8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ميشال سليمان "المتوازن" يقدّم الضمانة الرئيسيّة من تهديدات "الفوضى"

ثمّة في معظم الوسط السياسيّ تنويه كبير بقائد الجيش العماد ميشال سليمان وأدائه لاسيما خلال الشهور الماضية. وينطلق هذا التنويه من كون الجيش أولى المؤسسّة الأمنيّة التي تمت استعادتها إلى الوطن، وإلى النظام العام، والتي استطاعت أن تضبط ايقاعها على التوازن السياسيّ فتبقى متوازنة في تعاطيها مع مختلف الملفات.. لا بل يرى معظم الوسط السياسيّ أنّ المؤسسّة العسكريّة كانت الأولى من بين مؤسسّات الدولة التي مارست الدور المناط بها قبل غيرها.
14 اذار و8 آذار: التوازن رغم الضغوط
أولاً ـ وإذ يذكّر الوسط السياسيّ بدور سليمان والجيش في 14 آذار الماضي، وهو دور حماية الانتفاضة في تعبيرها عن شعارات الاستقلال والسيادة والديموقراطية، يذكّر أيضاً بدور المؤسسّة وقائدها في حماية 8 آذار وشعاراتها، الأمر الذي يعني النظرة المتوازنة إلى الوضع اللبناني، والقراءة المتوازنة للمتغيّرات، والتصرف المتوازن لمؤسسة تعتبر نفسها خارج الصراع السياسيّ أو هي يجب أن تكون كذلك.
لكنّ ذلك لم يكن أمراً بديهياً، في ظل الضغوط التي تعرض لها العماد سليمان في 14 آذار لتفريق التظاهرة بالقوة والتي لو استعملت لكانت نتائجها كارثية. وقد اتخذت الضغوط آنذاك أشكالاً عدة، من بينها كمية التقارير التي ضختها الأجهزة الموالية لرئيس الجمهوريّة وللنظام السوريّ على طاولة قائد الجيش، وكانت تضع أمامه "معلومات" عن أسلحة ومتفجرات وفوضى لا بدّ من السيطرة عليها مسبقاً بـ"القمع".. وذلك قبل أن تنكشف في وقت لاحق شبكة جامع جامع، مسؤول المخابرات السوريّة في بيروت الذي "نظّم" مجموعةً لـ"تفجير" يوم 14 آذار.
الضمانة ضدّ الفوضى والانقلاب
ثانياً ـ ويلفت الوسط السياسيّ إلى أنّ نجاح الجنرال سليمان في حماية الوضع السياسيّ الناشئ بكل تلاوينه وأخذاً في الاعتبار كافة مكونات الاجتماع السياسيّ اللبناني، يكشف قدرته على السيطرة على مفاصل المؤسسّة، حيث لم يعد ثمّة أي خرق للأمرة على هذه المؤسسّة. والأهم أنّه بذلك يوفر ضمانة لانتقال الوضع السياسيّ من مرحلة إلى أخرى. وبكلام أشدّ صراحة، يعتبر الوسط السياسيّ أنّ الجيش يشكّل اليوم ضمانة من الفوضى السياسيّة، وضمانةً ضدّ أي انقلاب بالقوة على الوضع السياسيّ، خاصة عندما يتم إدراك أنّ سلاح الفوضى أو سلاح الانقلاب كانا في حساب من يرغب في منع "صرف" التغيير سياسياً، أي منع هذا التغيير من أصله.
ثالثاً ـ ونجح العماد سليمان عندما وقف على خطّ التماسّ مع ملفات شائكة. فمن دون ضجيج إعلاميّ "راقب" الأنباء عن تدفق أسلحة ومسلحين عبر الحدود السوريّة، وأعطى القرار بالمداهمات حيث يجب وميّز بين "الحقيقي" من المعلومات و"المضخّم" منها، لأنه يعلمُ تمام العلم أنّ "القلق" الموجود هنا وهناك قد يترجم تضخيماً في ظلّ المناخ السياسي السائد. وهو يأخذ بـ"برود" مَن يُحكِم السيطرة على المؤسسة، معلوماتٍ تتحدّث عن حركة تسلّح داخليّة، أي تسلّح أطراف داخليين، فيقلل من "حجم" العملية علماً أنّ الأوضاع قيد "المراقبة" والمتابعة.
السلاح الفلسطيني: الحلّ السياسيّ وهيبة الجيش
رابعاً ـ وفي الموضوع المتعلق بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات، اتسم أداء سليمان بالحكمة والتعقّل. وهو إذ لا يحصر الحكمة والتعقل بنفسه، بل يشيد بحكمة الرئيس فؤاد السنيورة، يبدو واضحاً أنه ليس في وارد "تفويت" الجيش في مشكلة يعتبر محقاً أنّ أصلها سياسيّ، أي لا بدّ أن يكون حولها توافق لبناني إجمالي من جهة، وأن تكون القضيّة الفلسطينيّة على طريق الحلّ إقليمياً ودولياً، وأن تكون ثمة مساعدة خارجيّة لـ"الأجندة" اللبنانيّة من جهة أخرى.
بمعنى آخر، انّ موقف قائد الجيش من القرار 1559 هو نفسه موقف الحكومة ورئيسها، وهو لا يريد في ظرف سياسيّ يعرف أنّ كل شيء فيه قابل لـ"الاشتعال" ان يشعل أزمة. لكنّه في المقابل يرفض التفريط بـ"معنويّات" الجيش التي تشكل أحد عوامل قوته. ولذلك اتخذ إجراءات الانتشار حول مواقع فلسطينيّة على الحدود مع سوريّا عندما تمّ قنص أحد مسّاحي الجيش، واستمر يطالب بتسليم الفاعل أو الفاعلين، وأمر الجيش بالوصول الى تلّة في المنطقة لجمع مزيد من الأدلّة يحتاجها التحقيق العسكري قبل أن يحال الملفّ الى القضاء، حتى بات ملفّه كاملاً، وهو الآن يواصل المطالبة بتسليم الفاعل أو الفعَلة مسلحاً بملفّ، ما سمَح له بـ"تخفيف" الإجراءات مع الاحتفاظ بمواقع ذات طبيعة "استراتيجية". ويعتبر أن المسألة ترتبط بتحقيق تقدّم سياسي على غير صعيد.
العلاقة بنصرالله
خامساً ـ كذلك الأمر بالنسبة الى المقاومة. فهو إذ يتكلّم عن "حماية المقاومة" ملتزماً بالموقف السياسي للسلطة، إنما يعتمد في هذا السياق سياسة حماية العلاقة بين الجيش و"حزب الله"، وهو التقى غير مرة الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، وكان بينهما حوارٌ هادئ، فلا قرار من الدولة بالصدام مع المقاومة ولا قرار من الجيش في هذا الاتجاه أيضاً. وقناعة العماد سليمان راسخة بأن الموضوع برمّته سياسي يتعلّق بالتفاهم الوطني، وبإخضاع الأمر لـ"أجندة" لبنانية صرفة.
سادساً ـ ويضيف الوسط السياسي أن هذا الأداء الحكيم والعاقل حيال ملفّات صعبة وشائكة، ينطلق لدى قائد الجيش من إيمان كبير بوحدة البلد ووحدة المؤسسة العسكرية، وبأن أداء القيادة يحمي وحدة المؤسسة.
وينقل عنه سياسيون التقوه في الآونة الأخيرة أنه قال لمرجعيات من طوائف مختلفة: عندما يستطيع الجيش أن يتواجد في منطقة من لون طائفي معيّن أو أن يسيّر دوريات فيها لفرض الأمن، فإنه سيتمكن من عمل الشيء نفسه في منطقة أخرى. والعِبرة هنا أن المؤسسة بالنسبة إليه هي لكل لبنان، بصرف النظر عن التوزّع الطائفي في المؤسسة.
بكركي واليرزة
سابعاً ـ وإذ يشدّد الوسط السياسي على انتقال ولاء المؤسسة الى قيادتها، وولاء القيادة للسلطة السياسية، مع دور إضافي يلعبه "القائد" هو الصدق مع السلطة السياسية والتعاون معها، يلفت (الوسط السياسي) الى أن العماد سليمان نجح مع مرجعيات أخرى في تشكيل ضمانة "عامة". وبكلام آخر، يسجّل الوسط أنه في وقت يعبث الرئيس إميل لحود بموقع الرئاسة الذي يشغله الموارنة، فإن قائد الجيش الماروني يلعب دوراً بارزاً في إثبات جدارة المؤسسة في أن تكون لكل لبنان، وهو بذلك يضيف موقعه الى موقع بكركي التي وحدَها تستطيع ليس فقط أن تعبّر عن "محصّلة" الموارنة أو عن مقتضيات التلاقي الوطني ـ الإسلامي، بل عن القناعة الجازمة بأن لا مستقبل للبنان إلاّ بوحدته.
ثامناً ـ ويكشف الوسط السياسي أن العماد سليمان نجحَ في إبعاد التدخّلات السياسية عن المؤسسة، سواء ما يتعلّق منها بأطراف يعتبرون أنفسهم ذوي "حقوق" داخلها، أو ما يتعلّق منها بهجمات سياسية استهدَفت قائد الجيش لأسباب شتى، كما نجح في الحد من تأثير التعاطفات السياسية من هنا وهناك مع هذا الفريق أو ذاك، وذلك عبر تغليب روح "الجماعة" وعبر اتباع النهج الذي يوحّد. ولَكَم ينقل سياسيون عن سليمان اعتزازه بالقيادات العسكرية التي تعمل معه، والتي استطاع أن يشكّلها بملء إرادته في كل الظروف.
العلاقة بالجيش السوري
تاسعاً ـ ويشير الوسط السياسي نفسه الى أنه في وقتٍ تغلق دمشق العلاقة مع لبنان من بوّاباتها المختلفة، فإن العماد سليمان يستمرّ في علاقته بالقيادة العسكرية السورية، وهو كان كذلك منذ أن تولى قيادة لجيش، وقد ناله من غضب لحود والأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية الكثير، لكنه ظل على قناعته بعلاقة "التعاون المتبادل" مع الجيش السوري، ولعلّه بعلاقته هذه يسدّ اليوم إحدى الفجوات الكثيرة للعلاقة اللبنانية ـ السورية. وفي موازاة هذه العلاقة، يقيم علاقة بممثلي الدول الأخرى، و"يناقش" معهم ويجعلهم يحترمون رأيه.
"نباريش الإرهاب"
عاشراً ـ ويشيد الوسط السياسي أخيراً بدور الجيش وقائده الى جانب أدوار سائر المؤسسات الأمنية الأخرى، في الحدّ ـ بلا حسَد ـ من التفجيرات التي ضربت لبنان على يد النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك، بما في ذلك مسلسل الاغتيالات الذي طاول قيادات وطنية وإعلامية.
وينقل زوّار البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير أنه سأل العماد سليمان عندما زاره قبل مدة عن سرّ انقضاء أكثر من شهر من دون حصول تفجير، فأجابه سليمان: لعلّ الجيش وسائر القوى الأمنيّة في معرض تحركها وانتشارها لحفظ الأمن، "دعسوا على مجموعة نباريش" تضخ الإجرام والإرهاب، وقد يكون ذلك السبب، لكننا لن نستكين بطبيعة الحال، لأنّ الإرهاب "ظاهرة فوق لبنانيّة" ويجب التنبّه دائماً.
بدون ضجيج إعلامي
في ضوء هذه المعطيات التي يشرح الوسط السياسيّ بواسطتها أسباب التنويه بقائد الجيش وأدائه، يخلص إلى التأكيد أنّ أهمّ صفة للعماد سليمان هي فضلاً عن النزاهة والتعقل والحكمة، التوازن الذي لا يجعله فقط قائداً لمؤسسة خاضعة للسلطة السياسيّة بموجب الدستور، بل عاملاً مساعداً لهذه السلطة، وعامل اطمئنان للبنانيين، وضمانة من الفوضى في وقت كُثُرٌ هم الذين يهددون بـ"سلاح الفوضى"، وضمانة للمسار السياسيّ انتقالاً من مرحلة إلى أخرى. والحق يقال أنّ أيّ قائد للجيش عندما يسمع تنويهاً من السياسيين "يغشى"، و"قد" يفضل قائد للجيش كميشال سليمان أن تكون الانتقادات السياسيّة أكثر ومن عدة جهات، لأنها ستكون إثباتاً لـ"توازنه". بيد أنّ ميشال سليمان إبن المؤسسة العسكريّة وقائدها منذ سبع سنوات، استطاع، حتى في ظروف الوصاية القصوى، أن يثبت أنه يعرف الاجتماع السياسيّ وأن يبرهن خاصة بعد التطورات التي شهدها لبنان انه "يحترف" التعاطي مع الوضع السياسي، الأمر الذي أين منه قادة الجيش الذين سبقوه، خصوصاً الذين كانوا قبله مباشرة.. وإلا كيف نجح سليمان في استعادة المؤسسة إلى الدولة بخطوات سريعة ومدروسة في آن.. وبدون ضجيج إعلاميّ ولا تصوير؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00