لم يُقِم النظام البعثي الحاكم في سوريا منذ 35 عاماً بـ"التمام والكمال" علاقات "سوية" مع الدول العربية المجاورة لسوريا، وذلك من منطلق رغبة هذا النظام الذي أسّسه الرئيس الراحل حافظ الأسد في جعل سوريا "دولة إقليمية كبرى"، الأمر الذي جعله يتعاطى مع هذه الدول المجاورة بوصفها "ساحات" أو بالأحرى "أوراقاً" يحاول تجميعها بأفق الهدف "المركزي" أي بناء سوريا كدولة إقليمية كبرى. وفي هذا الإطار كانت تسمية "الورقة العراقية" و"الورقة الأردنية" و"الورقة الفلسطينية" و"الورقة اللبنانية" تتكرّر على ألسنة قادة النظام البعثي السوري باستمرار الى أن فرطَت الورقة تلو الأخرى، ولم يبقَ منها إلاّ "الورقة اللبنانية".
وفي قراءة تاريخية استرجاعية، يبرز واضحاً أن احتفاظ نظام دمشق بـ"الورقة اللبنانية" يعود الى أسباب عدة أهمها أنه نجح في فترة السبعينات في اللعب على تناقضات الوضع اللبناني "الهشّ" آنذاك، فدعم "الحركة الوطنية اللبنانية" و"الثورة الفلسطينية" بدايةً ثم بدا لاحقاً أن هذا الدعم كانَ لـ"استدراج" طلب بالدعم مِن "الجبهة اللبنانية"، ثم كان دعمه لـ"الجبهة اللبنانية" المسيحية ثم كانَ الانقلاب على هذه العلاقة، ثم كانت إدارته للتناقضات اللبنانية بحيث يبقى هو الملاذ واستمرّ الوضع كذلك بين العام 1975 والعام 1982 عام الاجتياح الإسرائيلي.
ولم يعد سراً أن الإدارة السورية لما كان المسؤولون السوريون يسمّونه "الملف اللبناني"، أي الإدارة المبنيّة على إشعال التعارضات اللبنانية والتعارضات اللبنانية ـ الفلسطينية، تمّت في تلك المرحلة باتفاق مع الولايات المتحدة ضمن شروط تتعلّق بالانتشار السوري في لبنان حيالَ إسرائيل، وفي ظل رفض من الاتحاد السوفياتي السابق لهذا كله. لكن النظام السوري الذي فرض الاجتياح الإسرائيلي عليه صيف العام 1982 الخروج من لبنان، عاد الى الاتحاد السوفياتي السابق بين 1983 و1989، فعادَ الى لبنان على "الحصان السوفياتي"، وعلى حصان تحالفات لبنانية مع أركان عدد من الطوائف، مُستأنفاً إدارة التناقضات ـ الحروب الداخلية في لبنان.
.. الى أن كانَ اتفاق الطائف في تشرين الثاني 1989 فـ"ركب" النظام السوري "موجته"، ورسّخ دوره في لبنان بالاتفاق مع الولايات المتحدة، لا بل بدا توكيله بلبنان "هديّة" له في مقابل دعمه السياسي للتحالف الدولي ضد النظام العراقي الذي كانَ قائده تورّط في غزو الكويت، وفي مقابل مشاركته العسكرية "الرمزية" في حرب تحرير الكويت. وبين العام 1990 وبداية العام 2005، كان لبنان مطوّباً للنظام السوري بقرار أميركي ـ دولي، و"ورقة" في جيبه. والأدقّ القول أن التطويب هذا استمرّ بلا مشاكل حتى العام 2001، أي بعدَ تحرير الجنوب في أيار 2000، وبعدَ أحداث أيلول 2001 في واشنطن ونيويورك.
الأسد ورث عن والده سياسة "الأوراق" و"تجميعها"
إذاً، هذه المقدّمة التاريخية "السريعة" هي للقول أن بشار الأسد عندما ورث السلطة من والده الراحل في حزيران 2000، ورث "دولة إقليمية سورية" استقرّ نفوذها في لبنان فقط، لكن التطوّرات الفلسطينية بعدَ فشل "كمب ديفيد" في أيلول 2000 واندلاع انتفاضة الأقصى، ثم التطوّرات العراقية بعدَ ذلك بثلاث سنوات، وبين هذه وتلك أحداث أيلول 2001 في أميركا، أعادت إحياء سياسة تجميع الأوراق مِن قبل الحاكم السوري الجديد.. وكان أن برز لبنان بوصفه "ساحة تجميع" هذه الأوراق.
أولاً ـ إن الوجود في لبنان كانَ ورقة سياسية أولى بالنسبة الى الرئيس الأسد وأركان نظامه.
ثانياً ـ والمقاومة في لبنان التي أنجزت مهمّتها اللبنانية "الرئيسية" في أيار 2000، أُعطيت بعداً إقليمياً لتكون ورقة سياسية أخرى.
ثالثاً ـ واللعبُ في الساحة الإسلامية اللبنانية، كانَ ورقةً ثالثة، بمعنى الإمساك بجهات أصوليّة، إن وجدت، وتركيب مجموعات أخرى، بهدف إيجاد وضع يمكن وصفه بالإرهاب لكن يكون تحت السيطرة السورية.
رابعاً ـ والعلاقة مع منظّمات "الرفض" الفلسطينية هي ورقة رابعة.
خامساً ـ والعلاقة بما يسمّى "المقاومة" العراقية، وطريقة إدارة مسألة الحدود مع العراق، شكّلتا ورقة خامسة.
النظام السوري "مرفوضٌ" وليس رافضاً
وقبلَ القرار 1559، لا بل منذ الـ2000، كانَ النظام السوري يعيد تجميع الأوراق و"يصبّها" في الساحة اللبنانية، بهدف التفاوض مع الولايات المتحدة على أمرين رئيسيين: مستقبل النظام من جهة واستمرار النفوذ السوري في لبنان الذي باتَ مرادفاً لبقاء النظام في دمشق نفسها من جهة ثانية، أي أن نظام الأسد كانَ على استعداد لبيع الأوراق التي جمّعها في مقابل صفقة تحمي هذا النظام وتبقي النفود السوري في لبنان. وقد أعطى إشارات عدّة في هذا الاتجاه، لعلّ الكثيرين في لبنان يعتبرون أن إشارة أحداث أيار 2004 في الضاحية الجنوبية استدراجاً لمواجهة بين الجيش و"حزب الله" أبرزها على الإطلاق.
ولا يقول النظام في دمشق الحقيقة عندما يزعم أن واشنطن والمجتمع الدولي أبديا الاستعداد للموافقة على بقائه في لبنان، لو أنه وافق في المقابل على تجريد المقاومة من السلاح وعلى نزع السلاح الفلسطيني. ذلك أن كل المعلومات الديبلوماسية قبلَ انتخابات الرئاسة اللبنانية وقبلَ القرار 1559 صيف الـ2004، كانت تؤكد أن لا مساومة مِن قبل واشنطن والمجتمع الدولي مع سوريا، وأن على سوريا الخروج من لبنان من دون قبض وحتى من دون دفع، لأن تلك الفترة من العام 2004 شهدت ذروة التأزّم السوري ـ الأميركي ـ الدولي في ما يتّصل بـ"الملفّين" الفلسطيني والعراقي، إضافة الى الوضع اللبناني.
وعلى هذا الأساس، لا يقول النظام في دمشق الحقيقة أيضاً عندما لا يعترف بأن قراره التمديد لإميل لحّود أوقعه في "فخّ" اعتقاده الراسخ آنذاك أن الصراخ الأميركي ـ الدولي لا يعني شيئاً وأن التمديد سيمرّ بلا ردّ فعل دولي، لا بل إن التمديد سيفتح طريق الصفقة المتكاملة مع أميركا. وكثيرون يتذكّرون آنذاك كيف أن النظام السوري راهنهم على إمكان مرور التمديد.
وأكثر من ذلك، ومن دون الدخول في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي لا تزالُ قيدَ التحقيق الدولي حيث سيكشف الجانب السوري مِن التحقيق ما إذا كان ثمّة علاقة للنظام بهذه الجريمة وعلى أي مستوى، يمكن القول أن نظام دمشق استمرّ يراهن على صفقة مع أميركا والمجتمع الدولي حتى وهو ينفّذ الانسحاب من لبنان تطبيقاً للقرار 1559، ولعلّه لا يزال حتى اللحظة يراهن على ذلك، آملاً بأن تجد "بضاعته" تصريفاً في السوق العالمي.
الهروب الى الأمام من الـ1636
إن كل المقدّمات الآنفة تهدفُ الى الإطلالة على الخطاب الأخير للرئيس بشار الأسد. وفي هذا المجال يمكنُ تسجيل عدد من النقاط الرئيسية:
1 ـ إن الخطاب الذي يعلن "الصمود" في وجه الضغوط الأميركية والدولية ونيّة "مقاومتها"، يجدّد القول للبنانيين أن بلدكم ساحة و"ورقة"، وأن بلدكم يتبع ما يقرّره النظام السوري.
2 ـ إن الخطاب وتحت عنوان مواجهة الضغوط الأميركية والدولية يبدو هروباً الى الأمام من التعاون في مسألة الحقيقة حول جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
"القضيّة" المعروضة: حرب أهلية في لبنان
3 ـ وفي "أحسن" الأحوال أن خطاب الأسد يقدّم مسألة الدفاع عن النظام السوري بوصفها عنواناً "نضالياً" للبنانيين.
4 ـ وفي واقع الأمر، إن هذا الخطاب مفسَّراً من قِبَل الإعلام السوري، إضافةً الى ما ينضح منه، هو مشروعٌ لتنظيم حرب أهلية جديدة في لبنان، وقد كشف "اللبيب" عاصم قانصوه ذلك، وهو مشروعٌ للانقلاب على الحكم في لبنان موجّه من دمشق.
5 ـ كذلك، فإن الخطاب لا يُخفي رغبة صاحبه، ليس فقط في تعريض العيش المشترك اللبناني للخطر، بل تعريض الطوائف لانقسامات. وأهمّ ملامح ذلك أن الأسد يعرض ضمناً تحالفاً بين النظام السوري وبعض الموارنة، إضافةً الى الشيعة، الأمر الذي يعني لعباً بالنار بين الطوائف، واستعادةً لسياسة اللعب على التناقضات ومحاولة إدارتها، مع التذكير بأن كل "نظريّة الخطاب" قائمة على "فكرة" الفوضى.
خطاب الأسد "قضيّة" خاسرة.. ولا تستحق
وفيما لا تدّعي المقدّمات السابقة كلّها تقديم قراءة تاريخيّة "متكاملة" لعلاقة النظام البعثي الحاكم في سوريا منذ 35 عاماً بلبنان، كما لا تدّعي مقاربة "إيجابيّات" الصمود السوري في فترة من الفترات، علماً أن هذه "الإيجابيّات" لا يمكن فصلُها عن سياق التحكّم بلبنان بوصفة "ورقة" من أوراق الدور الإقليمي السوري المرغوب... فإن ما ينبغي تسليط الضوء عليه في هذا السياق هو الآتي:
أ ـ ليس في خطاب الأسد بوصفه عنوان السياسة السورية، أي "قضيّة" تستحقّ من اللبنانيين عموماً التضامن معها، ولا أيّ "قضيّة" يحقّ لفئات لبنانية أن تنجذب إليها. فالدفاع عن النظام في سوريا ليس جزءاً من مواجهة مشروع خارجي أو بكلام أوضح ليس عنواناً للدفاع عن البلد والمنطقة وفي وجه أي مخطّطات.
ب ـ ولا شك أن هذا النظام، كأنظمة أخرى مشابهة في المنطقة، كانَ ثقيل الوطأة على مرّ وجوده، على قضايا التحرّر والتحديث والديموقراطية في هذا الجزء من العالم. ولا يتعرّف الشعب اللبناني كما سائر الشعوب العربية على أنفسهم في معارك الدفاع عن أنظمة باتت من الماضي فعلاً.
ج ـ إن أفضل "مواجهة" للمشاريع الغربية حيالَ المنطقة، هي حماية لبنان، أي حماية سلمه الأهلي والسير سلمياً في إصلاحات ضروريّة على غير صعيد تطويراً لنظامه الديموقراطي.
د ـ ورهان النظام السوري على تجديد اعتماد لبنان "ساحة مفتوحة" لا بد أنه خاسر في ظلّ وعي الأطراف الرئيسية الحيّة أن ما يطرحه هذا النظام "قضيّة" خاسرة ولا تستحق أن يتبنّاها أحد، خصوصاً أن المطلوب هو النظر الى المستقبل و"العقد" مع قضايا مستقبليّة. ولا شك أن الجميع في لبنان يدرك أن لا مصلحة لأحد في "الدخول" بأحد أي الاصطدام به. وأفضل ردّ على رهانات نظام دمشق هو التأكيد على أن لبنان لن يكون ساحة لأي حروب فوق أرضه، والمدخلُ الى ذلك هو الإسراع في تطوير تفاهم وطنيّ بين الجميع، إسلامياً ـ إسلامياً وإسلامياً ـ مسيحياً.
جنبلاط
لقد كان الزعيم اللبناني وليد جنبلاط دقيقاً، إذ دعا الى عدم نقل معركة النظام السوري الى لبنان، أي معركة الدفاع عن النظام السوري. ولعلّ في خلفيّة هذا الموقف مِن وليد جنبلاط كل ما سبقَ ذكرُه حتى الآن، إضافةً الى إدراكه عدم وجود مبرّر لأيّ مساهمة لبنانية في إنقاذ النظام السوري الذي عليه كما قال جنبلاط أن ينفّذ القرار 1636 ويثبت براءته من جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كما يدرك جنبلاط أن لا إنقاذ للنظام إلاّ سلوكه، وأن انضمام لبنان الى هذه المعركة سيدخله في الأخطار الكبرى. غير أن جنبلاط لم يكن ليدعو الى عدم نقل معركة الدفاع عن النظام السوري الى لبنان، لولا أنه أكد قبلَ مدّة غير قصيرة أن لا شغلَ للبنان داخل سوريا، وأن اللبنانيين غير معنيين بتغيير النظام السوري. على أن الأهم في ما قاله جنبلاط هو أن الظرف غير مناسب لمناقشة العلاقات اللبنانية ـ السورية.. وإن كان طرح عناوين "ذاتية" أي تنتمي الى الضوابط الوطنية اللبنانية للتعاطي مع التطوّرات، وهي عناوين تستحقّ المناقشة والمتابعة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.