في لقاء خارج لبنان جمعه بلبنانيين أوفياء للقضية الفلسطينية وعاملين على الاستفادة من دروس التجربة اللبنانية بكافة مراحلها، لخّص الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) نظرته إلى الوضع الفلسطيني في لبنان بالنقاط الرئيسية الآتية:
أولاً ـ انطلاقاً من الرغبة في تأكيد المصالحة اللبنانية ـ الفلسطينية التي جرت مساعٍ عديدة لتحقيقها وترسيخها في السنوات الماضية، ثمة حرص لدى القيادة الفلسطينية على ألا يستعيد الفلسطينيون في لبنان أياً من "صور" المرحلة السابقة، لا سيما قبل العام 1982، وتحديداً "صورة" الظهور المسلح الذي ولظروف واعتبارات معروفة كان عاملاً رئيسياً من عوامل أزمة العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية، وواحداً من أسباب الحرب في لبنان.
ثانياً ـ وفي ضوء هذا الحرص الكبير على طي صفحة الماضي ـ في ظروف موضوعية تسمح بذلك ـ وعلى عدم التذكير بتلك المرحلة، يعتبر الرئيس أبو مازن أن لا وظيفة سياسية للسلاح الفلسطيني سواء خارج المخيّمات أو داخلها.
أكثر من ذلك يُنقل عن أبو مازن قوله مخاطباً اللبنانيين: ان السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات لا يراعي المصلحة الوطنيّة اللبنانية ولا ينسجم معها، والسلاح داخل المخيّمات لا يصبّ في مصلحة المرجعيّة الفلسطينية وتوجّهاتها، أي السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينيّة.
السلاح لا يشكّل ضمانة لحق العودة
ثالثاً ـ لا يشكّل السلاح داخل المخيّمات ضمانة في معركة حقّ العودة، وهو العنوان الذي تلتزمه القيادة الفلسطينية في إطار العملية السياسية التي تسندها إلى مرجعية القرارات الدولية لا سيما القرار 194 للأمم المتحدة. والاعتقاد ان سلاح المخيمات في لبنان يوفر للاجئين ظرفاً أفضل لتحقيق العودة، هو اعتقاد واهم، فضلاً عن كونه يؤدي إلى تقسيم معركة الفلسطينيين في هذا المجال، بين داخل وشتات.
رابعاً ـ ويرفض أبو مازن إقامة أي رابط بين السلاح داخل المخيّمات وبين الحقوق المدنية للكتلة الفلسطينية، أي أنّه لا يرى ان تحصيل الحقوق المدنية والاجتماعية يمرّ عبر الاحتفاظ بالسلاح.
الحوار لإنتاج علاقة سياسية
ومرجعية للكتلة الفلسطينية
خامساً ـ ويتطلع الرئيس الفلسطيني إلى حوار فلسطيني ـ لبناني، بين السلطة الفلسطينية والحكومة اللبنانية، ذي طبيعة شاملة، يُفضي إلى إرساء علاقة سياسية متكاملة بين الجانبين، بحيث ينشأ تمثيل سياسي ـ ديبلوماسي لفلسطين في لبنان، على مستوى سفارة، ويكون هذا التمثيل مرجعية للفلسطينيين في لبنان، الذين يشكّلون في هذه الحالة رعايا دولة شقيقة للبنان، ينحكمون إلى القانون اللبناني. ويتم الاتفاق على كل المتفرعات المتعلقة بالكتلة الفلسطينية في لبنان.
سادساً ـ ويعتبر محمود عباس ان هذه المنهجية لا تريح لبنان وحكومته فقط، بل تؤسس لتحسّن وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أيضاً.
سابعاً ـ ولا يخفى ان القيادة الفلسطينية في ما تذكره آنفاً، انما تنطلق من قناعة بأن لبنان أمام فرصة تاريخية لـ"استئناف" مشروع الدولة وبناء الدولة وبأن الفلسطينيين هم أيضاً أمام مشروع دولة فلسطينية يناضلون لتأسيسها ليكون لها مكان على الخارطة.
ومن الواضح مما تقدم منقولاً عن أبو مازن، ان ما يطرحه يمثل مبادئ عامة للتعاطي مع الوضع الفلسطيني في لبنان، أي انه لا يطرح مثلاً سحب سلاح المخيّمات فوراً الآن، لكنه في المقابل يرى أن لا أفق له منذ الآن، وان العلاقة الفلسطينية ـ اللبنانية هي التي تحمي اللاجئين الفلسطينيين أي رعايا الدولة الفلسطينية العتيدة... وهو لا يريد في مدى أبعد الاحتفاظ بالسلاح، خاصةً إذا كان أفق العلاقة بلبنان أرحب سياسياً واجتماعياً.
السند الشرعي الفلسطيني
للحكومة اللبنانية
ان استحضار رأي أبو مازن والقيادة الفلسطينية الآن، يتم على تقاطع استحقاقات قريبة، منها الاستعداد لحوار لبناني ـ فلسطيني، ومنها ما ذُكر عن زيارة سيبدأها عباس زكي المكلف ملف العلاقة بلبنان من قبل السلطة الفلسطينية، ومنها ان فصائل موالية لسوريا لا تزال تستعرض سلاحها خارج المخيّمات مدّعية ان له وظيفة فلسطينية وقومية، بالتزامن مع صدور تقرير المبعوث الدولي تيري رود لارسن الذي يلحظ السلاح والتسلّح الفلسطينيين. ويهدف استحضار رأي أبو مازن والقيادة الفلسطينية إلى الآتي:
1 ـ التأكيد على ان للحكومة اللبنانية في الحوار الذي تخوض من أجل تحقيق سحب السلاح خارج المخيمات، سنداً فلسطينياً وازناً، هو موقف القيادة الشرعية المنتخبة للشعب الفلسطيني، القيادة المولجة بالتفاوض باسم الشعب الفلسطيني، والمعترف بها عربياً ودولياً.
وظيفة السلاح الفلسطيني منتهية منذ التسعينات
2 ـ التأكيد على ان أي وظيفة سياسية للسلاح الفلسطيني لم تعد قائمة في لبنان، لا سيما منذ مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً بعد اتفاق الطائف. ومنذ ذلك التاريخ، اعترف اللبنانيون بـ"مقاومة واحدة"، هي المقاومة اللبنانية (وفي مقدمها مقاومة "حزب الله")، ولم يعترفوا جميعهم بأن ثمة مقاومتين، إحداهما فلسطينية في لبنان، في مقابل تضامنهم مع مقاومة الشعب الفلسطيني ـ اي انتفاضته ـ داخل فلسطين. وللتذكير، كان "التبرؤ" إجماعياً ـ بما في ذلك من قِبل "حزب الله" ـ عندما كانت تحصل عمليات لا يتبنّاها الحزب ويُعرف ان مصدرها فلسطيني. وحتى لو كان ثمة دعم لوجستي فلسطيني في المرحلة السابقة للمقاومة اللبنانية، فإن الراية كانت لهذه المقاومة اللبنانية. وعليه، لا رابط بين السلاح الفلسطيني وسلاح المقاومة.
شقان أمني سوري وسياسي سوري
3 ـ ان الحديث لبنانياً عن السلاح الفلسطيني، خارج المخيمات بالدرجة الأولى، ليس مفتعلاً، حتى لو كان هذا السلاح خارج المخيّمات استمراراً لمرحلة سابقة، هي مرحلة الوصاية السورية على لبنان، فكيف إذا كان جرى تعزيز هذا السلاح و"إبرازه" و"التمظهر" به بعد الانسحاب السوري رسمياً من لبنان أواخر نيسان الماضي؟
ثمة شقّ "أمني" سوريّ في الوظيفة الراهنة للسلاح الذي تتمسّك به الفصائل الموالية لسوريا خارج المخيّمات. وهذا الشقّ "الأمني" تناوله تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، القاضي ديتليف ميليس، عندما أشار إلى علاقة تنسيق بين المدير العام السابق للامن العام جميل السيد ومجموعات من "القيادة العامة". واذا كان صحيحاً ان ميليس قال إن الأمين العام لهذا الفصيل أحمد جبريل ليس مشتبهاً به حتى الآن، فالصحيح أيضاً ان ميليس لم يتراجع عمّا ورد في تقريره لجهة التنسيق بين هذا الفصيل وأحد الأجهزة الأمنية، وفي جميع الأحوال فإن المحقق الدولي يُفترض به في تقريره التالي أن يثبّت هذا الاتهام أو أن يلغيه.
لكن الشقّ "السياسي" في الوظيفة الراهنة لهذا السلاح، سوري أيضاً. فعلاوة على كونه عاد علنياً في مناطق لبنانية بعد الانسحاب العسكري السوري، بعد أن كان في ظل الوجود العسكري السوري سابقاً، فإنه لا يمكن النظر إليه لبنانياً، إلا بوصفه جزءاً لا يتجزأ من السياسة السورية حيال لبنان بعد الانسحاب العسكري الرسمي، وهي سياسة تصدير المشاكل في وجه الحكومة اللبنانية، وسياسة "اختبار المواجهة" مع الغرب في لبنان.
لبنان معني بصيغة دفاعية لا علاقة
للسلاح الفلسطيني بها
أما ما يقوله مسؤولو الفصائل الموالية لسوريا، لا سيما مسؤولو "القيادة العامة"، فلا يقترب من عقل أي لبناني البتّة. فبالإضافة إلى ان الانتشار المسلّح داخل مناطق لبنانية لا يقبله اللبنانيون، فإن إلقاء المحاضرات على اللبنانيين بأن الصراع العربي الاسرائيلي الذي لا يزال قائماً يبرّر استمرار السلاح الفلسطيني، خصوصاً خارج المخيمات، لا بل تعزيزه ونشره علناً، ان ذلك ـ أي القاء المحاضرات ـ لا يغير في حقيقة ان مقتضيات مواجهة الخطر الاسرائيلي على لبنان، هي مسألة يقرر فيها اللبنانيون أنفسهم، ولا يفرضها أحد عليهم. وهذه المسألة مطروحة أصلاً للحوار تحت عنوان أفضل مشروع دفاعي عن لبنان في وجه اسرائيل، على أساس ان من حق الدولة أن تمتلك مشروعاً دفاعياً. وبمعنى آخر، إذا كان اللبنانيون في صدد البحث عن الصيغة المؤاتية للدفاع ضد اسرائيل، ومن ضمن مشروع الدولة، فانهم ليسوا في وارد "العودة" الى ما قبل العام 1982، قبولاً بسلاح فلسطيني "يتجاور" وسلاح الشرعية اللبنانية.
محاولة استقواء الموالين لدمشق على أبو مازن
4 ـ وثمة مِن قِبل، الفصائل الموالية لسوريا، التي تنشر السلاح خارج المخيمات، إستقواء ضد السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس. وفي كلام لأحد مسؤولي هذه الفصائل قبل أيام، ما مفاده أن أبو مازن لا يستطيع ان يحلّ ويربط في أمر معبر في غزة، وأنه لا يمون على "جماعته" في لبنان.
انّ في هذا الكلام ما يؤكد ما قاله أبو مازن لجهة أن السلاح داخل المخيمات (وخارجها) يستخدم ضدّ المرجعية الفلسطينية. وفي الواقع ان للسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وجهين، أحدهما ضد الدولة اللبنانية والثاني ضد السلطة الوطنية الفلسطينية، كما انّ السلاح داخل المخيمات بوجهين أيضاً. والمعنى، ان ثمة صراعاً ضد السلطة الفلسطينية في مخيمات لبنان يخوضه الموالون لسوريا، هدفه إضعافها وإسقاط نفوذها في الشتات، وتقسيم الشعب الفلسطيني بين داخل وخارج. ولذلك، فان "جماعة" محمود عباس، أي "فتح" في لبنان، معنية بأن تؤكد عكس ما يقوله أتباع سوريا أو "جماعتها"، لتعيد الإمساك بالملف في لبنان، أي لتعيد تنظيم الصفوف الفلسطينية آخذة التعدد في الاعتبار، لكن بما يقطع الطريق على محاولات إغراق الحوار مع الحكومة اللبنانية بطروحات يدعي أصحابها إحتكار تمثيل السياسة الفلسطينية في هذا البلد.
لا رابطَ بين السلاحَين
5 ـ وفيما يبدو أن الحكومة اللبنانية تستطيع الاعتماد على موقف الشرعية الفلسطينية، من الطبيعي أن تسير في الملف بخطى مدروسة لتفكيك الألغام. ومن هذه الألغام محاولة ربط السلاح الفلسطيني بسلاح المقاومة اللبنانية. وينبغي القول هنا إن ورود السلاح الفلسطيني وسلاح المقاومة في بند واحد ضمن القرار 1559 لا يعني انهما سلاح واحد. وعلى أي حال، فإن الموقف اللبناني الرسمي قد جرى تحديده بدقة، و"المشترك" هو ان "السلاحَين" للمعالجة بالحوار، أما "المختلِف" فهو انّ السلاح الفلسطيني منتهية "صلاحيته" منذ مدة طويلة، بينما سلاح المقاومة بحاجة الى مناقشة بأفق رسم خارطة طريق له، وبأفق استيعاب الدولة لمشروع دفاعي يحمي لبنان واللبنانيين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.