من نافل القول ان ما بعد التقرير ـ الصاعقة لرئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس غير ما قبله. فما تضمنه من وقائع وأدلة وبراهين إذ يكفي لإسكات حملات التشكيك وأصحابها "الى ا لأبد"، انما يرتب بـ "السياسة" الذهاب الى الاستنتاجات الرئيسية من دون تلكؤ. ذلك ان التقرير الذي يكاد يوازي بقوته ومفعوله حدث جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري نفسه، يشكل فرصة "تاريخية" لاستكمال المهام التي أشرت انتفاضة الاستقلال اليها ولم تستكمل في حينها لأسباب واعتبارات باتت معروفة.
أولاً ـ ان الانتقال من عنوان الحقيقة وقد باتت معطى قائماً في التقرير، الى عنوان العدالة، أي معاقبة المجرمين مخططين ومنفذين ومشاركين، يستدعي المطالبة بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة المتورطين في جريمة العصر. وإذا كانت أسباب كثيرة تسوّغ هذه المطالبة ومنها أن هذه الجريمة "متعددة الجنسية" ومنها ان القضاء اللبناني ما زال لا يملك القدرة على إجراء هذه المحاكمة، فان ثمة سبباً رئيسياً ينطلق من وصف ميليس لهذه الجريمة وطريقة تنفيذها. فرئيس المحققين الدوليين لم يكتف بوصفها بـ "الإرهابية" بل تحدث عن قدرات وإمكانات "دولة" وضعت بتصرف الجريمة، الأمر الذي يجعل تسميتها الحقيقية "إرهاب دولة" أو جريمة دولة إرهابية. ولا شك ان انطباق هذا التوصيف على جريمة اغتيال الرئيس الحريري يجعل الذهاب الى محكمة دولية هو الجواب الفعلي سواء بمرجعية ميثاق الأمم المتحدة أو بمرجعية القرار 1566 حول الإرهاب.
ولذلك، فمن الطبيعي ان تطالب الحكومة اللبنانية بإنشاء المحكمة الدولية، انطباقاً مع التوصيف، وتأميناً للعدالة والنزاهة، ومن أجل أن تكون المحاكمة "محاكمة العصر" أيضاً.
تحرير الحياة السياسية من الطبقة المافيوية العميلة
ثانياً ـ وفي المعنى السياسي العميق، فان تقرير ميليس الذي كشف الحقيقة بالأدلة والوقائع القانونية، انما فضح من دون أن يكون ذلك من ضمن مهمته، التركيبة السياسية ـ الأمنية ـ المافيوية التي حكمت البلد في ظل الوصاية السورية، أي أنه وصف من خلال وقائع الجريمة الإرهابية، "الطبقة السياسية" التي كانت في خدمة الأمن والمافيا حتى ان بعض المشاركين في الجريمة فعلوا ذلك لمصالح مالية ـ مافيوية، أي أن "الطبقة السياسية" التي صنعتها الوصاية السورية كانت في خدمة الأمن المافيوي. لذلك، فان أول ما يجب استنتاجه على هذا الصعيد هو ضرورة تطهير الحياة السياسية من هذه "الطبقة العميلة" التي أدت أسوأ الأدوار باسم العلاقة اللبنانية ـ السورية تارةً و"الخط" تارة أخرى.
ان تطهير الحياة السياسية من هؤلاء، لا يكون فقط عبر تحرير السياسة من الأمن وإخضاع الأمن للسياسة، بل بعملية قانونية ـ سياسية متكاملة تعيد تأهيل قوى العمل السياسي في لبنان بحيث يستقيم الوضع السياسي على سوية طبيعية ديموقراطية، وبحيث يستعاد السياق الطبيعي لانتاج الطبقة السياسية.
اعادة تشكيل السلطة
ومسؤولية لحود في الجريمة
ثالثاً ـ ان تقرير ميليس الذي يقطع بدور النظام الأمني السوري ـ اللبناني المشترك في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، يفترض أن يترافق مع موقف سياسي من الجميع، لكن من قوى الغالبية النيابية ـ السياسية بالدرجة الأولى، يؤكد ان المرحلة الانتقالية التي كان على لبنان أن يجتازها في الأشهر الماضية يجب أن تنتهي. ومعنى أن تنتهي هذه المرحلة الانتقالية، الأمر الذي يوفر له تقرير ميليس فرصة تاريخية، هو أن تُستأنف عملية إعادة تشكيل السلطة.
ان رئيس الجمهورية إميل لحود مسؤول في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد. فها هو تقرير المحقق الدولي يوثّق مسؤوليات الطاقم الأمني للحود في هذه الجريمة، حيث كان لكل واحد من القادة الأمنيين دوره في هذه الجريمة، وأكثر من ذلك فان الأوامر والتوجيهات كانت تصدر من القصر الجمهوري، إن لم يكن من مكتب لحود فمن مكاتب مجاورة استباحها قائد حرسه مصطفى حمدان. وغدا القصر الجمهوري في بعبدا على مرأى من لحود أو سمعه أو "تطنيشه" مرتعاً لتنظيم الجريمة، لا بل غدت الخطوط الهاتفية للقصر وسيلة الاتصال بين المجرمين المخططين والمجرمين المنفذين، حيث يستطيع مسؤول أمني في إحدى "فرق الموت" الاتصال بالخط الخلوي الخاص للرئيس متصرفاً بـ "مونة" مع الرئيس والرئاسة.
لا يستطيع إميل لحود الدفاع عن نفسه، وما قاله أمس عبر مستشاره الإعلامي هو إمعان في الجريمة وتثبيت لمسؤوليته عنها ولو بالحدود الدنيا الأخلاقية والسياسية. وليس مهماً ما قاله نفياً لواقعة اتصال مسؤول "الأحباش" أحمد عبد العال به ولا رفضه للمحكمة الدولية باسم ثقة مزعومة بالقضاء اللبناني، كما ليس مهماً أن يبقى منتظراً "التعليمة السورية" التي تبدو حتى الآن تعليمة "تخشّب" وعناد ومغامرة... فواجبه إن كان ثمة حد أدنى من الحرص على موقع رئاسة الجمهورية، أن يبادر الى تعليق ممارسة مهامه على الأقل.
على أن اللبنانيين ينتظرون اليوم موقف المرجعيات المسيحية، فهي المطالبة بالمبادرة الى إنقاذ موقع الرئاسة بعد الفضيحة، وأن تعدّ نفسها لإخراجه من بعبدا.
"القيادة العامة" وآلة القتل..
و"الأحباش" وفرق الموت
رابعاً ـ وأتى تقرير ميليس ليسلط الضوء على مسألة سياسية ـ أمنية خطيرة، ليس فقط بإشارته الى دور "الأحباش" في جريمة الاغتيال لا بل اعتباره دورها محورياً في الجريمة وفق أدلة كبيرة، وباشتباهه بـ "القيادة العامة" الفلسطينية في الجريمة.
ان ما ذكره التقرير بشأن "القيادة العامة" ودورها التنفيذي في مخطط اغتيال الرئيس الشهيد، يعطي بمفعول رجعي المشروعية لموقف الحكومة اللبنانية من السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، حيث لم يعد ثمة مجال بعد التقرير للشك في أن ليس للسلاح خارج المخيمات أي وظيفة تتعلق بالقضية الفلسطينية إذ يُكتشف انه جزء لا يتجزأ من "آلة القتل" السورية في لبنان، أي سلاح أمني جرمي. وعليه، لا بد أن يشكل الكشف عن دور "القيادة العامة" من ضمن آلة القتل هذه، مادة مكاشفة مع الفصائل التي تعبر عن "قضية"، لدعوتها الى مساعدة الدولة في إغلاق مواقع القتل باسم القضية.
والأمر نفسه ينطبق على "الأحباش"، هذا التنظيم الذي تبين انه من "فرق الموت" التي أسستها المخابرات السورية وخضعت لمصطفى حمدان.
ان أهمية تقرير ميليس في هذا المجال انه يزكي الكلام الذي أكد ان الوضع الأمني يقتضي لاستقراره مطاردة وتفكيك هذه الشبكات التي تشكل جزءاً عضوياً من البنية المخابراتية التي روّعت اللبنانيين وانقضّت على الحياة السياسية فكانت أداة من أدوات الإرهاب.
أداء الغالبية لا يحميها
خامساً ـ ان تقرير ديتليف ميليس هو اذاً فرصة لتجاوز المرحلة الانتقالة، سياسياً وأمنياً، باتجاه محكمة دولية لمحاكمة إرهاب الدولة المنظم، ونحو تحرير الحياة السياسية من الطبقة المافيوية العميلة، ومن أجل إعادة تشكيل السلطة. غير ان الدقة والأمانة تقتضيان القول ان رد الفعل من قبل القوى التي شكلت مفاصل في انتفاضة آذار، لم يكن حتى يوم أمس بمستوى "الصاعقة" التي نزلت على البلد. فلا التقرير استدعى مواقف ولو أولية، ولا هو استدعى لقاءً سياسياً... ولا حرك "حمية".
ان هذا الأداء لا يحمي عملية البناء السياسي ـ الأمني الجديد، بل هو أداء "تشتيتي" ذو كلفة سياسية كبيرة. صحيح ان ثمة تدارساً للمرحلة يجب أن يحصل، لكن اذا كان من المؤسف ان هذا التدارس لم يحصل قبل الآن، فمن المؤسف أكثر أنه لم تحصل دعوة اليه.. وهذا ما يجب تداركه بسرعة حماية للمعطى ـ الإنجاز أي تقرير ميليس، وحماية لعمل الحكومة في هذه الفترة، وتنكباً لمهام تأسيسية بكل معنى الكلمة.
لبنان ينتقل الى مرحلة جديدة. ولا شك انه بحاجة الى رؤية سياسية تظلل المهام المشار اليها آنفاً، رؤية تتضمن توافقاً وطنياً على خطاب جديد، بحيث لا يختبئ أحد وراء أصبعه، ولا يلاقي المرحلة بلغة خشبية. والأهم هو أن تقرير ميليس يكرس فرصة دعم عربي ودولي استثنائية للبنان حيث العالم كله مستنفر الى جانب لبنان الا لبنان نفسه. فهل من يبادر الى "الجمع"؟ وهل من يتقدم بمشروع لرؤية مشتركة بين الفرقاء جميعاً؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.