يسودُ في معظم الوسط السياسي اللبناني اعتقادٌ أن الولاية الممدّدة للرئيس إميل لحود على مشارف نهايتها. ذلك أنه وبغضّ النظر عن طريقة تعاطيه هو نفسه والتي يُظهر فيها قدراً من المعاندة والإصرار على عدم مغادرة الموقع، سيواجه، وبأسرع مما يظنه، تحدّي القدرة على مواجهة التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفي هذا التحقيق حتى في "حدوده" الراهنة ما يحمّله مسؤولية أخلاقية وسياسية في الجريمة، ويُتوقع ـ منطقياً ـ أن يحاول التحقيق في مرحلته التالية استجلاء دوره بصورة مركّزة لا سيما بعد الإشارة في التقرير الأخير لديتليف ميليس الى الاتصالات التي تمّت سواء معه مباشرةً أو على أرقامه الهاتفية. وهذا ما يعني بالنسبة الى معظم الوسط السياسي أن الرئيس سيجدُ نفسه مضطراً ـ وربما بعدَ 15 كانون الأول المقبل ـ الى أن يأخذ في الاعتبار حقيقة كونِه محاصراً أكثر فأكثر بشبهة العلاقة بالجريمة أو بتهمة التورّط فيها بصيغةٍ ما.
مغادرة لحود بعبدا "سلعة"
غير قابلة للبيع
ولدى الانتقال من هذا الاعتقاد، أي من هذا التقدير عملياً، يلفتُ معظم الوسط السياسي الى الاستنتاجات الرئيسية الآتية:
أولاً ـ إذا كان لحود نفسه أو آخرون، يظنّون حتى الآن أن لمغادرة قصر بعبدا سعرها الذي ينبغي دفعه مقدّماً، فسيكتشف لحود وهؤلاء بسرعة أن ما هو اليوم بفلوس فهو غداً ببلاش، أي أن مغادرة لحود للقصر الجمهوري ليست قابلةً للبيع في وقت ليس هناك من هو مستعدّ لدفع السعر، فلا هي قابلةٌ للمقايضة بـ"ضمانات" للحود فيما التحقيق مستمرّ الى النهاية، ولا هي قابلةٌ لـ"الابتزاز السياسي" من مثل "لا أغادر إلاّ لمصلحة فلان".
ثانياً ـ وفي ضوء هذه المقدمة، يعربُ معظم الوسط السياسي عن اقتناعه بأن وصول أمر رئيس الجمهورية الى هذا الحد، بات يُحتّم النظر الى التحقيق الدولي بوصفه "المفتاح" الفعلي لنهاية حقبة سياسية في لبنان، هي حقبة الوصاية السورية ونظامها الأمني، على قاعدة أن كشف الحقيقة كاملة في ما يتعلق بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، هو الذي سيخلخل مسألة بقاء لحود في الرئاسة، وسيؤدي الى إزالة بقايا تلك الحقبة ولحود في المقدمة من ناحية وسيؤدي الى افتتاح مرحلة تاريخية جديدة في لبنان من ناحية أخرى.
الجمهورية الثالثة بدأت وقيد الاستكمال
ثالثاً ـ وعلى هذا الأساس، يدعو معظم الوسط السياسي إلى التفكير منذ الآن بـ"حقيقة" أن "الجمهورية الثالثة" هي قيد الاستكمال والترسيخ في لبنان، لا بل هي بدأت فعلاً. وينبغي، أخذاً لهذه "الحقيقة" في الاعتبار، التذكير بأن "الجمهورية الثانية" كانت جمهورية الوصاية التي تعطّل فيها اتفاق الطائف وآليات تنفيذه، في حين أن "الجمهورية الثالثة" لا بد أن تكون جمهورية الانطلاق من اتفاق الطائف لتطبيقه.
إن هذا الاعتقاد السائد لدى معظم الوسط السياسي حول واقع لحود ومآله، يهدف الى تسليط الضوء على مجموعة من المواصفات التي يجب أن يتمتّع بها الرئيس المقبل، كما يهدف الى النقاش المعمّق لهذه المواصفات.
أولى المواصفات: مساهمٌ في الاستقلال ومؤمن بالطائف
1 ـ إنطلاقاً من الوصف الذي أطلقه البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير للرئيس المقبل بأنه "الذي لا يخجل مستقبله مِن ماضيه"، مِن الطبيعي أن يكون الرئيس الماروني المقبل مِن الذين كان لهم إسهام في مقدّمات انتفاضة الاستقلال كما في مجرياتها، ومِن الذين واصلوا بعد الانتفاضة التشديد على ضرورة استكمالها برؤية متكاملة الى المرحلة المقبلة وبإعادة تشكيل السلطة.
2 ـ ومن الطبيعي أيضاً أن يكون الرئيس المقبل مِن المؤمنين بقوّة باتفاق الطائف، وبالدستور المبنيّ على وثيقة الوفاق الوطني، ومِن الملتزمين بوضعه موضع التنفيذ، انطلاقاً مِن صلاحيّاته المحدّدة في هذا الدستور.
الترجمة غير الفيدرالية للطائف
3 ـ ومِن الطبيعي كذلك أن يكون الرئيس المقبل مؤمناً بقوّة بالعيش المشترك المسيحي ـ الإسلامي. وفي هذا المجال تلفتُ أوساطٌ سياسية عدّة الى أن الطائف قابلٌ لأن "يُترجَم" من قِبل البعض بأشكال مختلفة، وقد تُرجم في السنوات الست عشرة الماضية بصيغ مختلفة. فاتفاق الطائف يمكن "الجور" على مضمونه والسير فيه فيدرالياً، وتحويل مفهوم الشراكة أو المشاركة الى صيغة فيدرالية، كما يمكن أخذه في الاتجاه الصحيح لتأسيس ديناميات "وحدة وطنية". ولذلك فإن القول أن الرئيس المقبل لا بد أن يكون مؤمناً بقوة باتفاق الطائف يجب أن يقترن بالقول أنه يجب أن يكون مؤمناً بقوة بالعيش المشترك، أي أن يكون رئيساً دستورياً وميثاقياً في آن.
تجديد العلاقات العربية والانفتاح دولياً
4 ـ ومِن المنطقي ليس فقط أن يكون الرئيس المقبل مؤمناً بهوية لبنان العربية، بل "مقبولاً" في الدائرة العربية وذا حضور أو قدرة على الحضور فيها، أي أن يكون قادراً على تجديد علاقات لبنان العربية، وهي العلاقات التي جرت محاولات منهجية لتدميرها في مرحلة الوصاية لمصلحة علاقة وحيدة بسوريا، أو لمصلحة الممرّ السوري الإلزامي لكل علاقة عربية، وأنْ يكون قادراً على إدارة العلاقات العربية للبنان تأكيداً لدور البلد في المساهمة بصياغة مشروع عربي متجدّد في الظروف الراهنة ـ المقبلة.
5 ـ ومِن المنطقي والطبيعي أخيراً أن يكون الرئيس المقبل ذا قدرة على الانفتاح على الوضع الدولي والتعاطي معه ليس على أساس انتظار ما يقرّره المجتمع الدولي بل على أساس المبادرة الى تقديم صِيغ للتعاون تأخذ في الاعتبار المصالح اللبنانية وأهمية أن يكون للبنان موقعه في "النظام الدولي".
فارس سعيد: دور لبنان ودور الرئيس الماروني
وإلى هذه المواصفات "العامة" المهمة، أضاف النائب السابق فارس سعيد قبلَ أيام حيثيّة جديدة. فقد لاحظ سعيد أن ثمّة "صراعاً" بين العالم العربي والإسلامي من ناحية والغرب من ناحية أخرى، ولاحظَ أن الرئيس اللبناني هو الرئيس المسيحي الوحيد في المنطقة العربية والإسلامية، ودعا المسيحيين الى أن يقدّموا "أفضل ما عندهم" الى موقع الرئاسة اللبنانية.
جاءَ كلام سعيد في تصريح بعد لقائه البطريرك، ولذلك فلم يأتِ ما اقترحه موسّعاً. بيدَ أن النقطة التي "يبدو" أنه يشدّد عليها هي أن للبنان ككلّ دوراً في محيطه العربي والإسلامي، وأن بعضاً من دورِه يندرج في إطار "حوار الحضارات" لجهة تأمين جسر بين العالم العربي والإسلامي وبين الغرب، وإن الرئيس الماروني للبنان مطالبٌ ليس فقط بوعي أهمية هذا الدور، بل بامتلاك "الكفاءة" اللازمة لإدارته.
و"لعلّ" في كلام سعيد الذي لاقى استحساناً في أوساط عدة، ما يشير أكثر من ذلك الى محاولة رسم دور لـ"مسيحيي الشرق"، وهي مسألةٌ بالغة الأهمية، كما "لعلّ" في كلامه إشارةً الى أن الرئيس المسيحي الماروني المقبل يجب كي يكون في وسعه "التصدّي" لهذا الدور أن يكون مدركاً للتطوّرات التي حصلت في المنطقة خلال السنوات الماضية وبروز "العامل الإسلامي"، وأن يكون مقدّراً لأهمية العلاقة المسيحية ـ الإسلامية في لبنان، ولأهمية الإسلام السياسي اللبناني المعتدل، مما إذا أضيف الى المواصفات السابقة يجعل من الرئيس المقبل للجمهورية رمزاً لدور لبنان، أي الدور الذي تؤكّد التجربة التاريخية أن تحديده بدقّة يشكّل إحدى الضمانات الرئيسية للبنان.
عون: أنا أمثّل الأكثرية المسيحية إذاً أنا الرئيس
على أي حال، وبعدَ أن اعتبر معظم الوسط السياسي أن البلاد في صدد "الجمهورية الثالثة" وأن مواصفات الرئيس المقبل لا بد أن تكون جامعة، ينتقل الى البحث في آلية اختيار هذا الرئيس. وفي هذا الإطار يُسجّل الآتي:
أ ـ لم يعُد خافياً أن رئيس "حزب التيّار الوطني الحرّ" النائب العماد ميشال عون الذي أعلن ترشيحه الى رئاسة الجمهورية، يؤكد أنه يمثّل 70 في المئة من المسيحيين، ولأنه يمثّل هذه النسبة فإن مِن حقّه أن يكون هو رئيساً للجمهورية. ويضيف: بما أن الطوائف تختار من يكون ممثلاً عنها في النظام السياسي، وقد قام الشيعةُ بذلك بالنسبة الى رئاسة المجلس النيابي، فإن على الموارنة أن يسمّوه لموقع الرئاسة.
وغنيٌّ عن القول، وبالعلاقة مع ما تمّ ذكره آنفاً، أن العماد عون يُبدي ميلاً الى تطبيق فيدرالي للطائف، بمعنى أن تختار كل طائفة مَن يمثّلها. هذا في "النظريّ". أما في "العمليّ"، فقد خسرَ عون سياسياً: فأنْ يعلن أنه مرشّح وأنه الرئيس الوحيد أدّى الى إقفال دارتِه سياسياً، ومَن يتابع حركة الزيارات إلى الرابية، يلاحظ أن أي مرشح الى رئاسة الجمهورية لا يزوره، كما يلاحظ أن أي تفاعل بينه وبين القوى والتيارات الأخرى غير قائم في "العمق". وحتى في الدائرة المسيحية فإن عون قال كلمته ومضى، بحيثُ وضع حاجزاً بينه وبين الشخصيات والتيارات المسيحية. والمؤسف أنه بدلاً من أن تكون الرابية مزاراً سياسياً، فقد اقتصر الحضور فيها على رموز مِن الحقبة السورية يسيئون إليه بدعمهم ترشيحه للرئاسة، سواء كان الداعم سليمان فرنجية أو طلال أرسلان أو فيصل الداود أو وئام وهّاب..
جعجع: محطّتان لإنتاج الرئيس، مسيحية ثمّ عامّة
ب ـ في هذه الأثناء، لجأ رئيس الهيئة التنفيذية لحزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الى مسار آخر. فهو إذ دعا الى اجتماع مسيحي "شامل" برعاية بكركي، استمر على موقفه من وجود "محطّة مسيحية" لتوليد الرئيس المقبل بعدَ أن رفض عون الاجتماع الموسّع في بكركي لأنه الوحيد المؤهّل للرئاسة. وهذا ما أكّد عليه اجتماع جعجع مع الرئيس أمين الجميّل الذي تحدّث عن مرحلتين: لقاء مسيحي أولاً ثمّ لقاء عام ثانياً.
وإذا كان الفارق الجوهري "العمليّ" بين جعجع وعون، هو أن دارة الأول تحوّلت الى مركز سياسي، أي الى مركز استقطاب بما في ذلك لمرشّحين رئاسيين، بينما سُدّت أبواب دارة الثاني، فإن الفارق الآخر هو أن جعجع "يحاول" أن يكون "الزعيم المسيحي" الآخر، وأن يكون صاحب الموقع "المميّز" في نظام الجمهورية الثالثة. أمّا الفارق الثالث فهو أن جعجع يقيم علاقات سواء مع "التعدّد المسيحي" أو مع "تيّار المستقبل" أو مع "الحزب التقدّمي الاشتراكي".
بيدَ أن فرص نجاح "المحطّة المسيحية" إذ "تبدو" قليلة، وبالنظر الى مواصفات الرئيس المقبل للجمهورية الثالثة، ستبدو الآلية المقترحة من جعجع بعدَ قليل "غير عمليّة".
الأنسب
ج ـ وإذ تلفتُ أوساطٌ متابعة الى أن لا رغبةَ لدى البطريرك في اجتماع مسيحي، هو إشكاليّ أصلاً، فإن الآلية "الأنسب" تبدو قائمة على فكرة تعميم المشاورات وتعدّد اللقاءات "المختلطة".. مع الحرص على أن يكون اختيارُ الرئيس المقبل خطوةً ثانية بعدَ تكوين رؤية الى المواصفات الرئاسية التي لها علاقة مباشرة بالمرحلة التالية في لحظة الانتقال الى الجمهورية الثالثة. وبكلام آخر، إن المسألة "مندمجة" بين الرؤية والمواصفات والتسمية، والمشاورات لا بدّ أن تتطرّق الى المسألة مندمجةً بهذا المعنى.
ولا يخفى هنا، أن الرؤية التي تشكّل مسألة رئيسية لا بدّ أن تكون موضَع تحاور لا يستثني أياً من القوى الرئيسية في البلد، بحيث يكون الجميع عند تخلخل "المسمار" في بعبدا، في وضعيّة الاستعداد والجهوزيّة التامّين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.