قبل صدور تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس وبعده، وفي وقت يبدو واضحاً انّ ملف رئاسة الجمهوريّة مفتوح، أطلق قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع مبادرة سياسية تقضي بانعقاد اجتماع مسيحيّ في بكركي برعاية البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، يبحث مصير رئيس الجمهورية اميل لحود من ناحية ويتفق على بديله من ناحية ثانية.
وكي يحرر نفسه من أية أثقال فيريح حركته، كان جعجع واضحاً في إبلاغ الفرقاء السياسيين كافة لا سيما المسيحيين منهم أنّه ليس مرشحاً إلى رئاسة الجمهوريّة. لكن لا يخفى على أحد، ان المبادرة بشأن اجتماع مسيحي يرعاه البطريرك، انما تنطلق في ذهن جعجع كما في الكلام العلني الذي واكب مبادرته من أن الدورالمسيحي في هذا الموضوع هو الأساس، ومن أن ممارسة هذا الدور تعيد "التوازن" إلى الوضع السياسيّ إذ تستعيد العامل المسيحي ـ المارونيّ الذي "غاب" عن التأثير منذ ما بعد الطائف، كما تنطلق أخيراً من ان القول الفصل للمسيحيين في هذا الشأن سيجعل خيار الشركاء الآخرين منحكماً اليه.
الربح السياسيّ الصافي: مركز استقطاب
يجب الاعتراف بداية ان جعجع بمبادرته هذه حتى قبل أن تكتمل ملامحها وقبل أن توضع موضع التنفيذ إذا وضعت، وخصوصاً في ظل عدم ترشحه إلى موقع الرئاسة، حقق ربحاً سياسياً صافياً:
أولاً ـ تحول "الحكيم" بسرعة إلى مركز استقطاب سياسيّ في موضوع رئاسة الجمهوريّة، لا بل صار "الدينامو" المحرك في هذا الملف.
ثانياً ـ وبتحوّله إلى مركز استقطاب، غدا جعجع في موقع المطلوب كسب وده من قبل "غريمه" رئيس تكتل "الاصلاح والتغيير" النائب العماد ميشال عون.
ثالثاً ـ وبات جعجع "مقصداً" لعدد كبير من المرشحين الرئاسيين المستقلين الذين يرون في العلاقة معه أو في التحالف ما يعزز فرص "مواجهتهم" للجنرال عون في رئاسة الجمهورية.
رابعاً ـ وبذلك، أي بتحوله إلى مركز استقطاب، بمعنى "لاعب" رئيسيّ في معركة رئاسة الجمهوريّة، يضيف جعجع إلى رصيده القائم حالياً وفيه أنه يمثّل شريحة ذات شرعيّة مسيحية "مكتسبة" من جهة وفيه انه على علاقة بشريك اسلامي رئيسي هو "تيار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري تتميز بـ"القوة"، وعلى علاقة "غير مقطوعة" برئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط من جهة أخرى.
"التخطيط" للدور في سيبة الحكم المقبل
ماذا يعني في العمق هذا الربح السياسيّ الصافي؟
إنّه يعني أولا أنّ قائد "القوات" استعاد بعد ثلاثة أشهر من خروجه من السجن "موقعية" رئيسيّة على الساحة المسيحيّة. فهو في سياق إعادة تأسيس نفوذه في هذه البيئة، إنما يخاطب "حساسيّاتها"، بمعنى أنّه يعلن أن في استطاعته أن يكون "زعيماً مسيحياً" من دون أن يُنكر على المسيحيين الآخرين وجودهم وحضورهم، وأن في وسعه أن يعبر عن "الحساسيات" المسيحية من دون "تنفير".
ويعني ثانياً أن سمير جعجع يسير حثيثاً نحو إعادة التوازن إلى الساحة المسيحية من دون "تنقيز" للبيئات والساحات الأخرى في ظل حرصه على تأكيد مرجعية الطائف.
ويعني ثالثاً ـ والأهم ـ أن جعجع الذي اختار عدم ا لترشُّح إلى رئاسة الجمهورية، اختار في المقابل أن يشكّل أحد "ضلعَيْ" سيبة الحكم في المرحلة المقبلة، أي الركيزة المسيحية للحكم التي تمنحه الغطاء، وفي الوقت نفسه لا يصادر التمثيل المسيحي، فيكون "القوي" أو "الأقوى" لكنه يترك للآخرين مكاناً.
وبكلام آخر، أن المبادرة مقرونة بعدم الترشّح، يريد جعجع من خلالها أن يحجز موقعاً "تفاضلياً" في الحكم للمرحلة المقبلة، بما يذكّر بمشروعه بعد الطائف، وهو المشروع الذي تم إجهاضه آنذاك لعوامل واعتبارات عدة معروفة. وثمة من ذهب إلى تشبيه مشروع جعجع الحالي بمشروع الراحل بيار الجميل في المرحلة الشهابية حين كان "المسيحي المعتمد" من قبل الرئيس فؤاد شهاب... وإن كانت هذه التجربة تحتمل إشكاليات عدة.
المبادرة والاحتمالات: أي اجتماع سيكون؟
ولكن.
لكن المبادرة المتعلقة بالاجتماع غير محسوم مصيرها حتى الآن:
1 ـ إن اقتراح "الحكيم" يقضي باجتماع مسيحي موسّع في بكركي يضم التلاوين المسيحية كافة، في حين يرفض العماد عون المشاركة في اجتماع على أساس هذه الصيغة، ويفضل في المقابل اجتماعاً ثلاثياً يضمه وجعجع برعاية البطريرك.
2 ـ ثمة احتمال إذاً أن تفشل الدعوة إلى اجتماع موسّع في ظل إصرار عون على موقفه. وعليه ثمة احتمال "نظري" بأن يوافق جعجع على ما لم يقترحه أي الاجتماع الثلاثي المصغّر. هو احتمال "نظري" فقط، على أساس أن "أصل" اقتراح جعجع باجتماع موسّع هو "عدم الاضطرار" إلى الجلوس وجهاً لوجه مع عون في الموضوع الرئاسي، وعدم استبعاد شركاء مسيحيين آخرين عن القرار، كما يقدّر عديدون.
3 ـ أما في حال فشل الاجتماع الموسّع "الكامل" برفض عون له وبعدم سير جعجع فيه، ثمة احتمال باجتماع واسع لا يكمّل عون نصابه. بيد أن هكذا اجتماع يعني الانتقال إلى "المواجهة" مع عون، وهذا أمر يفترض كثيرون أن جعجع يريد استبعاده كي لا تدخل الساحة المسيحية في إشتباك سياسي لا نهاية مرئية له.
4 ـ وثمة من يفترض في البيئة المسيحية أن فشل حصول اجتماع موسّع "كامل" ثم فشل حصول اجتماع واسع لا يحضره عون، قد يولدان صيغاً شتّى طالما أن ثمة إصراراً مسيحياً على أن يكون موضوع رئاسة الجمهورية منطلقاً من البيئة المسيحية نفسها. فقد يكون اجتماع نيابي مسيحي يضم ا لنواب المسيحيين الموارنة غير المنضوين في كتلة الجنرال، وقد يكون في موازاته تنسيق ثنائي بين جعجع وعون. لكن الأمر في هذه الحالة، سيكون انتقالاً إلى المواجهة بين الجانبين، بـ"واسطة" النواب ومنهم مرشحون رئاسيون.
5 ـ وفي وقت يبدو أن المبادرة التي أطلقها سمير جعجع مفتوحة على كل الاحتمالات "نظرياً"، خاصة إذا أُخذ في الاعتبار ان ما يرسمه قائد "القوات" لمستقبله ومستقبل تياره لا يستقيم مع تكريس ثنائية مع عون وتياره هي بالتعريف في غير مصلحته.. في هذا الوقت ثمة من يطرح الذهاب الى اجتماع مختلط مسيحي ـ إسلامي يتجنب كل اشكاليات "الاجتماع المسيحي" من ناحية لكنه يؤكد الشراكة الوطنية في موضوع رئاسة ا لجمهورية من ناحية أخرى.
لكن كيف يكون الاجتماع المختلط المسيحي ـ الاسلامي ملبياً لـ"الفكرة" التي يريدها المسيحيون، أي أن تكون كلمة الفصل مسيحية في هذا المجال؟
ثمة رأي يقول إن الرئيس الماروني المقبل يجب أن "يخرج" من بكركي على أن "يطلّ" على اللبنانيين بعد ذلك بتفاهم أو توافق لبناني عام. وفي الترجمة العملية، هذا يعني إمكان انعقاد اجتماع مسيحي يكون مفتوحاً مباشرة على اجتماع وطني عام.
باختصار، أن مبادرة سمير جعجع هي أمام سلسلة اختبارات في الأيام القليلة المقبلة، والاحتمالات عديدة. غير أن أمامها كما أمام المؤيدين لمقولة الدور الرئيسي للمسيحيين، ثلاثة عناوين بحاجة إلى حسم: البتّ بمصير إميل لحود أولاً، والبتّ بمصير العلاقة مع العماد ميشال عون لجهة عدم إمكان القدرة على الاستمرار في "لعبتين" متناقضتين بين "الاستيعاب" و"المواجهة" ثانياً، والبتّ بأن الرئيس المقبل إذا كان يجوز اقتراحه مسيحياً من بين عدة أسماء فإنه لا يعيَّن مسيحياً بل يُنتخب بصورة مشتركة.. ثالثاً.
ماذا سيقول البطريرك؟
كل هذه المقدّمات التي تتناول ذكاء جعجع في احتساب موقعه ودوره المقبلَين والتي تتناول اشكاليات المبادرة، لا تأخذ في الاعتبار موقف البطريرك صفير الذي لم يقل موقفه في "الملف" ككل ولا في الآليات العملية.
لذلك، من المهم جداً أن يتم "استطلاع" موقف البطريرك ورؤيته. فمن دونهما لا يستقيم البحث، ويجب الحرص على ترييح البطريرك. وقد يكون من أسباب عدم ترييحه "زركُهُ" في إطار "الثنائية"، أو حشرُه في اجتماع "تصادمي" مع عون، أو أي صيغة "نافرة". ولذا فمن الطبيعي الوقوف على ما يفكر فيه. وينطلق هذا الكلام من ملاحظة أن البطريرك بدا بعد عودته من روما في الأيام الثلاثة الأخيرة "مزعوجاً" أو "متلبّكاً". وإذا كان مفهوماً تماماً أن الأوضاع العامة في البلاد كما الأوضاع المحيطة بها خارجياً تشكل مصدر الانزعاج، فلا يخفى أيضاً أن ما يعتملُ داخل الساحة المسيحية من معطيات مزعجٌ له أيضاً، وقد يكون لا يساعده على حسم الموقف حتى الآن. ومن هنا، فإن المبادرة وسائر "مشتقاتها" يجب أن تُفحص في بكركي.. سريعاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.