8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

جنبلاط "الإطفائي" والتحرك الهادف إلى نزع صواعق التفجير

قبل أيّام قليلة، أعلن رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط ما يشبه المبادرة السياسية من ضمن "الثوابت" التي يلتزمها. وعلى أساسها من المفترض أن يتحرك باتجاه رئيس "حزب التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، ويُنتظر أن يلتقي البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير في وقت لاحق. أما على الصعيد الخارجي فيزور جنبلاط المملكة العربية السعودية.
خطاب الأسد هو الدافع
لماذا هذا التحرك الجنبلاطي الآن وإلامَ يهدف في المرحلة المباشرة؟
أولاً ـ لقد عنى خطاب الرئيس السوري بشّار الأسد لجنبلاط الكثير، من زوايا عدة: فالخطاب لم يقدم جواباً سورياً حاسماً حول أفق التعاون مع لجنة التحقيق الدولية تنفيذاً للقرار 1636، وهو تضمن تهديدات سافرة للغالبية النيابية وأطرافها الرئيسيين، وأعطى إشارات واضحة بشأن السياسة السورية في لبنان خلال المرحلة المقبلة، وهي السياسة التي لا تُخفي السعي إلى الانقلاب على التوازن السياسي في البلد والتهديد باستخدامه ساحة للفوضى.
ثانياً ـ إذاً، لا شك انّ خطاب الأسد هو الدافع الأساسي وراء تحرك جنبلاط، نظراً إلى ما ينطوي عليه من خطورة في المضمون من جهة وما تضمنّه من احتمالات "تفجيرية" في الوضع اللبناني من جهة أخرى. ولذلك كانت دعوة الزعيم اللبناني الى "عدم نقل معركة النظام السوري إلى لبنان".
ثالثاً ـ وفي ضوء ذلك كله، من الطبيعي أن يرى جنبلاط أنه فيما يشكل القرار 1636 الأولوية، وفي وقت يتسم بالصراع بين دمشق والمجتمع الدولي حول تنفيذ هذا القرار، وبينما "يُحتمل" أن يستهلك عنوان الـ1636 فترة أشهر طويلة، انّ الأولوية السياسية لبنانياً تحولت نحو تحصين الواقع الداخلي من تداعيات المواجهة بين النظام السوري والمجتمع الدولي ومن تداعيات اعتبار هذا النظام لبنان ساحة مفتوحة لهذه المواجهة. وأكثر من ذلك، من حقّ السياسيين اللبنانيين، وجنبلاط في المقدمة أن يعتبروا انه حتى لو تمّ التوصل بين دمشق ورئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس إلى تسوية ما بشأن مكان استجواب الضباط السوريين المطلوبين للتحقيق، فانّ ذلك لن يعني انّ الأمور ستصبح سالكة، ومن هنا الحذر من إشعال سوري لـ"ملفات" شتى في وجه الوضع السياسي اللبناني.
جنبلاط حليف "حزب الله"
الضمانة اللبنانية العامة
رابعاً ـ وعلى هذه الخلفية، كان الزعيم الاشتراكي ولا يزال مقتنعاً بضرورة "الفصل" بين "حزب الله" ودمشق اي بينه وبين سياسة النظام السوري. فهو كان أول من دعا بعد 14 آذار إلى "الفتح" على الحزب، وكأن أوّل من دعا إلى التمييز بين الدعم المطلق للقرار 1595 بشأن الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ـ ثمّ القرار 1636 الذي وصفه جنبلاط بانه داعم للاستقرار في المنطقة ـ وبين رفض القرار 1559 والتحفظ بشأن تنفيذه.
ولا شكّ انّ جنبلاط راغب في مواصلة الحوار مع الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله بهدف "إقناعه" بالتمييز بين القرارين 1595 و1636 من جهة والقرار 1559 من جهة أخرى، ولتقديم ضمانة لبنانية عامة للحزب بأنّ قوى الغالبية مجمعة على حماية المقاومة و"التعهّد" بأن موضوع المقاومة مرتبط باستعادة مزارع شبعا وبتحرير الأسرى والمعتقلين في السجون الاسرائيلية، وإبداء الاستعداد لمناقشة مستقبل علاقة لبنان بالصراع العربي ـ الاسرائيلي ومشروع الدفاع عن لبنان في مرحلة ما بعد مزارع شبعا. ويطمح جنبلاط "المفوّض" بالنطق باسم الغالبية النيابية في هذا المجال إلى "إقناع" الحزب بأنّه يستطيع الاعتماد على ضمانة لبنانية عامّة، وانّ قضيته في مكان آمن طالما ان الغالبية ليست في وارد الدمج بين الـ1559 والقرارات الدولية الاخرى. ولعل جنبلاط هو الأقدر أيضاً على "خفض" التوتر في العلاقة بين الحزب والرئيس فؤاد السنيورة وعلى تجديد الثقة في إطار هذه العلاقة.
وبالاستناد إلى الاعتراض الذي أبداه جنبلاط حيال النزول إلى الشارع في هذه الظروف حتى في عناوين مطلبية محقة، يمكن تقدير ان هذه النقطة ستكون ايضاً موضع حوار بينه وبين قيادة "حزب الله".
عون واختلاف الأولويات.. وجعجع وهواجسه
خامساً ـ أما جديد تحرك جنبلاط، فهو شموله "التيار الوطني الحر" والجنرال عون. غير ان الأمر، على الرغم من "جِدّته"، يعني ان لدى زعيم الجبل نية واضحة في تهدئة العلاقة مع عون انطلاقاً من أولويات التحصن حيال الاحتمالات الخطيرة المتأتية من السياسة السورية كما عبّر عنها الأسد. ولا شك ان جنبلاط يعرف ان كل الاستحقاقات الاخرى تراجعت أمام استحقاق التحقيق الدولي وتداعيات أزمة العلاقة بين النظام السوري والمجتمع الدولي.
سادساً ـ أما اللقاء المنتظر بين جنبلاط وجعجع، فهو ليس مفاجئاً، لان العلاقة بين "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"القوات اللبنانية" غير مقطوعة أصلاً. لكن أهمية اللقاء في السياسة تكمن في ضمّ "القوات" إلى الجهد المشترك الهادف إلى إزالة هواجس الأطراف من بعضها البعض، لا سيما ان من التقوا "الحكيم" في الآونة الأخيرة نقلوا عنه مخاوفه من انتقال النظام السوري إلى التنفيذ "العملي" لسياسته المشروحة آنفاً حيال لبنان، وتخوّفه من تحقيق سوريا اختراقات سياسية لبنانية.
الطائف هو السقف
سابعاً ـ وتتويج التحرك الداخلي بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، لا بد انه يكتسب من وجهة نظر جنبلاط بُعدَين، أولها "رمزي" من زاوية تاريخية وعملي في الظرف الراهن، كون المملكة الراعية الأولى لاتفاق الطائف الذي يؤكد جنبلاط على اعتباره "السقف" في لبنان طالما انه يحدّد هوية لبنان العربية ويحدّد أسس الشراكة الوطنية والصلاحيات الدستورية. أما البعد الثاني فسياسي "استراتيجي" في ظل الدور الذي تلعبه المملكة في المنطقة، وبين المنطقة والعالم، والذي يشكّل غطاء مهماً للبنان.
مِن هنا، فإن قراءة التحرك الذي يزمع وليد جنبلاط القيام به داخلياً وخارجياً، تضعه في خانة "المبادرة السياسية" لتفكيك عوامل التوتر بين الأطراف الداخليين، ومنع استغلال الخطة السورية لأي تناقضات لبنانية بهدف إدارة هذه التناقضات على نحو تفجيري، وإعادة ترتيب الأولويات السياسية اللبنانية.
وغنيّ عن القول في هذا السياق ان تحرك جنبلاط ومبادرته، لا بد أن تتم مواكبتهما دعماً لهما مِن جانب فرقاء الغالبية النيابية. وليس سراً ان جنبلاط عقد سلسلة اجتماعات مع عدد من أطراف هذه الغالبية، بعيداً عن الأضواء، ما أدى إلى تكوين قناعةٍ لديه ليس فقط بالتحرّك بل بجدواه أساساً، خصوصاً بعد أن قرأ خطاب الأسد بمضامينه المعلنة والمضمرة.


"الإطفائي": الغالبية تعلن
رفض توظيف التحقيق ضدّ أحد
وإذا كان دور "الإطفائي" الذي يؤديه الزعيم اللبناني يهدف إلى استباق أي محاولة لإشعال حرائق في لبنان تُسقطه في الفوضى، فإن هذا الدور ينهض على تقاطعات مهمة داخلياً وخارجياً:
1 ـ ان التحرك وما ينطوي عليه من مبادرة في العمق، وفي وقتٍ يتجاوز فيه جنبلاط الفرز بين 14 آذار و8 آذار، يلتقي مع رغبة الغالبية في التأسيس لورشة حوار تريد من خلالها التأكيد على ان التحقيق الدولي ونتائجه من جهة والهزيمة السياسية للنظام الأمني بمفاعيل هذا التحقيق من جهة ثانية، لن تتم ترجمتهما داخلياً لا بالانتقام السياسي من أحد ولا سعياً إلى الاستقواء ولا توجهاً نحو محاولة الضغط على توازن القوى والإخلال به، بل بالعكس بأفق توطيد التفاهم الوطني.
2 ـ ويأتي هذا التحرك وما ينطوي عليه من مبادرة في العمق، في لحظة إجماع دولي على دعم لبنان، الأمر الذي يعني ان في وسع لبنان الطلب إلى الأسرة الدولية عدم جعل لبنان ممراً إلى الضغوط المباشرة على سوريا أياً يكن القرار الذي سيتم اتخاذه بناء على نتيجة اختبار ميليس لجدية التعاون السوري مع التحقيق الدولي، والطلب إلى المجتمع الدولي أيضاً دعم لبنان في تحديده "الذاتي" لمساراته.
3 ـ ولعل جنبلاط من بين سائر فرقاء الغالبية النيابية ـ السياسية، يبدو الوحيد الذي يقيم علاقة بأصدقاء سوريا الدوليين لا سيما روسيا التي انضمت إلى الإجماع الدولي حول القرار 1636، معطية سوريا بذلك إشارة قوية إلى ان سياستها (أي سوريا) مع المجتمع الدولي لم تعد "ماشية" وان روسيا مستعدة لمساعدتها إن هي ساعدت نفسها. و"ربّما" تستطيع علاقة جنبلاط الروسية أن تفعل فعلها درءاً لتهديدات سوريا للبنان.
في جميع الأحوال، ان مبادرة جنبلاط إلى هذا التحرك "المتكامل" هي الأولى من نوعها منذ ما قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، وتشكّل فرصة لنزع "الصواعق"، وستكون بلا شك أمام اختبار مدى استجابة الآخرين لها، لكنها بالتأكيد مبادرة تستحق أن يتم التعامل معها بوصفها "فرصة سياسية" يجب ألا تضيع.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00