لم يسبق لوليد جنبلاط وسمير جعجع قبل لقائهما الأخير الثلاثاء الفائت في "كليمنصو" أن جلسا وجهاً لوجه أو تخاطبا.. إلا من خلف "المتاريس".
خلال ما يزيد عن ربع قرن، صدف مرتين فقط ان تواجدا في مكان واحد لكنهما لم يتبادلا لا التحية ولا السلام ولا الكلام: مرة في القصر الرئاسي، المؤقت آنذاك، عند الرئيس الياس الهراوي، وثانية في مناسبة عزاء.
خلال هذه المدة كلها، اي بعد اتفاق الطائف، أُمضى كل من الرجلين شطراً من حياته.. السياسية بطريقة "معينة": سمير جعجع أُدخل الى السجن وأُبقي فيه أحد عشر عاماً، ثمناً لـ"فهم" الادارة السورية الذي لم يكن صحيحاً يوماً للوضع اللبناني، ووليد جنبلاط الذي آمن بالعروبة والتزم قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وغلّب أولوية تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي، لم يعد وهو إبن كمال جنبلاط قادراً خصوصاً منذ مجيء إميل لحود الى الحكم على تحمّل وطأة "السجن الكبير".. سجن النظام الامني اللبناني ـ السوري المشترك.
جعجع ضحيّة الادارة السورية التي لم تعرف "الصحّ" يوماً، وجنبلاط المناضل العنيد ضدّ الادارة السورية للشأن اللبناني، كان لا بد ان يلتقيا. اما ثمن هذا الالتقاء فكان باهظاً جداً. انه دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي فجّر مساراً استقلالياً.. فخرج جعجع من السجن في ظل تلاقٍ وطني بعدَ خروج الجيش السوري من لبنان.. وخرجَ جنبلاط الى فضاء لا تلوّث فيه وكان المبادر الى توسيعه منذ ان رعى مع البطريرك نصرالله بطرس صفير مصالحة الجبل في آب 2001 والتي كانت اللبنة الاولى لانتفاضة الاستقلال.
التقى الرجلان الثلاثاء الفائت والفاصل الزمني بين المتاريس، بعيد، وكل منهما راكم تحولات. وفي المبدأ، ان اللقاء الأول بين شخصيتين سياسيتين كانتا على "خصومة قاسية"، امرٌ "مثير". وهو كان كذلك فعلاً، إذ مثّل صورةً رمزيّة لا بل كبيرة في رمزيتها عن المصالحة التي جعلت الاستقلال ممكناً، وأكد (اللقاء) الوحدة الوطنية.
زيارتا أبو فاعور الى الأرز: مشروع أول ومشروع ثانٍ
كيف تم اللقاء؟.
قام النائب وائل أبو فاعور موفداً من الزعيم الاشتراكي بزيارتين الى مَن كان زعيم "المجتمع المسيحي" وصار ـ بإرادته ـ زعيماً مسيحياً سعيداً بانفتاحه على الجناح الآخر من لبنان. الزيارة الاولى كانت سريّة حمل فيها كلاماً واستعداداً من هنا وردّاً مماثلاً من هناك. أما الزيارة الثانية العلنية هذه المرة فقد تناولت ترتيبات اللقاء الأول بين جنبلاط وجعجع.
يقول أبو فاعور، وهو احد معاوني جنبلاط الموثوقين، ان الاتفاق الاولي مع "الحكيم" كان على ان يحصل اللقاء في المختارة، وبرغبة من جعجع، في حضور كتلتي "اللقاء الديموقراطي" و"القوات اللبنانية". وكان يفترض ان يحصل هذا اللقاء "الموسّع" قبل التطورات التي جاءت محمولة على "راجمات" خطاب الرئيس السوري بشار الأسد.
جرى تفكيرٌ في المكان والزمان. ثمة مسافة ثلاث ساعات سيكون جعجع مضطراً الى قطعها بين الأرز والمختارة، وفي المسألة انكشاف امنيّ غير مسموح في الظروف القائمة. قرّ الرأي على انعقاد اللقاء في بيروت وبـ"احتراس" امنيّ شديد.
جلسةٌ فعشاء فخلوة
في الموعد المتفق عليه وصل سمير جعجع الى كليمنصو، ولم "يُفرج" عمّن تولى الحراسة والتغطية الاعلامية الا بعد مغادرة جعجع المكان بساعة.. أو أكثر.
جلسا وجهاً لوجه. هو أول لقاء. استذكرا معاً محطات تاريخية وعسكرية كانا فيها "أعداء". توقفا امام معركة دير القمر وأمام معركة بحمدون.. لكن من اجل ان يؤكدا ان هذه الصفحة طويت تماماً.. و"تنذكر ما تنعاد".
بعد هذه "الانتريه" (البداية)، كان لا بد من الانتقال الى صلب "الموضوع". حصل الحوار على ثلاث مراحل، او هو انقسم الى ثلاث جلسات: الاولى استغرقت ساعة، شارك فيها ابو فاعور الذي يلقبه محبوه بأنه "عين وليد جنبلاط على الوضع المسيحي"، وكان في هذه الجلسة حاضراً بكل حواسه. والجلسة الثانية حصلت على مائدة العشاء وقد انضمت اليها "روح" قصر المختارة وفيلا كليمنصو السيدة نورا جنبلاط وعروس "الحكيم" المتجددة دائماً النائب ستريدا جعجع التي عادت زوجة بـ"رتبة سياسية". اما الجلسة الثالثة فخلوة ختامية بين جنبلاط وجعجع "لم تخلُ" من حضور ابو فاعور فهو من سيتابع، وهو الذي لا يشذّ عن ثوابت وليد جنبلاط وعنوانها الأبرز الالتزام بالعروبة.
المصالحة وسياسة الانفتاح
في المضمون، أكد الجانبان على ان "المصالحة خيار لا رجعة عنه"، وعلى "بذل كل ما يلزم لحماية هذه المصالحة حماية للوحدة الوطنية والعيش المشترك والسلم الاهلي". واتفقا على ان "الاستقرار خط احمر لا تساهل بشأنه".
ابدى الزعيم وليد جنبلاط "استعداده للانفتاح الكامل على كل القوى وعدم استعداده للدخول في اية اصطفافات". وأكد لـ"الحكيم" انه على استعداد للانفتاح على العماد ميشال عون و"التيار الوطني الحر" وذلك "من ضمن معادلة حماية الاستقرار والوحدة الوطنية".
بادل الزعيم المسيحي استعدادات جنبلاط بالمثل، فأكد استعداده لـ"الانفتاح باتجاه اية قوة سياسية والقيام بمبادرات في هذا المجال، لا سيما مع حزب الله".
سعد الحريري حاضر
حتى الآن، ليس ثمة مفاجآت في ما قاله كل واحد للآخر. كما لا مفاجأة في انهما اتفقا على "تمتين العلاقة بتيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري وعلى توثيق الصلة بهما". و"قيل" ان الرجلين أبديا "تفضيلهما" وجود "الشيخ" سعد في لبنان أو "حدّ أدنى" من التواجد في البلد بالرغم من كل المخاطر، وذلك بهدف تسهيل البت بقضايا تحتاج الى موقف سياسي معين. وكما يقول جعجع "كان بيني وبين وليد بك رسل ومراسلات وبهذا المعنى فان العلاقة لم تكن مقطوعة لكن اللقاء المباشر مسألة ثانية، أتعرف إليه وإلى أفكاره مباشرة". كذلك لا مفاجأة في اتفاق جنبلاط وجعجع على "الاشادة بالرئيس فؤاد السنيورة الذي يتحمل في هذه المرحلة مسؤولية جسيمة".. لكن يضيف جعجع "لا نستطيع أنّ نحمّله مسؤولية وضع انتقالي زاد عن حده وله أسباب كثيرة".
"الحكيم" والاستراتيجية الجديدة
طرَحَ "الحكيم" هنا "أهمية العمل المشترك لبناء دولة فعلية تتولى زمام كل الامور في البلد". انتقد "الحالة الدفاعية التي تنوجد فيها قوى وتيارات وشخصيات انتفاضة الاستقلال مما أسهم في تمديد المرحلة الانتقالية وأوجد حالاً من المراوحة والجمود على كل الصعد". دعا الى "الخروج من هذا الواقع" وشدد على "ترابط حلقات التغيير". لفت الى "ضرورة بلورة استراتيجية جديدة للمرحلة خاصة في ظل اجواء دولية داعمة للبنان".
"استفهم" جنبلاط ووافق على "تكثيف" التحاور في هذه العناوين. اثار زعيم الجبل بـ"سرعة" مسألة "سلاح المقاومة" وصارح "الحكيم" بها.
جنبلاط: منظومة دفاعية مشتركة بين المقاومة والجيش
قال جنبلاط "لا بد من استعادة مزارع شبعا وتحرير الاسرى والمعتقلين من السجون الاسرائيلية. واقترح ان يتم النقاش مع "حزب الله" عند هذه المرحلة في تشكيل "منظومة دفاعية مشتركة بين المقاومة والجيش" تأميناً لمشروع يحمي لبنان من إسرائيل.
أكدّ جعجع هنا "أنا أحترم السيد حسن نصرالله احتراماً كبيراً ولا موقف سلبياً عندي من حزب الله، فهم منسجمون مع أنفسهم ومع مبادئهم". وشدد على ان "الأولوية هي لحماية الاستقلال والسلم الأهلي وليس لأي عنوان آخر". وبهذا المعنى أوضح "رئيس" القوات ـ "قائدها" سابقاً ـ ان مسألة سلاح المقاومة لا تطرح في اطار صراعي بل في اطار حواري".
هل تقاطع الرجلان في هذا الموضوع؟ يبدو انه يحتاج إلى مزيد من الحوار في "المضمون" وليس في "الشكل"، وإن كان لا يخفى ان جعجع ـ ضمناً ـ بقدر ما يعتبر ان موقف جنبلاط "قد" يشكّل طمأنة للحزب، يرى ان الحزب مطالب في المقابل بطمأنة "الآخرين" لجهة إدراج المسألة في سياق لبناني صرف.
"قرنة شهوان"، لحود، البطريرك
من هنا، أطلّ وليد جنبلاط على موضوع أساسي وضعه تحت عنوان "تعزيز الاعتدال داخل كل المجموعات اللبنانية". نوّه بتجربة "لقاء قرنة شهوان" على صعيد تحقيق التفاهم مع سائر اللبنانيين. أشاد بأدوار قوى "القرنة" وشخصياتها. أبدى حرصاً على استمرار هذه الأدوار. "لوّح" إلى أهميّة إيجاد "صيغة ما" شبيهة.
ردّ جعجع بإيجابية ونوّه بهذه "التجربة المسيحية" في الفترة السابقة، ولم يمانع في البحث مع "مَن يعنيهم الأمر" بـ"الأفكار الضرورية والمناسبة".
لكن ماذا عن رئاسة الجمهورية؟ حكى الزعيم الاشتراكي وحكى الزعيم القوّاتي: التمديد لاميل لحود غير شرعي وغير دستوري، التمديد جرّ الخراب على البلد.. أما تجديد طرح مسألة رئاسة الجمهورية "فهو على علاقة بنتائج تحقيقات ميليس النهائية". السبب؟ هو أن الأولوية التي تم الاتفاق عليها هي "لمنع تخريب الاستقرار". وهو ان "لا داعي وفي هذه اللحظة بالذات لأن يؤدي طرح هذا الموضوع إلى اصطفاف سياسي معين أو تحالف سياسي معين لا معنى له إلا انه سيكون ضد الغالبية".
وبما ان الاستقرار مرتبط بالحقيقة حول جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كما يؤكد وليد جنبلاط، فقد اتفق مع سمير جعجع على "التمسّك بالحقيقة"، وعلى ان "لا تسوية ولا فتحَ جدياً لموضوع العلاقات اللبنانية ـ السورية قبل التعاون الكامل للنظام السوري مع التحقيق الدولي".
وخاتمة البحث "مسك". إنه البطريرك نصرالله بطرس صفير. القراءة هنا مشتركة بينهما: لسيّد بكركي دور "رعائي"، ودور المرجعية العامة، و"سيكون مستعداً لتبنّي أي خيار توافقي بين اللبنانيين". سيزوره عينُ جنبلاط وائل أبو فاعور قريباً.. وقد يكون لقاءٌ قريب.
.. والمغادرة وباقة الكتب
والآن، وبعد الاتفاق على المتابعة وكيفية التواصل ووتيرته، وعلى التنسيق والتشاور المستمرَّين، لأن جلسة ثلاث ساعات من بعد ثلاثة عقود لا تكفي... جاء دور "الديسير" (التحلاية).
خرج جعجع من كليمنصو محمّلاً بثلاثة كتب أهداها إليه جنبلاط. "أوهام الإسلام السياسي" لمؤلّفه عبدالوهاب المؤدب. "كمال جنبلاط ـ الرجل الاسطورة" لمؤلفه ايغور تيموفييف. "مدينة على جبل" للمؤلف الوزير طارق متري.
وحده وليد جنبلاط الذي يعتبر الكتاب أفضل هدية يعرف لماذا قدم لضيفه هذه الاختيارات. سمير جعجع سيعرف بعد ان يقرأها. وبين الاثنين "نهمٌ" على القراءة لكن ليس من "نفس الصنف". بين السياسة والتاريخ والتراث والحروب المخابراتية عند جنبلاط.. وبين السياسة والفلسفة والدين والروحانيات والاجتماع عند جعجع، ثمة ما هو بحاجة إلى "تبادل كتبيّ" دائم.
لم يقل وائل أبو فاعور "الشاهد الأمين" كيف غادر سمير وستريدا كليمنصو. في سيارة واحدة؟ في أكثر من سيارة؟ مَن سبق مَن؟. لكن الأكيد من كل ما سبقت روايته هو ان دار وليد جنبلاط في بيروت أو المختارة هي دار المحطّات الكبيرة.. ودارة الثورة على الظلم.. وحاضنة كل التحوّلات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.