت إضافي، بمعنى انه أجل "انفجار" أزمة العلاقة بينه وبين المجتمع الدولي أياماً أو أسابيع قليلة، وعلى الأرجح حتى 15 كانون الأول المقبل، موعد عودة رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس إلى مجلس الأمن الدولي لتقديم تقريره عن سير التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ذلك ان موافقة المحقق الدولي ميليس على "حل وسط" في هذه الفترة الفاصلة عن 15 كانون الأول، سواء بالنسبة إلى مكان الاستجوابات أو بالنسبة إلى عدد المستجوبين، أي خمسة بدلاً من ستة، لا تعني قبوله بـ"صفقة" في مجال التحقيق القضائي. والأرجح هنا أن ميليس سيوصي في تقريره وبناءً على التحقيقات بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة من يتوصل ميليس إلى اتهامهم، سواء من بين المستجوَبين أو من بين المضافين اليهم. وإذ ذاك، سيظهر جلياً ان كسب الوقت من قبل دمشق كان أجله قصيراً، وأنها ستكون مطالبة بالتعاون مع المحكمة الدولية كما كانت مطالبة حتى الآن بالتعاون مع التحقيق الدولي.
صفحة لبنانية تُطوى: الرهانات الساقطة
بيد أن الوسط السياسي يميل في ضوء هذه المقدمة إلى اعتبار أن الخطوة السورية الأخيرة من شأنها أن تطوي صفحة داخلية لبنانية، استمرت عدة أشهر، لا سيما منذ 14 آذار الفائت.
وفي هذه الصفحة التي تطوى بالخطوة السورية، مجموعة من الرهانات التي استمرت حتى اللحظة الأخيرة والتي تؤدي الخطوة السورية إلى سقوطها "الإجمالي" أو "العام"، على أساس أن ما أقدمت دمشق عليه مؤخراً أدخلها عملياً في دائرة مغلقة. فالجميع يعرف أن ثمة رهاناً استمر قائماً لفترة عند أتباع النظام السوري في لبنان، على أن سوريا التي فرضت عليها التطورات اللبنانية والإقليمية ـ الدولية، لا سيما بعد جريمة اغتيال الرئيس الحريري أن تنسحب من لبنان، ستعود حتماً وسط تطورات معاكسة. وفي فترة من الفترات "تواضع" هذا الرهان، وانتقل الأتباع إلى التبشير بأن دمشق ـ ومهما حصل ـ تتمتع بنفوذ سياسي كبير في لبنان، وهي ستعززه تباعاً، وراح هؤلاء يتحدثون عن تجميع الصفوف مجدداً لتعديل التوازن السياسي في البلاد تأكيداً لقوة النظام السوري ونفوذه في لبنان. وفي فترة أخرى، اتخذ رهان الأتباع صيغة أخرى، فإذا بالحديث عن قوة النفوذ السوري "إيجاباً" ينتقل إلى الحديث عن قوته "سلباً"، أي القدرة على إعاقة أي وضع سياسي لبناني لا تراه دمشق ملائماً.
شهد البلد صعود رهان وهبوط آخر.. وكانت كلمة السر عند المراهنين في جميع الأحوال، هي أن التحقيق لن يصل إلى نتيجة، وان تقرير ميليس سيكون فارغاً، وان وصول التحقيقات إلى حائط مسدود بالنسبة إلى مسؤولية النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك عن جريمة العصر، سيحدث انقلاباً سياسياً على النتائج التي تحققت منذ 14 آذار.
الآن، وبعد موافقة دمشق على "تسليم" الضباط الخمسة إلى التحقيق الدولي، يمكن القول ان سلسلة المراهنات السابقة سقطت دفعة واحدة، وان أصحابها باتوا بلا "أفق" وأن دمشق العالقة في مشكلتها "الخاصة" لن تستطيع "رفع" أتباعها اللبنانيين.
أول المفاعيل: تطورات التحقيق لبنانياً
على أن الوسط السياسي، وتأكيداً لـ"الاستنتاج" الذي توصل اليه، يلفت إلى مفاعيل الخطوة السورية التي يصفها بأنها بمثابة "هزة" بالنسبة إلى الأتباع اللبنانيين، وهي مفاعيل برزت في الأيام القليلة الماضية.
وفي هذا المجال يشير الوسط السياسي إلى نقطة يراها مركزية، وهي المتعلقة بتطور التحقيقات الدولية وفي موازاتها التحقيق العدلي اللبناني أيضاً، حيث توسعت حركة الاستجوابات والاستماع إلى شهود جدد وإعادة الاستماع إلى شهود "قدامى" في "القضية"، وذلك وسط توقعات بأن تصل التحقيقات إلى مستويات "عالية" في المنظومة الأمنية ـ السياسية اللبنانية السابقة، وبأن تبلغ الشبهات ا لقانونية "أعلى" مستوى لبناني أيضاً، وبأن تحصل توقيفات جديدة أيضاً وأيضاً. وكل هذه التوقّعات تستند إلى أمرين: أولهما يتصل بـ"حركة" التحقيقات حالياً، والثاني على قاعدة ان التسليم السوري الأخير يفتح باب استكمال الجانب اللبناني من التحقيق وإنهائه.
ويقول الوسط السياسي أنه لا يرغب بالتوسع في التوقّعات. لكنه مع ذلك يرى أن الأيام الفاصلة عن 15 كانون الأول المقبل، بالرغم من "دقّتها"، فإنها فترة "ضيقة" أمام أي محاولة تخريب أمني. فمن وجهة نظره، أن ميليس جمع ما يلزمه جمعُه من الموقوفين السابقين، وسيجمع ما ينبغي استكماله قريباً، في حين أن بقايا المنظومة السابقة مرشحة لـ"الإنهيار" في ظل "التطور السوري" الذي يفيد بتحول هذه البقايا إلى "أيتام".. علماً أن الوسط السياسي يسارع إلى الاستدراك إذ يدعو مع ذلك إلى عدم الاسترخاء الأمني بأي حال.
.. وأولى النتائج السياسية: لحود بلا أفق.
أما النتائج السياسية المباشرة لهذه التطورات جميعاً فيضعها الوسط السياسي تحت عنوان "تحرّر" الوضع السياسي أكثر فأكثر. فما هي المؤشّرات؟
من الواضح أن الموافقة السورية على تسليم الضباط الخمسة إلى التحقيق الدولي، وهي خطوة تعني ما تعنيه على صعيد انتهاء مقولة "المواجهة" في هذا المجال على الأقل، وكذلك تطور التحقيقات الدولية واللبنانية الذي يشير (التطور) إلى تضييق "الحَبل" حول رئيس الجمهورية إميل لحود، ان هذين الموافقة السورية والتطور القضائي إذ يجعلان إميل لحود بلا "سند" وبلا "حماية"، وبلا أفق سياسي في وقت تسلّم دمشق ضباطها إلى التحقيق، ولو بتطمينات لا يتجاوز مفعولها أياماً، إنما يسمحان بإعادة طرح مسألة بقاء لحود في بعبدا بقوة أكبر.
كتلةالأتباع السوريين.. بلا رمق
وإلى جانب هذه النتيجة الأولى، يعتبر الوسط السياسي أنه من نافل القول أن "الكتلة السورية" التي وبالاستناد إلى مراهناتها المشار إليها آنفاً سعت إلى "العودة" إلى الواجهة بـ"أمل" تغيير التوازن السياسي، هي الآن في وضع لا تُحسد عليه، لا بل في حالة من الإحباط بفعل سقوط المراهنات، و"الصياح" الذي بدا قوياً خصوصاً في الفترة التي تلت مباشرة خطاب الرئيس السوري بشار الأسد يتحول "خفوتاً" ظاهراً.
جنبلاط يربط مسيرة الاستقلال من الألف إلى الياء
في هذه الأجواء، ثمّة تطوّرات رئيسية حصلت، وأخرى من شأنها أن تحصل في المرحلة القريبة المقبلة.
لا شك ان الكلمة التي ألقاها رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط في عشاء "جمعية الخرّيجين التقدميين" بُعيد إعلان دمشق موافقتها على ذهاب ضباطها الخمسة إلى فيينا، تشكل إشارة بارزة إلى تطور سياسي في سياق "التحرر" الذي يشهده الوضع اللبناني. فجنبلاط الذي "كبت" الكثير من مواقفه ومشاعره في المرحلة السابقة، والذي استعان بالجواهري ليعلن أن "أعمار الطغاة قصار"، أعاد التذكير بإنجاز "رفاق 14 آذار"، وبالمسألة الديموقراطية كخيار لبناني ـ عربي، محتفظاً بثوابته العربية. وهو بـ"تذكيره" بوالده الزعيم الراحل كمال جنبلاط جنباً إلى جنب مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، انما ربط مسيرة "الاستقلال" من ألفها (كمال جنبلاط) إلى يائها (رفيق الحريري)، معلناً أن لا تسوية إلا بعد الحقيقة الكاملة ومع سوريا متغيرة بإرادة الشعب السوري.
البطريرك والشراكة الوطنية
ولا شك أيضاً أن البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، مقيم على قناعة بأن ثمة صفحة تُطوى. فهو أيضاً ربط مسيرة الاستقلال من ألفها إلى يائها في عظته أمس في ذكرى الرئيس الشهيد رينيه معوض، إذ قال إن العدالة لو أخذت مجراها في جرائم الاغتيالات السابقة على جريمة اغتيال الرئيس معوّض لما قُتل الرئيس الأول لجمهورية الطائف، ولو أخذت العدالة مجراها في جريمة اغتيال الرئيس معوّض لكان الرئيس رفيق الحريري حيّاً يُرزق. وإذا كان البطريرك لم يتطرّق مباشرةً إلى المسألة الرئاسية، فمن الواضح أنه باحتضانه لأول إحياء لذكرى معوّض، وبـ"رعايته" للحشد الذي تحدّثت فيه الوزيرة نايلة معوّض وقالت فيه ما قالته في نظام الوصاية الذي قام على دم الرئيس الراحل، وقالت ما قالته في لحود... إنما يبدو (البطريرك) مقتنعاً بأن في بقاء لحود إضراراً بميثاق العيش المشترك.
ويجب أن يُقال في هذا المجال أن سيد بكركي أعطى ما يكفي من الإشارات إلى عدم تغطيته بقاء لحود في موقعه، وهو قال رأيه حين أسمعَ مَن يترددون إلى بكركي من كل الاتجاهات، رأيه بأنه "كان على لحود أن يستقيل"، فهل ثمّة رسالة أوضح من هذه، في وقت يشدّد البطريرك على التوافق المسيحي ـ الإسلامي، الأمر الذي لا يستقيم في ظل الخلل الذي ينتج عن بقاء لحود في بعبدا على صعيد الشراكة الوطنية فيما يحجز لحود ببقائه دورَ المسيحيين في هذه الشراكة.
السنيورة
وإذا كان موقف جنبلاط وموقف البطريرك يؤشّران إلى تطوّر حصل في إطار "تحرّر" الوضع اللبناني أو مزيد من تحرّره، فإن الوسط السياسي يتوقع أن تمنح مفاعيل الخطوة السورية وما رافقها من معطيات إضافية، رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة مزيداً من القدرة على تحمل المسؤوليات، وهو الذي كان هدفاً لضغوط سورية كبيرة.
عون... و"حزب الله"
وفي ظل هذه الوقائع: تداعي "الكتلة السورية"، ووجود لحود في مواجهة "المأزق الأخير"، لا يُخفي الوسط السياسي توقّعه أن يُعيد رئيس "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون النظر في مفاصل رئيسية من حركته السياسية، لا سيما ما يتعلّق منها بمحاولة "إدارة التناقضات" بين الغالبية النيابية من جهة و"المعسكر السوري" الذي التجأ إليه وهو قبل لجوءه من جهة أخرى.
ولعلّ الموقف الذي أعلنه عون أمس بعد لقائه رئيس "القوات" سمير جعجع والذي يعلن وضع مصير لحّود في يد المعارضة (14 آذار) ويعتبر انّ الموضوع "قيد البحث"، يشكل مؤشراً الى "جديد عوني" بعد عودة الجنرال من الولايات المتحدة.
وتبقى في نظر الوسط السياسي، الإشارة سريعاً إلى الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في تشييع الشهداء الثلاثة للمقاومة، لتسجيل إيجابية رئيسية في هذا الخطاب. ذلك أن السيد نصرالله الذي رفع النبرة رداً على التشكيك بما سمّاه "الخلفيّة الوطنية" للحزب، أكد في المقابل استعداده للنقاش والحوار في آراء وأفكار وليس في اتهامات. وهو أكد في ظلّ النبرة العالية أن "حزب الله" فريق لبناني يتحرك لبنانياً ولمصالح لبنانية.
سعد الحريري.. والمبادرة السياسية
مِن هنا، وفي ضوء ما تقدّم تحديداً لـ"الجديد" الذي يؤشّر إلى مزيد من "تحرّر" الوضع السياسي اللبناني، يختم الوسط السياسي تحليله، مؤكداً أن هذا التطوّر الكبير ـ أي "التحرّر" ـ بات يسمحُ بإطلاق مبادرة سياسية للجمع بين 14 آذار و8 آذار، مبادرة هدفها الحوار توصلاً إلى رؤية مشتركة بشأن الوضع اللبناني بعد هذه التطوّرات جميعاً، رؤية تنطلق من معطيات لبنانية ومِن مصالح لبنانية، ومِن أجندة لبنانية.
ويؤكد الوسط السياسي أن الحاضر الدائم في كل تحليل للمعطيات والتطوّرات، هو "تيّار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري، ليس لأنهما "أهل الشهيد" وحسب، ولا لأن الموقف الذي التزماه منذ البداية لم يتبدّل، بل لأن سعد الحريري هو "واسطة العقد" في أي مبادرة، ولأنه "الشرط اللازم والضروري" في الوفاق الوطني الذي تلوح بشائر تجدّده.. وفاء للرئيس الشهيد وتضحياته... وعلى أبواب عدالة لا بد متحقّقة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.