ليس سراً أن موضوع رئاسة الجمهورية يتحرك بقوة في الكواليس السياسية أكثر ما هو ظاهر على "السطح". وقد حملت الأيام الماضية ثلاثة مؤشرات رئيسية تؤكد هذا الاستنتاج.
لقاء صفير ـ جعجع: الاتفاق على عدم استمرار الوضع القائم
المؤشر الأول يتمثل في اللقاء الذي تم مساء الأحد الماضي بين البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير وقائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع الذي قال بعد هذا الاجتماع إن الاتفاق كان تاماً بينه وبين سيد بكركي على أن الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر، وعلى أهمية الخروج من هذا الوضع نحو الآفاق المرجوة، وعلى أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد منذ شهور لا يجوز أن تدوم.
كلام جعجع الذي لا يقول بشكل مباشر ما تم الاتفاق عليه، على قاعدة أن المجالس بالأمانات كما قال، يمثل مع ذلك إشارة قوية إلى أن الخلل في الوضع القائم يتمثل في واقع رئاسة الجمهورية في ظل استمرار إميل لحود في موقعه رئيساً للجمهورية، سواءً بسبب تغيّر الظروف التي فرضت التمديد السوري القسري له في أيلول 2004، أو بسبب الاشتباه الذي طرحه تقرير ديتليف ميليس في ضوء الاتصال الذي تلقّاه يوم جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من أحد عناصر "الأحباش" محمود عبد العال.
وعلى هذا الأساس ومن دون تدخّل في "أمانات المجالس"، يمكن القول أن كلام جعجع ناطق في حد ذاته، ويُفيد أن التغيير الرئاسي كان على جدول البحث بينه وبين البطريرك، وأن ثمة اتفاقاً على ضرورة حصوله.
الموقف الدولي من لحود: أصلُه ضد التمديد
أما المؤشر الثاني فقد عكسه موقف مصادر ديبلوماسية غربية ناشطة في هذه الأيام، يعتبر ـ هذا الموقف ـ أن ورود الاتصال الهاتفي بين عبد العال ولحود في تقرير ميليس، وذلك بعد الاشتباه بالضباط الأربعة وتوقيفهم، أمرٌ "في غير مصلحة لحود"، ويُفترض به أن يزيد الضغط عليه للخروج من بعبدا.
وتوضح المصادر الديبلوماسية الغربية نفسها أن الموقف "الدولي" من لحود ازداد "شدّة"، ذلك أن الموقف الدولي كان في الأصل ضد التمديد للحود، وهذا ما جرى التعبير عنه في القرار 1559، واستمر ضد التمديد ولا يزال ضد التمديد، فكيف إذا اقترن الأمر بعلاقة "ما" للحود بجريمة اغتيال الرئيس الحريري، وهو ما يتطلب مساءلته من قبل فريق التحقيق الدولي؟ وتضيف المصادر أن الأداء الدولي حيال لحود خلال الفترة السابقة أعطى ما يكفي من الإشارات الى أن المجتمع الدولي لا يرغب في بقائه في منصبه.
غير أن المصادر نفسها تسارع الى القول أن "الغيمة" التي كانت "رمادية" فوق رأس لحود أصبحت "سوداء"، لكن المجتمع الدولي لن يفرض على لبنان شيئاً على هذا الصعيد، بل هو يدعم حلاً لبنانياً لموضوع رئاسة الجمهورية، بحيث يكون البتّ بهذه المسألة في إطار توافق لبناني عام.
.. وجديدهُ تقرير ميليس ودعم الحل اللبناني للرئاسة
وتعرب المصادر عن اعتقادها في هذا المجال أن المجتمع الدولي في معرض دعمه الحلَّ اللبناني لموضوع رئاسة الجمهورية، يمتنع عن ممارسة الضغوط في ما يتعلق بالقرار 1559. وتشير إلى أنه خلافاً لقراءة البعض لتقرير المبعوث الدولي تيري رود ـ لارسن، فإن هذا التقرير يعكس التفهّم الدولي للموقف اللبناني الرسمي والسياسي بإحالة البنود المتبقية من القرار 1559 إلى حوار داخلي. وتؤكد أن التفهّم الدولي لضرورة وجود "خارطة طريق" لبنانية للتعامل مع القرار المذكور، ينطلق من رغبة في تسهيل الحوار اللبناني ـ اللبناني، ومن قناعة بأن هذا الحوار لا بد أن يُفضي إلى ديناميات تُطمئن الجميع وتسهّل بتّ مسألة رئاسة الجمهورية، حيث الاتصال وثيق هذه المرة بين الرؤية الى المرحلة المقبلة وبين شخص الرئيس، على أن تكون الرؤية توافقية.
لحود وإشارات الضعف المتزايدة
أما المؤشر الثالث إلى كون موضوع رئاسة للجمهورية يتحرك بقوة، فقد أتى من لحود نفسه. فالرئيس الممدَّد له سوريّاً بالإكراه، يشعر بالعزلة لبنانيّاً وخارجيّاً أولاً، ويشعر بأنه لا يملك الوسائل التي تتيح له الانقلاب على الوضع القائم ثانياً. فهو لا يملك الأكثرية السياسية والنيابية، ولا أمرة له على المؤسسات الأمنية. ولكم ساعدته الأمرة على المؤسسات الأمنية في تحقيق انقلابٍ سياسيٍّ بواسطة أمنية في مراحل سابقة، وأبرز هذه الانقلابات، انقلاب 7 آب 2001 الشهير حيث "نجح" في كسر نتائج انتخابات العام 2000 ليستكمل توطيد النظام الأمني.
بيد أن لحود الذي فقد عوامل قوّته الذاتية بفعل التطورات التي شهدها لبنان منذ 14 شباط الماضي، والذي يصرخ بأنه باقٍ ولو ظلّ وحده، يحاول اللعب على "العامل العوني" في الحياة السياسية، مستغلاًّ "نقطة ضعف" العماد ميشال عون المتمثّلة في الطموح الجامح إلى رئاسة الجمهورية.
سرّ اجتماع البياضة وإرجاؤه
وفي هذا المجال تروي أوساط سياسية أن لحود "وعد" عون بأنه لن يغادر بعبدا إلا إذا كان قائد "حزب التيار الوطني الحر" هو بديله. وتقول الأوساط إن هذا "الوعد" معزّز سوريّاً طالما ان بقاء لحود في بعبدا أو عدمَه أمران لا تزال دمشق تقرّر فيهما. ونقطة الرهان الرئيسية هنا، هي أن عون ذا المكانة المسيحية يستطيع أن يحجزَ موقع الرئاسة، وأن يشقّ الإجمع اللبناني على تغيير الرئيس، ما لم تكن الرئاسة مضمونة له.
أسئلة كثيرة: ماذا كان يُعَدّ؟
بيد أن الأوساط تُلفت إلى مجموعة من الأسئلة التي حرّكها الإعلان عن لقاء بين لحود وعون يوم السبت الماضي ثم الإعلان عن إرجائه.
لماذا قال أحد المقرّبين من لحود عندما اتصل ببعض وسائل الإعلام للحضور إلى البياضة إن ثمة حدثاً كبيراً سيغيّر وجه التاريخ في لبنان؟
هل صحيح أن الاجتماع تم إرجاؤه للأسباب التي أُعلنت ومنها أن عون استاء من تسريب خبر الاجتماع، أم أن الإرجاء تم بعد تدخل طرف دولي نافذ مع عون؟
ماذا كان مفترضاً بالاجتماع أن يُعِدّ؟
لماذا أتى موعد الاجتماع الذي لم يتمّ، بالتزامن مع زيارة الرئيس سليم الحص إلى الرابية، ومع خطاب للرئيس عمر كرامي في طرابلس في حضور رموز من المرحلة السابقة؟ ولماذا استُتبع بتحرّك من قبل النائب السابق سليمان فرنجية، وبـ"تفليت" وئام وهّاب من عقاله؟
لماذا أعلن لحود عن موعد الاجتماع غداة الكشف عن تورّط ابنه إميل إميل لحود في فضيحة كوبونات النفط، في "تقرير فولكر"؟
هذه الأسئلة وغيرها مما يمكن أن يُطرح، تشكّل جزءاً لا يتجزّأ من مشهد الضعف الذي يعاني لحود منه ويحاول أن يصنعَ منه قوة، وتشكّل مؤشراً إلى أن موضوع رئاسة الجمهورية المطروح بقوة بدأ يؤثر تأثيراً مباشراً على القاطن في بعبدا.
البطريرك والرئيس المقبل بينَ كلّ الفرقاء
في غضون ذلك، أي فيما تنطلق إشارات عدة إلى أن موضوع رئاسة الجمهورية يتحرك بسرعة، ذُكر ان البطريرك نصرالله بطرس صفير عندما سئل رأيه فيمن يكون رئيس الجمهورية المقبل بعد الانتهاء من لحود، أجاب سائليه بمعادلة عامة معبّرة، فقال إن الرئيس المقبل هو "من لا يستحي مستقبلُه من ماضيه".
وأضاف البطريرك بعد تحديد هذه الصفة العامة، أن الرئيس المقبل يجب أن يكون اختياراً لبنانياً مشتركاً، أي أن يتشارك في اختياره كلُّ الفرقاء المعنيين مسيحيين ومسلمين.
وفي تقدير أوساط متابعة أن جوابَي البطريرك ينطويان على إشارات عدة ذات دلالة:
1 ـ إن كلام البطريرك عن اختيار مشترك للرئيس المقبل، بين الفرقاء كافة مسيحيين ومسلمين، يعني أن رأس الكنيسة لا يحبّذ اجتماعاً مسيحياً يُخصّص لهذا الموضوع... وإن كان هذا الكلام لا يُسقط ضرورة التشاور والنقاش العميقين بين هؤلاء الفرقاء وبين البطريرك الذي يرتاح الى مرجعيته جميعُ الفرقاء كما تقول الأوساط المتابعة.
2 ـ إن حصر الاختيار بالمسيحيين ولو كمرحلة أولى، من شأنه أن يضيّق الخيارات الرئاسية، ويحوّل المسلمين إلى ناخبين "درجة ثانية"، فيما تتوسع الخيارات بمشاورات عامة.
3 ـ إن "من لا يستحي مستقبله من ماضيه"، عنوانٌ ينطبق على عدة أسماء يمكن الانتقاء من بينها. لكن هذه المعادلة تعني ألا يكون الرئيس المقبل من رموز المرحلة السابقة أو حتى من المسيحيين الذين أعادوا حساباتهم بعد التطورات على امتداد العام المنصرم، فتحولوا من فئة "مسيحيي النظام وسوريا" إلى المعارضة. وتعني أن يكون الرئيس المقبل من "تيار" 14 آذار واستقلاليَّ النزعة. وتعني أن يكون ملتزماً بالطائف. وتعني أن يكون مقبولاً مسيحياً وأن يكون مقبولاً إسلامياً في آن. وتعني أن يكون منفتحاً على أساس رؤية مشتركة مع الجميع، على المجتمع الدولي وعلى الوضع العربي.
في ضوء هذه المقوّمات جميعاً، من البديهي القول أن كل التطورات، وآخرها القرار الدولي رقم 1636، يُفترض أن تشكّل عواملَ مؤاتيةً لانطلاق ورشةٍ يقترن ضمنها الحوار حول الرؤية الى المرحلة المقبلة بكل أبعادها واستحقاقاتها بالحوار حول مواصفات الرئيس المقبل وبالحوار حول الأسماء التي تنطبق عليها هذه المواصفات. ولَكَم اختصر البطريرك بالعنوان المشار اليه: من لا يستحي مستقبله من ماضيه، المواصفات الأخلاقية والسياسية والدستورية المطلوبة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.