لم يكن خطاب الرئيس السوري بشار الأسد في جامعة دمشق مفاجئاً لمعظم الوسط السياسي اللبناني في مندرجاته كافة، لا سيما حيال ما يتعلق بالوضع اللبناني. ذلك أنه إذ يعلن المواجهة مع المجتمع الدولي، فهو يعلن الحرب على لبنان السياسي بتوازناته الناشئة بعد الانسحاب السوري الرسمي في نهاية نيسان الماضي.
كلام التعاون مع التحقيق غير ذي قيمة
أولاً ـ ليس خافياً أن إعلان الأسد الاستعداد للتعاون مع التحقيق الدولي ليس ذا قيمة منظوراً اليه في السياق الإجمالي للخطاب. فالرئيس السوري يؤكد سلفاً ان سوريا نظاماً وأفراداً بريئة من جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، منقلباً بذلك على مقابلته الى محطة "سي.ان.ان" الأميركية التي سبقت نشر تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس في 21 تشرين الأول الماضي، حيث "احتمل" يومئذٍ أن يكون ثمة سوريون قد تورطوا في الجريمة، وأن هؤلاء لو تأكد تورطهم سيعاقبون بوصفهم خونة.
والمسألة المفتاحية في خطاب الأسد على هذا الصعيد، هي أنه يعتبر التحقيق الدولي معبَراً دولياً نحو معاقبة النظام السوري وتغييره، ولذلك قال "مهما فعلنا سيقولون إننا لا نتعاون مع التحقيق". بيد أن الأهم في خلفية عدم التعاون مع التحقيق جوهرياً، هو من وجهة نظر أوساط سياسية عدة، عدم قدرة الأسد على تسليم الضباط السوريين الستة الى لجنة التحقيق لاستجوابهم، لأنه غير قادر فعلياً على الفصل بين هؤلاء وبين "النظام"، ولأنه يرى ـ محقاً على الأرجح ـ أن تسليم هؤلاء هو بمثابة تسليم لـ"النظام". لذا، فإن الأسد هنا يؤسس لمعركة بقاء "النظام" بأي ثمن وبأي طريقة.
"المقاومة أو الفوضى" = الفوضى
ثانياً ـ وإذا كان موقف الأسد من التحقيق الدولي ومن التعاون معه، محكوماً بأفق خوض معركة الدفاع عن نظامه وبقاء هذا النظام، فإن الخطاب يصوغ معادلة خطيرة تحت عنوان أنّ "المنطقة أمام أحد خيارَي المقاومة أو الفوضى"، موزعاً بذلك تهديداته باتجاه دول المنطقة كافة. فهو إذ يعلن أن "خيار المقاومة" هو الخيار الأفضل، إنما يلوّح في العمق باعتماد "خيار الفوضى"، أي أن الخيارين متلازمان في خطابه، وليسا منفصلين.
وهكذا، فإن اعتبار الأسد أنه في "المربّع الأخير" دفاعاً عن بقاء نظامه، يقوده الى رفض التعاون مع التحقيق أي الى مواجهة القرارات الدولية لا سيما القرار 1636 من جهة والى تهديد المنطقة العربية ككل بالفوضى من جهة ثانية، على طريقة "شمسون": عليّ وعلى أعدائي يا رب!.
جُمل مفتاحية تعلن الحرب على لبنان:
الحقد على "سليلة" الحريري
ثالثاً ـ وفي خطاب الأسد جمل مفتاحية بالنسبة الى "لبنان السياسي":
1 ـ قال الأسد بالفم الملآن إن الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان لم تكن محطة لبنانية بل محطة دولية لنقل لبنان من الالتزام بالعروبة الى التدويل الذي يؤسس لجر البلد الى الفلك الإسرائيلي ـ الأميركي كما زعم. وفي هذا الكلام، إعلان حرب على التوازن السياسي الذي نجم عن الانتخابات، أي على لبنان الجديد ما بعد الانسحاب السوري.
2 ـ وإذ اعتبر أن لبنان في ظل غالبيته النيابية ـ السياسية الجديدة تحول الى ما سماه مصنعاً للتآمر على سوريا، فإن الأسد لم يكتفِ بوضع الغالبية في خانة "الوصاية الأجنبية"، بل اتهم السلطة اللبنانية ممثلة بالحكومة بـ"الإذعان" للمطالب الأميركية، والإسرائيلية استطراداً، حاملاً على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة. ولا يحتاج خطاب الأسد في هذا المجال الى عناء كبير لاكتشاف كمية الحقد على "سليلة" الرئيس الحريري.
فهو حتى في الفقرة الى تناول فيها الرئيس الشهيد لم يكن يحترم حرمة شهادته بل كان يشوّه تاريخه. وعندما تناول وريثه السياسي سعد الحريري وصفه بأنه "عبد مأمور" وقال عن تياره إنه يضم "تجار دم"، أطلق الأسد العنان لغرائزه، وفي خلفية هذا الحقد أن الرئيس الشهيد هو الذي افتتح باعتراضه على ما كان يسمى "الإدارة السورية" مسار التغيير، وأن سعد الحريري بعد استشهاد والده صار ركن الحركة السياسية التغييرية في البلاد.
وفي تقدير أوساط سياسية عديدة أن هذا الكمّ من الحقد على الحريري أباً ونجلاً يشكل بحد ذاته "تحليلاً" لدم آل الحريري، وإن كانت له أبعاد سياسية خطيرة أخرى ستتبين لاحقاً.
3 ـ وفي الخطاب أيضاً "نصيحة" الى الشعب اللبناني بأن لا علاقة مع سوريا طالما استمرت هذه الغالبية حاكمة أو مسيطرة على الحكم. وفي ذلك تحريض سافر يُضم الى التحريض على مكونات الغالبية والحكومة ورئيسها، هو تحريض على الانقلاب ضد الغالبية وضد الحريري.
"المربع الأخير"..
والاغتيالات والفوضى
رابعاً ـ إذاً، إن الرابط واضح بين المقدمات والنتائج. فالأسد الذي يقف في "المربّع الأخير" دفاعاً عن بقاء نظامه، والذي يفتح معركة في وجه "المجتمع الدولي"، والذي يفتح معركة في وجه المنطقة عبر تهديدها بالفوضى، إنما يتصرف على أساس أن لبنان يجب أن يكون "ساحة" المواجهتَين مع المجتمع الدولي والمنطقة العربية ومنطلقها وليس في ذلك أي جديد، إذ لطالما اعتبر النظام السوري لبنان "ورقة" يستخدمها سواء في تسوياته مع المجتمع الدولي أو في مواجهاته معه، ولطالما مارس هذا النظام مواجهاته بـ"اللحم الحي" للآخرين.
خامساً ـ إن الأسد الذي أعلن في خطابه فتح "المواجهة" انطلاقاً من لبنان، والذي أعلن الحرب المفتوحة على الوضع السياسي اللبناني، قد يقدم على أي شيء في لبنان. فالاغتيالات لسياسيين وإعلاميين "أبيحت"، والفوضى كذلك وتحريك فتن داخلية أيضاً.
وما يلفت في هذا المجال أنه فيما يفصل لبنان السياسي الجديد بين القرار 1595 والقرار 1636 ومستتبعاتهما وبين القرار 1559، وفيما ينجح عبر اتصالاته الخارجية في التوصل الى هذا الفصل، يلجأ النظام السوري، وبدعوى أن المجتمع الدولي يدمج هذه القرارات ويريد أن يكون الـ 1595 ممراً الى الـ1559، الى دمجها أيضاً لـ"تكبير" المشكلة من ناحية وتحويل لبنان الى ساحة فوضى من ناحية ثانية وشق الصف اللبناني عبر الإيحاء لأطراف لبنانيين بأنه يدافع عن المقاومة في لبنان من ناحية ثالثة.
سادساً ـ لهذه الاعتبارات والحيثيات جميعاً، يعرب معظم الوسط السياسي اللبناني عن إعتقاده أن خطاب الأسد أول من أمس يحاول أن يطلق دينامية فوضى في لبنان، ويحاول أن يؤسس لانقلاب مضاد على الوضع السياسي وتوازناته، ويسعى الى إغراق البلد في سلسلة من الأحداث والتوترات. وليس ذلك مستبعداً عمّن قال يوماً إما التمديد لإميل لحود وإما الفوضى وهي المقولة التي قادت الى ما قادت اليه، والتي يجري منها اشتقاق معادلة من مثل المقاومة أو الفوضى.
الغالبية النيابية:
الموقف المشترك والاحتشاد
سابعاً ـ لقد "كشّر" الأسد أول من أمس عن "ليثه". هذا "مقلق" بلا شك حيال من ميّز إصطلاحياً بين القلق وبين الخوف. وهذا القلق يستدعي مجموعة من المواقف والخطوات:
أ ـ لا شك أن ردود فعل على ما قاله الأسد صدرت خلال اليومين الماضيين. بيد أنها على أهميتها لا تشكل بديلاً من الموقف المشترك الموحد.
ب ـ كذلك، من الطبيعي أن يعيد الكلام السوري استنفار قوى الغالبية النيابية ـ السياسية بحيث تعيد تظهير التوازن السياسي المعترض عليه سوريا والمعرض لـ"الانقضاض"، وهذا ما يستدعي اجتماعاً لهذه الغالبية وتياراتها يقر رؤية مشتركة ويؤسس لدينامية سياسية مشتركة، يحيي "لقاء البريستول" على سبيل المثال.
مخاطبة طرفَي التمثيل الشيعي
وخطأ الانسحاب من مجلس الوزراء
ج ـ وإذا كان "الاحتشاد" المتجدد من قبل الغالبية هو أحد وسائل تحصينها وتحصنها لإجهاض "حرب الأسد" وجعله يخسرها، فإنه يجب ألا يكون هذا الاستنفار إقفالاً للحوار مع الآخرين. وفي هذا المجال، يرى معظم الوسط السياسي أنه يجب أن يقال للثنائية الشيعية، ولحزب الله تحديداً كلام واضح:
1 ـ إن الانسحاب من جلسة مجلس الوزراء أول من أمس كان خطأ. كان الأمر خطأ لأن من واجب مجلس الوزراء، ومن واجب قوى التمثيل الشيعي فيه، أن يتضامنوا مع رئيس مجلس الوزراء الذي شُتم من قبل الأسد، تأكيداً لكون المؤسسات تحترم نفسها وتأكيداً لكون الحكومة حكومة مشاركة وطنية.
2 ـ إن الانسحاب من جلسة مجلس الوزراء كان خطأ من زاوية عدم الوقوع في خطر "إصطفاف طائفي"، أي بالضبط من زاوية عدم حصول تقابل إسلامي ـ إسلامي، سني ـ شيعي.
3 ـ إن خطاب الأسد الذي وصف الانتخابات النيابية الأخيرة بأنها محطة للتدويل الإسرائيلي كما قال، هو إهانة لكل التحالفات التي حصلت خلال هذه الانتخابات في بيروت والجبل والبقاع والجنوب.
4 ـ إن تهويل الأسد بـ17 أيار جديد يجب ألا ينطلي على أحد. ذلك أن قوى الغالبية النيابية قالت قولاً واضحاً في القرار 1559. والزعيم وليد جنبلاط كان الأكثر وضوحاً، إذ قال إن لا بحث في سلاح المقاومة قبل تحرير مزارع شبعا واستعادة الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية، داعياً الى اعتماد اتفاق الهدنة للعام 1949 رفضاً لأي اتفاقية مع إسرائيل. أما الفرقاء الآخرون في الغالبية فتمسكوا بشعار الحوار وأقصى ما طرحوه هو الاتفاق على خارطة طريق للتعاطي مع الـ1559 بما يقدم ضمانات لحزب الله.
5 ـ إن طرفَي التمثيل الشيعي يحسب لهما حساب في مجلس الوزراء، وهذا ما يتجلى في الحرص على التوافق وعلى عدم اعتماد التصويت الأكثري. وحتى في جلسة مجلس الوزراء أول في أمس، كانت النية واضحة لدى ممثلي تيارات الغالبية النيابية بعدم تناول خطاب الأسد في ما يتجاوز إعلان التضامن مع السنيورة بوصفه رئيس وزراء لبنان، احترامه من احترام لبنان.
تفكيك لغم السلاح الفلسطيني
د ـ إن الموقف الموحد لقوى الغالبية وتياراتها، ينبغي أن يتطرق الى كل الثغر التي يمكن أن ينفذ منها مشروع الفوضى السوري. وفي هذا المجال، وبالإضافة الى تحصين العلاقات الوطنية بالحوار، لا مفر من تفكيك "اللغم الفلسطيني"، أي لغم السلاح الفلسطيني خارج المخيمات بالانطلاق من تفاهم واضح مع السلطة الوطنية الفلسطينية مرحلة أولى.
هـ ـ وإذا كان العماد ميشال عون وتياره يحتاجان الى مزيد من الوقت لـ"دراسة" خطاب الرئيس السوري، فهما حرَّين في أخذ الوقت الذي يريدان، خصوصاً أن في هذا الخطاب ما يثبت عكس ما قاله عون خلال الفترة السابقة عن انتفاء التدخل السوري، فيما يشكل خطاب الأسد ذروة التدخل "التخريبي".
رحيل لحود.. واحتضان المؤسسات الأمنية
و ـ غير أن المسألة الأساس التي لا بد برأي معظم الوسط السياسي، أن تتوج هذه الحركة المطلوبة من الغالبية وقواها، هي مسألة تصحيح وضع رئاسة الجمهورية، في وقت يعطي خطاب الأسد مزيداً من المصداقية للمطالبة برحيل اميل لحود. ذلك أن لحود ليس فقط رمزاً من رموز الحقبة الماضية، ولا رئيساً مفروضاً بالقسر على اللبنانيين، بل هو الآن جزء لا يتجزأ من مشروع الانقلاب السوري على المعادلات اللبنانية.
ز ـ ولا مفر من تأكيد الاحتضان السياسي للمؤسسات الأمنية قيد التعزيز والبناء وإعادة البناء، خصوصاً في هذه "المرحلة الأمنية" الدقيقة، حيث "يكاد المريب أن يقول خذوني"، أي في لحظة إعلان لبنان ساحة مفتوحة من قبل "سوريا الأسد". وكل ذلك من أجل أن يخسر الأسد رهانه على الحرب ضد لبنان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.