قبل خطاب الرئيس بشار الأسد وبعده، بدا واضحاً ان النظام السوري أخذ قراره بـ"مواجهة" المجتمع الدولي، وباعتبار لبنان إحدى ساحات هذه "المواجهة"، وانتقل الى وضع "مشروعه" هذا موضع التنفيذ. وبحسب المعلومات المتوافرة لدى أوساط سياسية عدة، فان "عُدّة المواجهة" في لبنان تمثلت بالخطوات الآتية:
الخطوات السورية تجاه لبنان
أولاً ـ استقبلت القيادة السورية خلال هذه الفترة كل حلفائها اللبنانيين من أدوات نظامها السابق، وتدخلت لـ "غسل القلوب" بينهم ولدعوتهم إلى استئناف العلاقة السياسية بين بعضهم البعض، وحرّضتهم على الواقع السياسي اللبناني الراهن "وعبّأتهم" تحت عنوان أنّ الواقع بتوازناته القائمة لن يدوم.
ولم يعد خافياً، خاصة بعد خطاب الأسد، أن القيادة السورية وضعت لنفسها ولحلفائها هدفاً هو إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، تحقيقاً لما قاله الرئيس السوري تهجماً على رئيس حكومة لبنان أولاً ولما قصده عندما هدد بـ "الفوضى" ثانياً، وتنفيذاً للعنوان "الوهمي" الذي صاغه أي مواجهة مشروع 17 أيار جديد ثالثاً. كما لم يعد خافياً أيضاً أن القيادة السورية رسمت خارطة طريق تبدأ بالتحرك السياسي تحت لافتة المسألة المطلبية.
ثانياً ـ الا ان دمشق لم تكتفِ بذلك، بل أشارت المعلومات المتوافرة لدى أوساط سياسية عدة إلى ان العاصمة السورية قامت مؤخراً بنشر "جيش التحرير الفلسطيني" على الحدود مع لبنان، أي القوات التابعة للجيش السوري والتي بدأ بها التدخل السوري في لبنان في العام 1976، بحيث تستفيد من "الالتباس" في "رسمية" هذا الجيش. والحال ان نشر "جيش التحرير" على الحدود يشكل تحدياً للبنان، لكنه في الوقت نفسه عنوان إقليمي متفجّر في وجه السلطة والقيادة الفلسطينيّتين، حيث من المعروف أن "جيش التحرير" لا يتبع تاريخياً للأمرة الفلسطينية.
ثالثاً ـ وفي موازاة هذه الخطوة، سمحت دمشق بتدفق مزيد من المسلحين الفلسطينيين من "الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" و"فتح ـ الانتفاضة"، وذلك بالتزامن مع قرار سوري بتعطيل الحوار اللبناني ـ الفلسطيني، وفي محاولة لإرباك الوضع الفلسطيني وإيجاد شرخ في العلاقة بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وبين الفصائل الأخرى، بحيث لا تعود زيارة الوزير الفلسطيني عباس زكي ذات جدوى عملية.
خطة دمشق ناقصة بدون "حزب الله"
في ضوء هذه المقدمات ـ المعلومات، يستنتج الوسط السياسي اللبناني ان النظام السوري شرع في وضع "المتاريس" وفي تنظيم دفاعاته في لبنان وانطلاقاً منه. بيد أن الوسط السياسي يسارع إلى القول ان أي خطة سورية لـ "المواجهة" تبقى ناقصة وغير ذات " معنى" ما لم يكن "حزب الله" جزءاً منها أو رأس حربتها.
قراءة أولى للحزب: يخوض معركة الدفاع
عن النظام السوري
وفي هذا السياق، ثمة وجهتا نظر ضمن الوسط السياسي في النظر إلى "حزب الله" ودوره. وتقول وجهة النظر الأولى الأكثر انتشاراً واتساعاً أنه لا يمكن النظر إلى "حزب الله" ودوره بمعزل عن علاقته بسوريا وعلاقته بالمشروع السوري للمواجهة تالياً، وذلك انطلاقاً من مجموعة معطيات ومؤشرات يعرضها أصحاب وجهة النظر الأولى هذه على الشكل الآتي:
1 ـ أن "حزب الله" الموجود تاريخياً على التقاطع السوري ـ الايراني، لا يمكن أن يكون منفصلاً عن المشروع السوري للمواجهة خاصة إذا كان مدعوماً من الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
2 ـ و"حزب الله" الذي ينظر إلى المواجهة السورية مع أميركا والمجتمع الدولي على أنها مواجهة سورية لاستهداف سياسي أميركي كبير، لا بد أن يرى في هذه المواجهة "قضيّة" تعنيه طالما أنه مستهدف هو أيضاً من السياسة الأميركية (والاسرائيلية). وإذ يعتبر ان النظام في دمشق نظام "صمود وممانعة"، فإنه "قد" يرى فرصة معركة للدفاع عن النظام السوري انطلاقاً من لبنان.
.. وإشارات سلبية أعطاها
3 ـ وتقول وجهة النظر هذه أن الحزب أعطى، لا سيما في الأيام الماضية، إشارات سلبية عدة تؤثر على الاستقرار السياسي:
* هو تصدّر الحملة على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة بدءاً من مؤتمر نيويورك وصولاً إلى تقرير المبعوث الدولي لتنفيذ القرار 1559 تيري رود ـ لارسن، وذهب إلى حد التشكيك بالسنيورة وبإمكان أن يكون قطع وعوداً للارسن "على ظهر" حزب الله ومقاومته.
* وهو وصل بالتناغم مع الخطة السورية إلى درجة تشكيل رأس حربة لما سمي "الاحتجاج الشعبي" على ارتفاع أسعار المازوت في وقت كان الحل ولا يزال ممكناً ضمن مجلس الوزراء الذي يشارك "حزب الله" فيه.
* وتوّج "حزب الله" موقفه السلبي من السنيورة ـ أحد رموز "تيار المستقبل" ـ بالانسحاب من جلسة مجلس الوزراء التي ناقشت تهجمات الأسد على رئيس وزراء لبنان، أي أن الحزب حجب تضامنه مع السنيورة الذي يرأس الحكومة التي يشارك الحزب فيها، وذلك التضامن جزء لا يتجزأ من التضامن الحكومي.
* وفي الموضوع الفلسطيني، أي السلاح خارج المخيمات، بدا الحزب في خطابه السياسي وقد ضم هذا السلاح إلى سلاح المقاومة في معرض الاعتراض على القرار 1559 وتقرير لارسن.
* وهو في موضوع التحقيق الدولي في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بالغ في التقليل من أهمية ما ورد في تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس مِن معطيات، وبالغ في الفصل بين الحقيقة في هذه الجريمة وبين النظام السوري بدعوى التخوف مما يسمى "التسييس". وذهب أحد قادته الشيخ نعيم قاسم الى حد القول ان النظام السوري ليس متهماً حتى ولو كان مسؤولون فيه متهمين.
وأكثر من ذلك، يسجل أصحاب وجهة النظر الأولى هذه، سلبية حضور ممثل عن "حزب الله" في المؤتمر الصحافي الذي عقدته جمعية "الأحباش" للدفاع عن نفسها غداة تقرير ميليس، وقد أثار ذلك "تيار المستقبل".
* وتصرّف "حزب الله" أخيراً بوصفه ملاذاً لحلفاء سوريا من الأدوات، وتحوّل مقره العام إلى مزار لهذه الرموز وآخرها طلال أرسلان، ما بدا "إستعداء" لأطراف آخرين على الساحة السياسية، وفي وقت كانت علاقات الحزب "تتراجع" مع قوى الغالبية النيابية وتياراتها، في "المثلث" المسيحي ـ السني ـ الدرزي.
قراءة ثانية: للحزب مخاوفه.. وضوابطه
في مقابل وجهة النظر هذه، ثمة وجهة نظر أخرى تعبّر عنها أوساط سياسية مطلعة على تفكير الحزب وتعتبر نفسها قريبة منه، وتقول الآتي:
أ ـ إن "حزب الله" لم يكن في يوم من الأيام أداة سورية يُؤمر فينفّذ، بل هو تعامل مع سوريا بوصفه حليفاً له رأيه وتصوّره، وهو يبني على ما يتقاطع عليه مع سوريا.
ب ـ ويعتبر "حزب الله"، بحسب أصحاب وجهة النظر الثانية هذه، أن ثمة مشروعاً أميركياً (وإسرائيلياً) يستهدف سوريا لا علاقة له بمعرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وهذا المشروع الأميركي (الاسرائيلي) يستهدف "حزب الله" والمقاومة أيضاً.
ج ـ أن موقف "حزب الله" من التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري واضح منذ البداية: مع معرفة الحقيقة المستندة الى أدلة وقرائن، ومع أن يستعرض التحقيق كل احتمالات الجريمة، لكن اذا ثبت أن ثمة ضلوعاً سورياً في الجريمة يجب إدانة المتورطين وسوقهم إلى العدالة. وأكثر من ذلك، وبحسب وجهة النظر هذه فان "حزب الله" الذي يخشى تسييس التحقيق ويخشى جعل التحقيق "أداة" في عملية تصفية حسابات سياسية مع سوريا، ليس على استعداد لـ "تبرير" المواجهة السورية إذا كانت غطاء لعدم الالتزام بمقتضيات التحقيق.
د ـ ويرى "حزب الله" ان من حقه ان يخشى أن تكون ثمة "مهادنة" مرحلية له تبيّت نية الانقضاض عليه في وقت لاحق. وبكلام آخر، أنه يقرأ الموقف الذي جرى التعبير عنه باسم لبنان أخيراً بالنسبة إلى القرار 1559، وكأنه موافقة على تنفيذ القرار لكن بعد بعض الوقت، أي أنه يخشى أن تكون ثمة محاولة لكسب الوقت للانتهاء من ملفات أخرى ثم خلق ظروف ضده، لا سيما أنّ الحزب على اعتقاد ان ما هو حاصل في لبنان الآن أكثر من وصاية خارجية عليه، بل هي إدارة خارجية مباشرة. ويؤكد الحزب بحسب أصحاب وجهة النظر هذه انه لا يتعاطى مع الرئيس السنيورة مشككاً بنواياه أو بوطنيته، بل على أساس "سياسي" يتعلق بكيفية التعامل مع هذا القرار الدولي.
هـ ـ وتؤكد وجهة النظر هذه أن "حزب الله" الذي يشارك في الحكومة للمرة الأولى، يعتبر نفسه شريكاً مع قوى التركيبة الحكومية، وأنه لا يسعى إلى صدام مع فرقاء 14 آذار ولا نيّة له بـ"استفزازهم" أو "استعدائهم"، وهو سيبقى منفتحاً عليهم جميعاً مستعداً للحوار.
عنوانه: الدولة غير الخاضعة للشروط الإسرائيلية
و ـ وتضيف وجهة النظر ان العنوان الرئيسي لحزب الله في هذه المرحلة، وفي مواجهة الضغوط الخارجية، هو بناء الدولة التي لا تخضع للشروط الإسرائيلية، أي الدولة التي تمتلك إمكانات حماية نفسها في وجه إسرائيل، وانه منفتح على الحوار تحت هذا السقف.
ز ـ ويلفت أصحاب وجهة النظر هذه إلى ان همّ بناء الدولة التي لا تخضع للشروط الإسرائيلية يتوازى عند "حزب الله" مع همّ حفظ الاستقرار اللبناني وعدم تخريبه، وانه ليس في وارد الانزلاق إلى ما يصيب الاستقرار بأذى، ويرفض تهويل آخرين به وليس مسؤولاً عنه.
ح ـ ويختم هؤلاء بالتشديد على انه من الخطأ النظر إلى "حزب الله" على انه جزء "حتمي" من المشروع السوري للمواجهة وذلك لعدة أسباب من بينها انه يرى نفسه مشروعاً قائماً بذاته، وانه على اعتقاد بضرورة توظيف هذا المشروع في إطار مشروع لبناني متكامل، وانه يحسب جيداً حسابات المصالح وفي جملتها مصالحه، وليس الأمر بالنسبة إليه مطروحاً من خارج البحث عن تفاهم وطني عميق يحصّن لبنان. وأكثر من ذلك، فإن الحزب بنظر هؤلاء يتطلع إلى تعميق صلاته بمكوّنات البلد، وهو ليس في صدد الانقلاب على تحالفاته التي نسجها منذ ما بعد نيسان الماضي.
المطلوب الانتقال من "الغموض البنّاء"
إلى اتفاقات بلا التباسات
إذاً، في الجواب عن السؤال حول "حزب الله" ودوره حيال المشروع السوري للمواجهة من لبنان وفيه، ثمة وجهتا نظر، الأولى منطلقة من "ظنون" عزّزتها إشارات سلبية أعطاها الحزب في الأيام الماضية، فيما الثانية تزعم النطق عن قرب من "حزب الله" كاشفة الهواجس وطريقة حساب الحزب للمعطيات ومقاربته لها، وتشدّد على البُعد "اللبناني" للحزب الذي يشكّل جزءاً من إيقاعه السياسي.
وفي انتظار اتضاح أي من القراءتين هي الأكثر دقة، فثمة بين الظنون بالحزب وظنون الحزب، وبين المخاوف من الحزب ومخاوف الحزب.. أمر ناقص هو انعدام الاتفاق السياسي في العمق، بمعنى ان "التسوية" التي على أساسها تمت التحالفات الانتخابية ثم المشاركة في الحكومة، كانت على قدر كبير من "الغموض البنّاء"، لكن هذا "الغموض البنّاء" لم يعد مفيداً، ولا بدّ من خطوات إلى الأمام، فإذا كان اتفاق لا يكون على التباسات، وإذا كان خلاف لا يكون على ظنون واشتباهات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.