8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي يُعطي الموارنة أولوية النطق بالحكم على رئيس الجمهورية

مِن نافل القول انّ الحضور في المجلس الخاص للرئيس برّي يتيح التأكد مِن "موقعية" الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عند رئيس المجلس النيابي، وهو الذي كان أول من أطلق على "الحدث" ـ أي الجريمة ـ وصف "الزلزال"، وما فتئ يكرّر أن لبنان لا يزال يعيش الى اليوم "ارتدادات" ذلك الزلزال. ولا داعي أيضاً للتذكير بمحبة الرئيس برّي للرئيس الحريري وقد ربطتهما صداقة متينة خلال نحو عقدَين من الزمن لم تخلُ من "مناكفات" ولا مِن "خلافات"، حيث كان برّي يتصرّف مع الرئيس الشهيد في بعض الأحيان وكأنه يصوّب له "إحداثيات الرماية".
البيان المشترك مع "حزب الله"
يؤكّد برّي انّه مع كشف الحقيقة كاملةً في هذه الجريمة النكراء، لا بل يعلنُ انّه متمسّك بهذا المطلب. وإذ يشيرُ الى البيان المشترك بين "حركة أمل" و"حزب الله" الذي صدرَ بعدَ تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس، فإنه لا يتردّد في الافصاح عن أن "الاختصار" في هذا البيان يعكسُ رغبتَه في تثبيت الموقف من ناحية لكن من دون الوقوع في "اشتباك" لا مع التحقيق الدولي ولا مع تقرير ميليس ولا مع أطراف محليين كان لهم موقف داعم بشكل "مطلق" للتقرير من ناحية أخرى.
لا يزالُ الرئيس بري عند اقتناعه بأن التقرير كي يُبنى عليه المقتضى الجدّي والحقيقيّ، لا بدّ أن يُستكمل، أي أن يُستكمل التحقيق بحيث تتضمّن النتائج في وقت لاحق الأدلّة الوافية للاشتباه والاتّهام، معتبراً انّ التقرير "الراهن" لا يمكن الانطلاقُ منه لبناء استنتاجات "راسخة" أو "نهائية". ولذلك فهو يشدد على أنّ أفضل السبل للوصول الى "الحقيقة" هو عدم تسييس التحقيق أي عدم ربطه بعملية تصفية حسابات سياسية سواء في لبنان أو في المنطقة.
الفصلُ بين التحالف مع سوريا وبين الحقيقة
بيدَ أن برّي، وعند هذه المحطة من التحقيق، يؤكد التزامه بموقف بالغ الأهمية. ويقول في هذا المجال انّه وهو الحليف التاريخي المعروف لسوريا، والذي لم ولن يتنكّر لهذا التحالف الذي يعتبره مكوّناً عضوياً في "سياسته"، انما "يفصل" بين هذا الأمر وبين ملف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، بمعنى أن رئيس "حركة أمل" يؤكد هنا أنه سيدعم من دون تحفّظ معاقبة من تُثبت التحقيقات تورطّهم "الحاسم" في هذه الجريمة، ولو كانوا مسؤولين سوريين، ويعتبر أنّ في هذا الموقف مصلحة لبنانية بالتأكيد، لكن فيه مصلحة سورية أيضاً.
"مستر إكس"
ويطلّ الرئيس برّي على تقرير ميليس الذي أوردَ واقعة المكالمة بين "مستر إكس" ومسؤول المخابرات السورية سابقاً رستم غزالي.
وإذ يلاحظ برّي انّ تعميم انّ "مستر إكس" هو برّي نفسه حصل قبلَ أن تنجز المحطات التلفزيونية قراءة نصّ التقرير وترجمته، وانّ احدى الفضائيات العربية سارعت الى تسميته، يلفُت رئيس المجلس الى انّ المكالمة الهاتفية المشار اليها في تقرير ميليس قد تكون جرت معه، وأنه قد يكون هو المقصود بـ""مستر إكس" ، وإن كانَ في الوقت نفسه لا يستطيع أن يؤكد الامر الى حين الاستماع الى التسجيل اذا كان الموضوع مهماً، كما لا يستبعدُ أن تكون المكالمة التي وردته معلومات أن مسؤولاً أمنياً سابقاً سجّلها على التنصّت ووصلت الى لجنة التحقيق الدولية، قد أخضعت لـ"مونتاج" معيّن... في حال كانت قد جرت معه بالفعل.
تناقضات
على أي حال، يقول برّي انه على افتراض ان المكالمة الهاتفية المشار إليها تمّت معه بالفعل، فإن الصيغة التي وردت في تقرير ميليس، فيها من المعطيات ما يتناقض مع أسلوبه في الكلام ومع مقاربته للمواقف "فلا يمكن أن أقول ليتعفّن الرئيس الحريري في الجحيم ولا يمكن إلا أن أجيب على كلام عن الاتيان بالنائب الماروني بطرس حرب إلى رئاسة الحكومة، كما لا يمكن إلا ان أشدّد على المصلحة اللبنانية والمصلحة اللبنانية ـ السورية لو كلمّني كائن من كان بشأن ضغوط في الشارع لإسقاط الحكومة".
وإذ لا يرغب في الدخول في التفاصيل، ومع انه "يتذكّر" انه في تاريخ المكالمة الهاتفية، أي في تموز 2004، كان ثمة اتهام له وللحريري ولوليد جنبلاط بالتآمر على التمديد للحود خلافاً للرغبة السورية، فإنه في الوقت نفسه يتذكّر انه في تلك الفترة لم يكن مؤيداً لتغيير حكومي.
غير ذات أهمية
في جميع الأحوال، يؤكد الرئيس برّي انّه لا يرغب في التوقف عند هذه الفقرة من تقرير ميليس، ويقلّل من أهميتها تماماً في ما يتعلق به لا بل يشدّد على "إقفال" هذا الموضوع. لكنّه اذ يشير الى احتمالات ما لإيرادها في التقرير تخصّ التحقيق الدولي، يقول انه يلتقي مع الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله حول انّ ايرادها كان يمكن أن يسمح باستخدامها للتحريض المذهبي.
لكن برّي الذي وافقَ بعدَ تمنٍّ على السماح بعرض رأيه من "مستر إكس" ، مشدداً على أن هذه المسألة غير مهمة من وجهة نظره بمستوى تحقيق يجب أن يذهب الى الحقيقة، يكتفي (بري) عندما يقالُ له انّ الوسط السياسي بمجمله لم يرَ في هذه الفقرة ما يمسّ بالمواقف السياسية المعروفة لرئيس المجلس حتى في ظل الظروف السابقة المعروفة، هذا إذا كان هو "المستر إكس" فعلاً، يكتفي بأن يعتبر ما يقال له تأكيداً على عدم أهمية هذا الجانب من الموضوع في ما يتعلّق به. ولسان حالُ جميع الحاضرين في مجلس الرئيس برّي يقولُ ان هذه الفقرة من تقرير ميليس والتي تصف ظروف تلك المرحلة من صيف العام 2004، لا "تُغَبّر" على موقف رئيس السلطة التشريعية.
لحود ليس في وارد الاستقالة
وينتقل النقاش مع الرئيس برّي بعد ذلك الى مسألة رئاسة الجمهورية. ويُسأل عن كيفية التعاطي مع هذا الاستحقاق خاصة ان التحقيق الدولي وضع فريق الرئيس اميل لحود في دائرة الشبهة والاتهام، لا بل لمّح الى صلة لحّود بمشتبه بهم "ميدانيين" في الجريمة.
يردّ برّي على السؤال، ليؤكد أن ليس ثمّة استحقاق رئاسي داهم لسبب رئيسي جوهريّ هو "أنّ الرئيس لحّود لن يستقيل" لأنه لا يعتبر انّ ما جرى حتّى الآن يبرّر استقالته.
"أقفُ خلف البطريرك"
لكن السؤال لا يتعلّق برغبته في الاستقالة، بل بالتحرّك السياسي لإرغامه على الاستقالة؟
يجيب الرئيس برّي مذكّراً بأنّه اتخذ قبل الانتخابات النيابية الأخيرة موقفاً بشقّين: الأول علنيّ ويقول فيه انّه يقف خلف البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير في هذا الموضوع، والثاني غير علنّي تحدّث فيه مع رئيس "المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط، وينصح قادة الطوائف غير المسيحية، والمارونية بشكل خاص، بعدم إثارة هذا الموضوع لحساسيته.
ويشرح برّي ذلك بالقول انّ المسألة لا تتعلّق باستحقاق رئاسي في موعده الدستوري الطبيعي، بل هي تتعلّق بتقديم موعد الاستحقاق. ولذلك ليست المسألة أن يقول كلّ فريق رأيه، بل أن يقول المسيحيون عموماً والموارنة خصوصاً موقفهم من حصول استحقاق مبكّر ليأخذ الأطراف جميعهم هذا الموقف في الاعتبار. ومن هنا يؤكد رئيس مجلس النواب انّه لا يزال على موقفه: أقفُ خلفَ البطريرك المارونيّ في هذا الموضوع.
اذاً، لا لحّود في وارد الاستقالة، والموقفُ المارونيّ لم يتحدّد حتى الآن. لكن ماذا اذا أتى التقرير الثاني لميليس في منتصف كانون الأول المقبل متضمناً أدلة اضافية ضد لحود؟ يجيب برّي: لننتظر النتائج النهائية للتحقيق على القاعدة التي نطالب بها أي المهنية الصرفة وعندئذ لكل حادث حديث.. وسيُبنى على الشيء مقتضاه. ولا يفوتُ برّي بإشارات ذكية أن ينهي هذا النقاش بسؤال "معبّر": هل فعلاً انّ للأكثرية النيابية مصلحة في تغيير رئيس الجمهورية طالما أن التطورات الحاصلة تزكّي مواقع دستورية أخرى؟.
ويسكت دولة الرئيس عن الكلام المباح، وينفضّ المجلس مرتاحاً الى معادلات رئيس المجلس، ومتيقّناً من انّ الرئيس برّي مرتاح وانّ رواية "مستر إكس" لم تنغّصه وإن كانت اضطرّته لمتابعة أبعادها.. مع التذكير بأنه استجاب لتمنّ شديد الإلحاح بالسماح بالتوضيح.. وبـ"رحمة الله على الرئيس الحريري" يختم الرئيس برّي الجلسة، فانصراف الى متابعة الأيّام الأخيرة من هذا الشهر الفضيل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00