8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لحود يلعب "الحظ" مع تحقيقات ميليس ومصلحته الرحيل قبل 15 كانون الأول

في وقت يتمسك رئيس الجمهورية إميل لحود بالبقاء في بعبدا، ثمة تطورات بارزة على صعيد الموقف الدولي منه، تؤكد ان عزلته الخارجية باتت على قدر كبير من الإحكام.
أولاً ـ ينطلق الموقف الدولي، الغربي بالدرجة الأولى، من نقطة أساسية هي أن التمديد للحود في مطلع أيلول 2004 تم خلافاً للقرار 1559، وشكل تحدياً لإرادة المجتمع الدولي، فضلاً عن كونه في الأصل مخالفاً لإرادة اللبنانيين والدستور اللبناني، أي أن لحود غدا منذ بداية التمديد خارج اعتراف الشرعية الدولية بشرعيته.
العزلة في نيويورك والتغييب في برشلونة
ثانياً ـ وإذ يعتبر المجتمع الدولي ان لحود يفتقد إلى الشرعيتين الداخلية بسبب التمديد بالإكراه ضد إرادة اللبنانيين ودستورهم والخارجية على قاعدة القرار 1559، فإن التعامل معه سلبياً تطور منذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري خصوصاً وبعد الانسحاب السوري من لبنان بموجب القرار 1559 عموماً، وقد تجلى ذلك في ما حصل في نيويورك حيث سُحبت الدعوة الأميركية منه إلى اللقاء بين الرئيس الأميركي جورج بوش ورؤساء الدول المشاركين في الجمعية العامة للأمم المتحدة. كما تجلى في عدم توجيه الدعوة إليه إلى القمة الأوروبية ـ المتوسطية التي تعقد في برشلونة قريباً. وهذا كله للتعبير عن الاستياء الدولي من وجوده على رأس الجمهورية اللبنانية.
الحضور في العرض العسكري والغياب عن بعبدا
ثالثاً ـ ويتجه المجتمع الدولي عبر بعثاته الديبلوماسية في بيروت إلى مقاطعة حفل الاستقبال الذي يقيمه لحود في بعبدا في عيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني الجاري، على مستوى رؤساء البعثات.
وتفيد المعلومات انه في الوقت الذي يخضع هذا الإجراء ـ مقاطعة حفل الاستقبال ـ لمناقشة ودراسة بين مختلف البعثات وسفرائها، لا سيما على الصعيد الأوروبي، فإنه بات في حكم المؤكد أن سفراء الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لن يحضروا الاستقبال، وإن كان بعض السفراء ومن منطلق شرعة العلاقة من دولة إلى دولة يفكّر في انتداب ممثلين عنه. هذا في حين أن ثمة قراراً لدى البعثات والممثليات الديبلوماسية بحضور العرض العسكري في يوم الاستقلال، في خطوة تمييز واضحة بين العرض والقصر وبين الجيش والقصر أيضاً.
وتعتبرُ المصادر الديبلوماسية الغربية التي تؤكد هذه المعطيات جميعاً، أن هذه المواقف والخطوات حيال لحود، هي لـ"إفهامه" بأن عليه مغادرة قصر بعبدا. ومن وجهة نظر هذه المصادر أن مغادرة لحود قصر بعبدا تحتمها اعتبارات عدة، فإن لم تكن بسبب القرار 1559 فبسبب الإساءة إلى مقام رئاسة الجمهورية، حيث أدى الانحدار على مستوى هذا الموقع إلى تهديد مبدأ الشراكة الذي يقوم عليه الميثاق والدستور اللبنانيان.
لا ضمانات دولية مقابل الاستقالة...
و"لعبة الحظ" مع 1600 مكالمة هاتفية
وتضيفُ المصادر نفسُها أن "العصر اللبناني" الراهن لا يستقيم مع بقاء لحود في موقعه، لا سيما أنه يرمزُ إلى حقبة سياسية سابقة، وان المرحلة الراهنة ـ المقبلة تقتضي ديناميات سياسية جديدة. لكنها ـ أي المصادر ـ التي تشدد على المقتضيات السياسية والدستورية لرحيل لحود، ترى أن رئيس الجمهورية الممدَّد له قسراً يخطئ إذ يربط بقاءَه بأحد أمرين: إما "التفاوض" على ضمانات لما بعد المغادرة، وإما بنتائج التحقيق الجنائي الدولي.
وتلفتُ في هذا الإطار إلى أن لدى رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس ألفاً وستمائة تسجيل لمكالمات هاتفية، وأن هذه التسجيلات "قد" يكون فيها تسجيلات لمكالمات أجراها لحود أو لمكالمات تمت بالنيابة عنه أو أخرى تأتي على ذكره، كما "قد" لا تكون فيها أي تسجيلات تعنيه. لكن لحود في انتظاره نتائج التحقيق الجنائي الدولي كمن يلعب "لعبة الحظ" أو "اللوتو" فماذا سيكون عليه موقفهُ "لو" تضمنت التسجيلات ما يؤشر إلى مسؤولية "ما" له في جريمة اغتيال الرئيس الحريري؟
وفي تقديرها أنه يجب أن يستقيل أصلاً للاعتبارات السياسية المحلية والدولية وللحيثيات الدستورية، لكنه لا "يكتفي" بعدم الاستقالة ويلعب "لعبة الحظ" حيال التحقيق الدولي. أما حديثُ الضمانات، فهو من وجهة نظر المصادر الديبلوماسية الآنفة، "وهم" لأن أحداً لا يمكنُه إعطاءه ضمانات فيما التحقيق قائم وفيما احتمال علاقته بشكل ما بالجريمة لا يُمكن إلغاؤه.
لذلك، تُعرب المصادر نفسها عن اعتقادها أن على لحود الرحيل وفي فترة أقصاها 15 كانون الأول المقبل، وإلا سيُصبح وضعُه أكثر حراجة وصعوبة، فضلاً عن الأذى الذي يُلحقه برئاسة الجمهورية، وبدور هذا الموقع الدستوري في الشراكة اللبنانية.
غير أنها تضيف أن هذه التطورات سواء تلك الحاصلة على مستوى الموقف الدولي من لحود أو تلك المحتملة على صعيد التحقيق الدولي، على أهميتها الشديدة، يُستحسن أن تترافق مع حركة داخلية "تقنع" إميل لحود بمغادرة بعبدا، علماً أن البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير والوسط السياسي والمسيحي معنيان بالدرجة الأولى بالقول له "كفى"، لقد بات بقاؤك خسارة صافية للمسيحيين وللموقع الدستوري الذي يمثلهم وللبنان كله في آن معاً.
دمشق و"الصمود" شهرين:
الرهان على متغيرات أميركية وفرنسية
يتزامن هذا الاعتقاد الديبلوماسي الغربي أن على لحود الرحيل في مهلة أقصاها 15 كانون الأول، مع معلومات عن التوجهات السورية في هذه الفترة "تسربت" إلى الوسط السياسي اللبناني وتقوم على الآتي:
1 ـ تعميم شعار "الصمود" لمدة شهرين لأن ثمة متغيرات أساسية ستحصل خلال هذه المدة، وتشمل الدعوة إلى "الصمود" لحود نفسه.
2 ـ ثمة رهان لدى النظام في دمشق على متغيرات أميركية اساسها أزمة تدني شعبية الرئيس الأميركي جورج بوش والمشاكل داخل الادارة وأزمة العملية السياسية المرعيّة أميركياً في العراق، كما ثمة رهان على الانشغال الفرنسي في المشاكل الداخلية بعد التطورات التي حصلت في الضواحي الباريسية، الأمر الذي يدفع النظام السوري إلى المراهنة على تأزم سياسي كبير قد يؤدي إلى اطاحة الحكومة الفرنسية وحصول شلل سياسي، خصوصاً انه لم يبق للرئيس جاك شيراك في الأليزيه سوى سنة ونصف السنة. والرهان السوري قائم أيضاً على دعم ايران لدمشق، انطلاقاً من ضم الملفين السوري والايراني إلى بعضهما.
3 ـ وشعار "الصمود" المرفوع، ينطوي على محاولة كسب الوقت خلال المهلة المحددة للصمود، على أن يتم الانتقال إلى "المواجهة" في فترة لاحقة. ويتزامن "الصمود" مع استنهاض متجدد للحلفاء في لبنان، حيث تندرج زيارتا عمر كرامي وسليمان فرنجية إلى دمشق في إطار هذا الاستنهاض. كما يندرج تحرك بعض الرموز السورية في إطاره ايضاً... مع وعد بأن الحال في لبنان لن يبقى على ما هو عليه، وأن "المتغيرات الآتية" ستكون لمصلحة النظام السوري وحلفائه.
مماطلة سورية ام "حركة تصحيحية" ما؟
على هذه الخلفية المبنية على المعلومات الآنفة تحت عنوان "الصمود" أي كسب الوقت، لا تُسقط أوساط سياسية لبنانية والمصادر الديبلوماسية احتمال المماطلة من قِبل النظام السوري لتقطيع الوقت الذي يعتبره أساسياً قبل حصول "الانقلاب" المنتظر(!) في المعطيات الخارجية ـ الدولية.
بيد ان الاوساط والمصادر لا تستبعد مع ذلك حتى لو كانت احتمالات التشدد السوري لا تزال راجحة الى اللحظة الحالية، ان يكون تعميم دمشق لشعار الصمود لهدف "التغطية" على "حركة تصحيحية" ما يقدم عليها الرئيس بشار الاسد للفصل بينه وبين الضباط الستة، اي فصل هؤلاء عن "النظام" لانقاذ هذا النظام. وهذا ما سوف يتضح في خطاب الأسد مساء اليوم.
وفي هذه الحالة اذا صحّت، يمكن افتراض ان تكون اللجنة القضائية السورية "الاطار القانوني" للحركة التصحيحية، علماً ان الاوساط والمصادر نفسها تنقل عن ديبلوماسيين عرب ان الاسد وعد بذلك عدداً من "الوسطاء العرب" مؤخراً.
طلب المحكمة الدولية الآن أفضل
من هنا، وفي ضوء سياسة "كسب الوقت" نحو "المواجهة" تعتبر الأوساط والمصادر أن "السباق" سيكون قائماً لا بل مفروضاً بين دينامية لبنانية مدعومة عربياً ودولياً لتحصين الوضع اللبناني وتطوير مناعته وبين "نية" سورية تنطوي على تقطيع الوقت وعلى استخدام لبنان لـ"المواجهة" أي لزعزعة استقراره. ولذلك، يبدو انه مهمّ جداً أن "يحتمي" لبنان منذ الآن بطلب إلى الأمم المتحدة لتشكيل محكمة دولية لمحاكمة المشتبه بهم في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، أي ان تتخذ الحكومة هذا الموقف بالتوافق إذا أمكن او بالتصويت إذا اقتضى الأمر، كي لا يصبح استصدار هذا الطلب أكثر صعوبة في المرحلة المقبلة خاصة اذا تأكدت النوايا السورية "المبيّتة". وهذا أكثر إمكاناً اليوم في ظل "مفعول" القرار 1636 المتخذ بإجماع مجلس الأمن الدولي.
وبكلام آخر، وفيما يبدو الموقف السوري مفتوحاً باتجاه عدم التعاون الفعلي مع التحقيق الدولي، وفقاً للمعلومات المعروضة، تختم الأوساط اللبنانية والمصادر الغربية أن الفترة الفاصلة عن 15 كانون الأول المقبل، لا بد أن تشهد تزامناَ بين ديناميتين لبنانية ودولية تصدّان ما يمكن أن تقدم عليه سوريا... أي أن تشهد حراكاً لبنانياً لا يبقى معه الوضع السياسي في حال من المراوحة والجمود.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00