لم يكن الموقف الشيعي من تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس كما جرت صياغته في البيان المشترك لحركة "أمل" و"حزب الله" مفاجئاً لجهة وقوفه في "منتصف الطريق" بين القوى والتيارات والشخصيات اللبنانية التي أشادت بالتقرير واعتبرت أنه يمكن التأسيس عليه لبداية استنتاجات سياسية من جهة وبين الحملة التي شنتها دمشق على التقرير بمزاعم أنه تقرير مسيّس وأنه لا يتضمن أية أدلة أو أنه مليء بالتناقضات من جهة ثانية.
وعلى الأرجح، فإن قيادتي الثنائية الشيعية قرأتا التقرير بموقف سياسي مسبق، أو هما قررتا قراءته لتتلاءم القراءة مع موقف سياسي مقرّر مسبقاً، ولم تقرآنه للوصول الى موقف سياسي منه.
"الإيجابي" في البيان المشترك:
عدم مهاجمة تقرير ميليس
طبعاً، أن "الإيجابي" في النص الشيعي المختصر أنه لم يهاجم تقرير المحقق الدولي ولو اعتبر أن التقرير "لم يوصل اللبنانيين إلى الحقيقة المنتظرة"، وأنه التقى في المقابل مع الآخرين لجهة المطالبة بمواصلة التحقيق للتوصل الى الحقيقة، كما التقى مع الآخرين لجهة رفض العقوبات على سوريا.
وفي نقاش لـ"الإيجابي" هذا، يمكن القول أن عدم مهاجمة تقرير ميليس والاكتفاء بالقول أنه لم يوصل إلى الحقيقة المنتظرة، يعني ان فريقي الثنائية الشيعية وجدا في التقرير عناصر "فعلية" شاءا أن يعتبرانها غير كافية، فطلبا التوسع في التحقيق. لكن، إذا رُبط هذا الموقف بما أعلنه مجلس الوزراء بالإجماع إشادةً بالتقرير، يتبين خلافاً لما روّجه البعض في الساعات القليلة الماضية ان الموقفَين داخل مجلس الوزراء وخارجه يكملان بعضهما، بمعنى ان البيان المشترك للثنائية الشيعية هو بمثابة "شرح" للموقف داخل الحكومة، أي أنه "التصويت المشروح" لما تم الاتفاق عليه في مجلس الوزراء.
الحرص على العلاقة الشيعية ـ السنية
.. وعلى "خاطر" النظام السوري
أما الجانب "السلبي" من النص الشيعي المشترك، فيتمثل في "الخلفية" السياسية من ناحية وفي تأخير الاستنتاج السياسي من ناحية أخرى.
فإذا كان خلوّ النص من هجوم على تقرير ميليس يعكس حرص طرفَي الثنائية على حسن العلاقة بالقوى الأخرى لا سيما بـ"تيار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري، أي أنه يعكس حرصاً على العلاقة الإسلامية ـ الإسلامية، الشيعية ـ السنية، فإن النص في المقابل يعكس حرصاً على عدم "إزعاج" الحليف السوري. طبعاً قد يقول قائل إن النظام في سوريا لا يكتفي بهذا القدر لأنه "يكره" الوسطية، وهذا صحيح في الإجمال، بيد أن الوجه الآخر للمسألة هو أن موقفاً ضمن هذه "الحدود" لا يسدي نصيحة الى النظام السوري بتعامل مختلف مع ملف التحقيق، خاصة في لحظة هجوم سوري على سعد الحريري، هو ـ أي الهجوم ـ بمثابة اغتيال ثانٍ للرئيس الشهيد رفيق الحريري يستخدم على نحو مشبوه تراث الشهيد ضد وريثه السياسي.
"السلبي": تأخير موضوع لحود
وفي الجانب "السلبي" أيضاً أن النص الشيعي يؤسس لـ"قاعدة" في السياسة، تضع الفريق الشيعي ثانية حتى الآن خارج سياق التكيّف والتغيير اللبنانيّين بالعلاقة مع التطورات اللبنانية والخارجية. ذلك ان البقاء في موقع الدفاع عن النظام السوري حتى بوجود أدلة وشبهات حول نافذين سوريين، ينسحب على الوضع اللبناني دفاعاً عن المتبقي من النظام السابق أي رئيس الجمهورية إميل لحود الذي يشكل المعوّق الرئيسي ـ والوحيد ـ أمام استقامة الحياة السياسية والدستورية في البلاد، وأمام انطلاق عجلة البناء الجديد. فـ"الحجة" هي نفسها: بما أن الدفاع عن النظام السوري مستمر طالما ان التحقيق "لم يوصل الى الحقيقة المنتظرة"، فلا شيء بالمنطق نفسه يبرر فتح ملف لحود طالما ان التحقيق "لم يوصل الى الحقيقة المنتظرة".
.. إلا اذا!
هذا الاستنتاج في قراءة الجانب "السلبي" من النص الشيعي، يسقط تلقائياً إذا تبين ان "الحقيقة المنتظرة" من الفريقين الشيعيين لا تستبعد تورط لحود، أو إذا تبين ان "أمل" و"حزب الله" عندما لم يهاجما تقرير ميليس اعتبرا ان فيه "شيئاً" ضد لحود. كذلك لا يعود ثمة تناقض بين الثنائية الشيعية والآخرين إذا أدرك الطرفان الشيعيان أن الآخرين الذين يطالبون بتطبيق العدالة على "كل" من هو متورط لبنانياً كان أو سورياً، لا يعتبرون أنفسهم طرفاً في "الصراع على النظام" في سوريا بما في ذلك عندما يتكلمون عن "الشعب السوري" تمييزاً طبيعياً له عن النظام.
"الدينامية" بعد "النص"
إذاً في القراءة "النصوصية"، ثمة ما هو "إيجابي" وثمة ما هو "سلبي" في النص الشيعي، منظوراً اليه طبعاً من زاوية "الآخرين". بيد أن الموقف الشيعي ستتم متابعته بـ"الدينامية" على قاعدة ان الموقف نصّ ودينامية في آن، وان الدينامية أكثر أهمية. وهذا الموقف الشيعي مقروءاً من خلال النصّ جرى توصيفه من قبل أوساط عدة خلال الساعات الماضية بأنه موقف معتدل في سلبيته، وبما ان ثمة نصفاً ملآناً من الكأس قد يوصف بأنه معتدل ـ أي مقلّ ـ في إيجابيته.
وحتى الساعة، لا يمكن بنظر هذه الأوساط "الحكم" على موقف الثنائية الشيعية في التطبيق بشكل "حاسم"، وإن كانت مقدماته في السياسة خلال الأسابيع الماضية لا تؤشّر إلى "نية" اصطفاف "في وجه" الآخرين. خاصة أن أياً من جبهتي الرابع عشر من آذار والثامن منه غير قائمة الآن. وفي اعتقاد الأوساط ان "دينامية" الموقف الشيعي سوف "تتأثر" بعوامل عدة على غير صعيد، من ضمنها "العامل السوري" أي المدى الذي سيذهب اليه النظام السوري في "تعامله" مع ما يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن الدولي في الأيام المقبلة.
خطاب نصر الله حول سلاح المقاومة
على أن الأوساط تنتقل بعد ذلك الى ملاحظة مؤشر اعتدال في الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله الأسبوع الماضي قبيل ساعات قليلة من صدور تقرير ميليس، حين تناول نصر الله موضوع المقاومة وسلاحها بصيغة فيها "جديد".
في مقاربة نصر الله لهذا الموضوع، والتي طغت عليها حَدَثيّاً أصداء تقرير ميليس، أعلن مجموعة من النقاط اللافتة. فهو أكد أن "حزب الله" لا يدعو الى التصادم مع الشرعية الدولية وإن كان لا يوافق في الوقت نفسه على تنفيذ أي قرار يتخذه مجلس الأمن بدون نقاش وبدون حساب للمصلحة الوطنية. وقال السيد ان الحزب "يزعم" أن للمقاومة واستمرارها أسباباً يصفها البعض بـ"الذرائع". غير أنه في رده على القرار 1559 من ناحية وعلى كلام تيري رود ـ لارسن حول انتفاء ما سماه "ذرائع المقاومة" من ناحية أخرى، لفت السيد نصر الله الى ثلاثة أسباب رئيسية لاستمرار المقاومة هي استمرار الاحتلال الاسرائيلي لمزارع شبعا أولاً واستمرار وجود أسرى لبنانيين في السجون الاسرائيلية ثانياً، ومقتضيات حماية لبنانية من إسرائيل ثالثاً.
المعادلة "الجديدة".. و"المرحلية"
وفي قراءة لهذه المقاربة، أعربت أوساط سياسية عدة عن اعتقادها ان "المعادلة" التي يمكن "استنتاجها" من كلام نصر الله هي الآتية: لا بحث في سلاح المقاومة قبل استعادة مزارع شبعا وتحرير الأسرى من جهة وبحث سلاح المقاومة أي البتّ به بعد ذلك "مشروط" بمشروع لحماية لبنان من جهة ثانية. وهذا مع ملاحظة ان نصر الله ربما للمرة الأولى أو من المرات القليلة التي "يحاجج" في موضوع المزارع باستخدام مقولة ان "الولايات المتحدة، تستطيع لوحدها ان تفرض على إسرائيل الانسحاب من مزارع شبعا". وقال أيضاً "أعيدوا إلينا مزارع شبعا".
وإذ تضيف الأوساط أنها لا تريد تحميل موقف السيد نصر الله ما لا يحتمل، تدعو الى ملاحظة أن المعادلة المستنتجة من كلامه تنطوي على صياغة "مُمرحلة" لموضوع سلاح المقاومة، وتبرز مرحلتان ضمناً: ما قبل استعادة المزارع وتحرير الأسرى وما بعدهما.
أما عنوان "حماية لبنان" من ضمن "أسباب" المقاومة، فلم يبدُ في خطاب نصر الله مطروحاً على نحو "مقفل"، إذا ما أُخذ في الاعتبار ما قاله مرات عدة في هذا المجال في معرض دعوته إلى الحوار حول مشروع دفاعي للبنان في وجه اسرائيل.
وهنا تقول الأوساط إن الخطبة الأخيرة للأمين العام لـ"حزب الله" تتضمن مشروعاً مقترحاً على الحكومة اللبنانية للرد على القرار 1559 بإبلاغ "المجتمع الدولي" بأن خارطة الطريق اللبنانية في التعاطي مع هذا القرار ـ الذي لا يعلن الحزب اعترافه به طبعاً ـ تبدأ من استعادة المزارع والأسرى، في حين ان "حماية لبنان" مسألة يقررها اللبنانيون في ما بينهم.. مع العلم أن ثمة "استعداداً" لبنانياً برز في الآونة الأخيرة لدرس فكرة "المشروع الدفاعي اللبناني" من ضمن الدولة.
لذلك، تعتبر الأوساط السياسية نفسها أن في الخطاب الأخير لنصر الله اعتدالاً، بمعنى أن "حزب الله" الذي لا يعترف بالقرار 1559 يتعاطى معه في المقابل بوصفه "معطىً" قائماً، وأن الحزب الذي يتابع المتغيرات حول لبنان يختار بنفسه طريقة "تكيّفه" معها محدداً ثوابت "الحد الأدنى". غير أن الأوساط التي تعتبر أن ما طرحه نصر الله يؤسس لحوار في هذا الموضوع، تطالبه مع ذلك بالمبادرة الى صوغ مشروع للحوار، وإلى اقتراح آلياته ومستويات هذا الحوار وقواه.
رابط بين الموقف من التقرير والموقف من سلاح المقاومة؟
وكما في الموقف من تقرير ميليس حيث "الدينامية" أهم من النصّ، كذلك في الموقف من سلاح المقاومة ستكون دينامية الموقف أهم، لأن "الدينامية" هي الترجمة العملية للموقف ومعها لا يعود ثمة مبرّر لـ"التنجيم" أو "التبصير"، ومعها يتضح ما اذا كان ثمة "كسب للوقت" أو تعامل "موضوعي".
غير أن الأكيد من وجهة نظر الأوساط الآنفة، هو أن ثمة رابطاً بين الموقف من تقرير ديتليف ميليس والموقف من سلاح المقاومة، على أساس أن الثنائية الشيعية عموماً و"حزب الله" خصوصاً، ينظران الى ما بعد تقرير ميليس في "السياسة"، أي الى المشروع السياسي اللبناني للمرحلة المقبلة في كافة جوانبه الداخلية وبالعلاقة مع المنطقة. وتختم بالقول أن ذلك لا يعني أن ثمة مقايضة يطرحها الحزب بين نتائج التحقيق وسلاح المقاومة، ولا يعني ان مقايضة من هذا النوع ستكون مقبولة من الآخرين، لكنه يعني ان البحث السياسي يجب أن يبدأ بين الفرقاء السياسيين، علماً أن ثمة محطة في خطاب "حزب الله" ليست بعيدة، وهي محطة خطاب السيد نصر الله في "يوم القدس" بعدَ غد، وستكون العودة الى النقاش حتمية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.