"أخيراً"، وبعد أربعة أيام على خطاب الرئيس السوريّ بشار الأسد، قال رئيس "حزب التيار الحر" العماد ميشال عون قوله فيه، متقصداً عدم التوسّع في قراءة دلالاته وأبعاده، معلناً مع ذلك رفضه التهجمات على رئيس "حكومة الشعب اللبناني" فؤاد السنيورة. وتزامن الموقف من خطاب الأسد، مع نفي اللقاء السرّي في البيّاضة برئيس الجمهورية إميل لحود المقترن بإبداء الاستعداد للقاء علني، ونفي أخبار الزيارات المتكرّرة للناشط في "التيار" جبران باسيل الى دمشق. والنفي الأخير لا يتقاطع مع معلومات من مصادر موثوقة تفيد انّ باسيل كان منذ أيام قليلة فقط في العاصمة السورية، للتنسيق في عمليّة زعزعة "استقرار الحكومة".
غيرَ أنّ ذلك، أتى متزامناً مع نزول "التيار" الى الشارع في موضوع المازوت بجانب "حزب الله". وقد توقّف الوسط السياسي خلالَ الساعات الماضية أمام انتقال عون من التعبئة ضدّ الغالبية النيابية ـ السياسية والحكومة المعبّرة عنها، إلى الشارع، وسجّل في هذا المجال الملاحظات الرئيسية الآتية:
الشارع لإسقاط الحكومة فقط
أولاً ـ في وقت كان الجنرال ولا يزال يشكّل "متراساً" أمام لحود بالرغم من كل مآثر الأخير وفضائحه، وبالرغم من مساءلته أمام لجنة التحقيق الدولية عن وقائع "قد" يكون للحود علاقة بها في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفيما "أتحفَ" الجنرال الجمهور اللبناني بمبدأ أنّ الرئيس "لا يجوز أن يسقط في الشارع"، ها هو عون وتيّاره ينتقلان الى ممارسة عملية إسقاط الحكومة في الشارع أو تصعيد ضغوط الشارع عليها لإسقاطها.
"المازوت" وقودٌ لمعركة سياسية
ثانياً ـ ويلفتُ الوسط السياسيّ إلى أنّه إذ لا اعتراض على حقّ أيّ طرف سياسيّ في تلقّف مشكلة اجتماعية حقيقية تعني جزءاً كبيراً من الشعب اللبناني لا سيما في الأرياف، فإنّ ثمّة فارقاً جوهرياً بين "أخذ" هذه المشكلة لمعالجتها على الصعيد الاجتماعي المحدّد وبين "تصيّدها" في سياق مشروع سياسيّ، بينَ الدعوة الى معالجتها وبإلحاح في الأطر الدستورية بما فيها ـ وعلى رأسها ـ المجلس النيابي وبين استخدام المازوت وقوداً لمعركة سياسية.
ثالثاً وهنا تفيد المعلومات من مصادر موثوقة انّ باسيل تواجد في دمشق خلال زيارة الرئيس عمر كرامي والنائب السابق سليمان فرنجية اليها. وهو عقد اجتماعاً مع المسؤول الأمني السوريّ اللواء محمد ناصيف في حضور فرنجية تمّ خلاله الاتفاق على استخدام "المسألة الاجتماعية" ضدّ الحكومة في امتداد القرار السوريّ بـ"المواجهة" مع المجتمع الدولي انطلاقاً من لبنان، ما يقتضي من وجهة النظر السورية هزّ الاستقرار اللبناني عموماً والحكومي خصوصاً.
وقد طلب السوريون من حلفائهم الذين استقبلوهم تباعاً تنقية العلاقات فيما بينهم والتنسيق، مع ايحاء سوريّ الى الجميع بـ"الاتكال" على "حزب الله" أيضاً والتلويح بإمكان الاتفاق مع الحزب على انسحاب الوزراء الشيعة من الحكومة.
رابعاً ـ ان "التحرّك الاجتماعي" للتيار العوني ضمن المعادلات السياسية الراهنة، لا ينفصلُ عن التوجهّات السورية كما لا ينفصل عن قراءته التي تقول إن الغالبية النيابية التي نتجت عن الانتخابات الأخيرة تمارس فعل استيلاء على السلطة، وقد كالَ لها الاتهامات في هذا المجال مرات عدّة، أي أنّ هذه الغالبية برأيه لم تصل إلى السلطة ديموقراطياً. وعليه، لا يرى الوسط السياسي النزول العوني إلى الشارع إلا بوصفه عنواناً لرغبته في الاستيلاء على السلطة هو نفسه، وعنواناً لإرادته السيطرة على الحكم.. أي الوصول الى رئاسة الجمهورية بأي طريقة.. وقبل ذلك اصابة الاستقرار لـ"حساب" سوريا.
الجنرال يدرك أنّ الديموقراطية تعاكسه
خامساً ـ وغنيّ عن القول أنّ الجنرال عون عبر إطلالته من الشارع، إنما يعلنُ عملياً أنّ حسمَ رئاسة الجمهورية لصالحه لن يكون ممكناً ديموقراطياً، أي بالعلاقة مع قوى الحياة السياسية وفي اطار المجلس النيابي، بل هو يتطلّع إلى حسمها خارجَ هذا الإطار.
وفي هذا المجال، يعربُ الوسط السياسي عن اعتقاده أنّ عون قرأ الاحتمالات الرئاسية وتوصل إلى قناعة بأنّ الأفق مغلقٌ سياسياً أمام وصوله إلى رئاسة الجمهورية ديموقراطياً:
1 ـ يعلن رئيس "تكتل الإصلاح والتغيير" خصومَته لـ"تيار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري، ولـ"اللقاء الديموقراطي" ورئيسه وليد جنبلاط، ويكاد يقول أن لا مكان لهاتين القوتين بجانبه.
خلافه العميق مع صفير.. والبيئة المسيحية
2 ـ ويفترق العماد عون عن كافة أطراف "البيئة المسيحية". فها هو البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير يؤكد أمس أمام طلاب من الجامعة اليسوعية ليس فقط انّ الاستقلال اللبناني لم يُصبح ناجزاً حتى بعد الانسحاب السوري، خلافاً لما كرّر عون تأكيده خلال الأشهر الماضية من أن "المسألة السورية أصبحت وراءنا"، بل يشدّد ـ البطريرك ـ على أن الاستقلال صنعَه ويصنعُه جناحا لبنان المسيحي والمسلم، وأنّ رئاسة الجمهورية تُقرر بالتفاهم المسيحي ـ الإسلامي لأن رئيس الجمهورية ليس رئيس طائفة بل هو رئيس كل لبنان. وذهبَ البطريرك الى توضيح البيان الأخير للمطارنة الموارنة، فربط بين دعوة البيان إلى احترام الدستور وبينَ موقف المطارنة الموارنة ضدّ تعديل الدستور والتمديد، كما ربط بين الكلام عن احترام الدستور وبين المطالبة باحترامه من قبل الجميع بمن فيهم شاغل موقع الرئاسة. وأكد أيضاً أن بيان المطارنة لا يدعو لحود إلى البقاء في منصبه.. والأهم أنّ صفير الذي ذكّر على نحو غير مسبوق بأن ثمّة من لم يكن مع الطائف عند اقراره (عون كان الوحيد الذي عارض الطائف بالقوة)، أعاد الاعتبار لمفهوم الشراكة الوطنية.
ومع ان ثمة "تهدئة" على خط العلاقة بين "التيار" و"القوات"، فإن الاختلاف في مقاربة موضوع الرئاسة بين عون وسمير جعجع واضح، حيث يكرر جعجع المطالبة بإنهاء المرحلة الانتقالية ويلفتُ إلى أن بقاء لحود في الرئاسة عامل تعويق للتغيير. وإذا كان رئيس "القوات" دعا في مرحلة من المراحل الى اجتماع مسيحي ينطلق منه الموقف من رئاسة الجمهورية والرئيس، الأمر الذي رفضه عون بدعوى أنّه "الممثل الشرعي للمسيحيين"، فإن جعجع وافق على الانفتاح باتجاه لقاء وطنيّ عام.
أما سائر الشخصيات المسيحية الأخرى، ذات الموقعية في بيئتها، فقد أبدت غير مرّة قناعتها بأن موضوع الرئاسة يخضعُ لـ"الشراكة الوطنية".
3 ـ وإلى جانب إعلان خصومته مع "المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي"، وافتراقه عن فرقاء البيئة المسيحية كافة، لا تبدو علاقات عون بـ"الشيعيّة السياسية" على قدر من "المنطق". فثمّة ما يشبه "الهدنة" مع حركة "أمل" والرئيس نبيه برّي، وثمّة ما يشبه "الغزل" مع "حزب الله"، بسببه ـ أي الغزل ـ أسقط عون التزامه بالقرار 1559 "عملياً"، علماً انّه لم يعد من الجائز النظر الى اسقاط عون التزامه بالقرار 1559 إلا بوصفه مسايرة مرحلية لسوريا.
لا وجود لأيّ سيناريو رئاسي يصبّ عند عون
سادساً ـ في ضوء ما تقدّم شرحاً لـ"خارطة" علاقات عون بالاجتماع السياسي اللبناني، يعتبر الوسط السياسي أن العماد عون الذي يعرف جيداً طبيعة هذه العلاقات، أدركَ أنّ بتّ موضوع الرئاسة لصالحه لن يحصل ديموقراطياً. بكلام آخر، وفي ظل الشراكة بين أطراف 14 آذار حيثُ كل طرف من أطرافها يعي أنه لا يستطيع وحده اختيار الرئيس المقبل ويعي أن المطلوب تحقيق أوسع توافق في هذا الخصوص، فإن عون بات على قناعة بأن أي اتفاق بين شركاء 14 آذار لا يصبّ عنده، وبأن أي سيناريو من السيناريوهات الرئاسية لا يقود إلى أن يكون هو الخيار بين الشركاء.
العودة إلى 88
سابعاً ـ وفي تقدير الوسط السياسي ان عون بـ"وضعيته" هذه، وفيما يضع كل قوى المجتمع السياسي تحت مرمى نيرانه، يبدو وكأنه يعود الى نقطة الصفر، أي الى العام 1988، عام اصطدامه بجميع القوى الرئيسية. واللافت انه، وعلى غرار ذلك العام، لا يستطيع ان يدّعي علاقة إلا بقوى وشخصيات هامشيّة سواء طلال أرسلان أو الياس سكاف أو ميشال المرّ أو سليمان فرنجية، وهي علاقة لا يمكنه معها ادعاء القدرة على بناء معادلة سياسية جدية للمرحلة المقبلة، إلا اذا كان يظن سوريا ناخباً رئاسياً أو اذا كان ينتظر دعمها له للرئاسة.
ضعيف داخلياً وضعيف دولياً
ثامناً ـ واللافتُ في هذا الوقت أنّ الجنرال عون وفي بعض الأحاديث الصحافية، يقول إنّه "قويّ لبنانياً لكنّه ضعيف دولياً". وإذا كان ما تقدّم يوضح إلى أيّ حدّ هو ضعيفٌ على الصعيد السياسيّ اللبنانيّ، فالغريب أنّ الجنرال لا يعي أسباب ضعفه الأكيد على الصعيد الدولي.
ففي وقت يتوقّع "العالم الديموقراطي" حصول انتخابات رئاسية ديموقراطية، أي من ضمن آلية ديموقراطية، بحيث تأتي الأكثرية المتنوعة والمختلطة طائفياً وسياسياً بالرئيس المقبل، ينقل عون لبنان من جديد، من منطق "المشاركة السياسية" إلى سياسة "إلغاء الآخر". وبدلاً من أن يعود إلى الانضمام إلى الأكثرية، يدعو إلى إخراج الأكثرية من الحكم.. ولو باللجوء الى الشارع.
ولا يكتفي عون بـ"قلب" الحقائق أمام المجتمع الدوليّ، بل هو يوحي بأنّه يتحالف مع "حزب الله" الذي لم يقُل في المقابل كلمة "نهائية" بشأن العلاقة معه، مكتفياً بالثناء عليه بين الحين والآخر، وبـ"استغلاله" في عدد آخر من الأحيان ليحجز عبره عدداً من الممرات أمام الغالبية. ولعلّ عون يتذكّر هنا أنّ إيحاءه بالتحالف مع "حزب الله" هو أحد أسباب ضعفه دولياً.
لعبة في اتجاهين متكاملين
تاسعاً ـ على أساس كل ما سَبق ذكرُه، يبدو واضحاً أنّ عون يمارسُ "لعبة" في اتجاهين متكاملين: الأول استمرار دعم بقاء لحود في بعبدا طالما أن "الريح" ليست باتجاه عون، وبالتالي محاولة الاستمرار في تعطيل حصول انتخابات رئاسية، والثاني هوَ اللجوء إلى الشارع عبر التلطّي وراء مسائل اجتماعية لكن هروباً من تصحيح الأداء السياسي... ودائماً بالاستناد الى التنسيق مع دمشق الذي لا يعود انتقاد خطاب الأسد يعني شيئاً في هذه الحال.
وفي رأي الوسط السياسي انّ اعلان عون لموقف "جزئي" من خطاب الأسد، والذي اقترن من قبله بـ"حمد الله" على عدم وجود أيّ اتهام للحود في التحقيق الدولي، وذلك في معرض اعتداده بقدرته على لقاء لحود علناً وليس سراً... إن كلّ ذلك لا يزال يعني أن الجنرال يدفعُ فواتير إلى دمشق ولو لبس "ثوباً اجتماعياً"، ويعني انّ عون لا يزال على حاله من التموضع سورياً.
عاشراً ـ ويختم الوسط السياسي بإبداء الاقتناع أنّ عون كما كان هدفه بين العامين 1988 و1990 هو الاستيلاء على بعبدا، فإن هدفَه في الـ2005 هو الاستيلاء على بعبدا أيضاً. وفي "المناسبة"، يذكّر الوسط السياسي عون، عاشق الاستطلاعات حتّى لو لم تعطِه أكثر من 26 في المئة، بأن الاستطلاعات أحلّت الرئيس فؤاد السنيورة في المرتبة الأولى بين السياسيين، لا بل تبيّن أنه الأول في الوسط المسيحي. ويسأل: لماذا يتمسّك الجنرال بالاستطلاعات عندما يعتبرها لمصلحته ويرفضها في حالات أخرى، وكيف يكون الطرف الأكثر تمثيلاً للمسيحيين ولا يعكسُ رأي البيئة المسيحية؟. والأهمّ في نظر الوسط السياسيّ هو أنّ الجنرال عاد جنرالاً، فلم يتعدّل قاموسه ولم يطعّم بـ"قليل من الديموقراطية"... لا بل انّه باق على أدائه الذي لا يحسم بموقف لا من سوريا خاصة انه جزء من خطتها في لبنان، ولا من رئيس الجمهورية الذي هو أحد أدوات الخطة السورية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.