8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تعامُل "حزب الله" مع تقرير ميليس يرتبط بشكوكه السياسية في الراهن والمستقبل

غداً يسلّم رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي ديتليف ميليس تقريره الى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن والحكومة اللبنانية. قد يُكشف مضمونه خلال ساعات وقد لا يُعرف مضمونه قبل الثلاثاء المقبل موعد مناقشته في مجلس الأمن.
كيف سيتعامل "حزب الله" مع تقرير ميليس؟
فيما تطرح الأوساط السياسية هذا السؤال انطلاقاً من المواقف التي عبّر عنها الحزب في هذا المجال وعلى أساس الاهتمام بما سيكون عليه موقف هذا الفريق الأساسي، يبدو أن للحزب موقفاً "مركّباً" تتداخل فيه اعتبارات وحسابات عدة.
تقرير مبنيّ على قراءة سياسية أم على معطيات يُعتدّ بها؟
يقول مصدر قيادي بارز إن خوف "حزب الله" هو من أن يكون التقرير مبنياً على قراءة تحليلية للواقع السياسي في المرحلة التي سبقت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأن تكون أحكامه تالياً مؤسّسةً على "ظنّ سياسي" وإذ ذاك سيأخذُ التقرير البلد الى متاهات سياسية أو الى انقسام سياسي بينما يفترض بنتائج التحقيق أن توحّد الوضع اللبناني.
لكن التقرير إذا تضمّن في المقابل وقائع وقرائن يبني استنتاجاته على أساسها، فعندئذٍ لن يكون مخيفاً حتى لو سمّى مشتبهاً بهم سوريين الى جانب مشتبه بهم لبنانيين.
بيدَ أن ما تقدّم من زاوية "طبيعة" ما سيتضمّنه تقرير ميليس وما سيشير إليه، ليس سوى "نقطة" في "بحر" ما يفكّر "حزب الله" به. ففي حال أتى التقرير متضمّناً معطيات يُعتدّ بها للاتهامات، أي في حال كان تقريراً بالحقيقة بالفعل، فإن الحزب الذي لم يحدّد موقفاً رسمياً حيال الجهة التي سيُحال إليها ملفّ التحقيق لإجراء المحاكمة، يبدو متخوّفاً من قيام محكمة دولية ينظرُ بـ"ريبة" مسبقة إليها وإلى من يقف وراءها وإلى من يمكن أن تتشكّل منها، وذلك بالعلاقة مع ريبته الدائمة من أن يختلط القضائي بالسياسي في محكمة من هذا النوع.
هل تُربط "الحقيقة" إذا تأكدت بملفّ الضغوط الدولية؟
على أن "حزب الله" لا يقف هنا. فإذا زالت الشكوك بالتقرير استمرّت حيال وجهة التوظيف السياسي "المحتمل" لهذا التقرير، خارجياً بصورة خاصة. لذلك فإنه يسأل أسئلةً كثيرة تعكسُ قلقاً سياسياً، من نمط الأسئلة الآتية:
1 ـ لو سلّمنا جدلاً بأن تقرير ميليس سيتضّمن الحقيقة، فهل للبنان أو أي فريق سياسي فيه مصلحةٌ بأن يُربط "ملفّ الحقيقة" المفترضة بسائر ملفّات الضغط الدولي الأخرى على سوريا ولبنان، وهل ثمّة قدرةٌ على فكّ ارتباط هذه الملفّات ببعضها أصلاً؟
2 ـ ولو تمّ التسليم جدلاً بأن تقرير ميليس سيتضمّن الحقيقة، فهل ينتظر لبنان نتائج المحاكمة أو يكتفي لإنهاء الانتظارية بما وصلَ إليه التحقيق وبالتجاوب المنتظر من جميع الأطراف مع نتائجه ومقتضيات متابعته؟
أين حدود "الحقيقة" بالنسبة الى العلاقة بسوريا؟
3 ـ هل يمكن أن تستمرّ العلاقةُ بسوريا أسيرةً للتحقيق ثم للمحاكمة أم أن ثمّة "مخارج" يجب التفتيش عنها للعلاقة اللبنانية ـ السورية؟
4 ـ هل ثمّة خطوط حمر وضَعها الفرقاء الرئيسيون من أجل عدم الانسياق وراء "معارك الآخرين" ضدّ سوريا ونظامها أم أن هكذا خطوط غير قائمة ولا شيء يمنع الانزلاقات الخطيرة؟
5 ـ ما هي الرؤية السياسية التي ستجمعُ اللبنانيين في المرحلة المقبلة؟
وإذ لا يخفى أن الأسئلة التي يطرحها "حزب الله" تعكس، الى القلق، تشكيكاً في أداء فرقاء سياسيين عديدين خلال هذه الفترة، تراه يقرنُ القلق والتشكيك بـ"بعض" اليقين. فالحزب يطرح أسئلته الآنفة وغيرها مقرونةً بانتقادات للفترة السابقة يلاحظُ عبرَها أن هذه الفترة السابقة شهدت ما يسمّيه استعجالاً في الخيارات السياسية.
شكّ الحزب في الأداء السياسي:
لماذا تضخيم السلاح الفلسطيني؟
وإذا كان جزءٌ من الانتقادات معروفاً لأنه أعلن سواء في ما يتعلّق بطلب الاستعانة بالخبرات الأجنبية ـ الأميركية خاصة ـ في الجانب الأمني ـ اللوجيستي، أو ما يتعلق بـ"الظروف السياسية" للدعم الاقتصادي الدولي للبنان، فإن الحزب يكشفُ أن تأييده طلبَ الحكومة تمديدَ انتداب فريق التحقيق الدولي حتى 15 كانون الأول المقبل، كان "اضطرارياً" نوعاً ما، كي لا يُفهم من التحفّظ أو الاعتراض أنه لا يريد للتحقيق أن يصل الى نتائج، في حين أنه كان يرى أن على ميليس أن يطلب بنفسه التمديد مِن مرجعيّاته الدولية إذا كانت تحقيقاته لم تنتهِ، أما إذا كانت انتهت فالتمديد بحجة "الرعاية الدولية" يثير علامات استفهام.
.. ولماذا أبو مازن؟
غيرَ أن "حزب الله" يعتبر أنه أُخذ على حين غرّة بالمسألة الفلسطينية. ويرى أن مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات أُثيرت فجأة، وجرى تضخيم الكلام عن تهريب أسلحة بـ"شهادة الأجهزة الأمنية اللبنانية المعنيّة"، ولم يوضَع كفريق أساسي مسبقاً في صورة التوجّه الذي تريد الحكومة ورئيسها اعتماده، ثم "فجأة" يطرح هذا الموضوع من خارج جدول أعمال مجلس الوزراء. وإذ يلفتُ الحزب الى أنه ليس قاصراً عن "تفهّم" الدوافع "إذا شرحت وإذا جرى الإفصاح عن البداية والنهاية كي لا نكون أمام أمر واقع تنفيذ القرار 1559 من مدخل السلاح الفلسطيني"، فإنه يسارع الى طرح عنوان سياسي لافت: لماذا يتمّ اعتماد الرئيس محمود عبّاس عنواناً للموضوع الفلسطيني وفي هذا الوقت بالذات وعلى أساس أي خيار سياسي وهل ثمّة اتفاق عام على ذلك؟
في ضوء هذه المقدّمات، أسئلةً وشكوكاً، يمكنُ استنتاج أن الموقف "المركّب" لحزب الله حيالَ تقرير ميليس، ليس شديد التعقيد في الواقع... فالموقف من التقرير مرتبط بالشكوك حيال الأداء السياسي في الفترة السابقة وبالشكوك إزاء الأداء الداخلي والخارجي في مرحلة ما بعد التقرير. وهذا ما يمكن استنتاجه أيضاً مِن تقييم الحزب لواقع العلاقة بينه وبين القوى السياسية الأخرى حيث يعتبر أن التواصل معها هو "ما دون الحوار السياسي العميق".. باستثناء الحوار مع رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط.
وفي قراءة لمقاربة "حزب الله" بالنسبة الى تقرير ميليس مقرونةً بالشكوك والهواجس حيال المواقف السياسية التي يقول الحزب إن "بعضها قد يكون ناتجاً عن عدم دقة، وبعضها الآخر عن قلة تقدير، وبعضها الثالث عن إنسياق معين"، تبدي الأوساط السياسية عدداً من الملاحظات على النحو الآتي:
حقّ الحزب في حصول حوار عميق
أولاً ـ تعتبر الأوساط بدايةً أن "حزب الله" محقّ في وصفِه لواقع حال العلاقات السياسية بأنها "ما دون الحوار العميق"، وفي تساؤله عن غياب هذا الحوار وغياب الرؤية السياسية للمرحلة المقبلة. لكن الأوساط التي "تعترف" بهذا القول الحقّ ترى أن "حزب الله" أيضاً لم يبادر في الفترة السابقة لا الى تنظيم حوار ولا الى تقديم مشروع له، بل ظلّ خلال هذه الفترة في موقع المستعدّ لـ"تلقّي" مبادرات وليس في موقع "المرسِل" لمبادرات.
ثانياً ـ وتضيفُ أن مقاربة الحزب لتقرير ميليس، ما قبلَه وما بعدَه، بقدر ما هي صريحة، فإنها تفيدُ أنه لن يكون "سهلاً" في تعامله مع ردّ الفعل السياسي الذي يمكن أن يصدر عن القوى المقتنعة بأن تقرير المحقق الدولي سيعكسُ حقيقة "مجرّدة". والأهمّ من وجهة نظر الأوساط أن "حزب الله" الذي يقرأ الأداء السياسي في الفترة السابقة بوصفه "استعجالاً" وليس بوصفه "تكيّفاً" مع متغيرات المرحلة ومحاولةً لتحصين البلد من العديد من التداعيات، يبدو أنه لا يزال غير مقتنع بأن تكيّفات رئيسية يجب أن تحصل في ظلّ المتغيّرات الكبرى.
تكيّفات مطلوبة وليس استعجالاً
ثالثاً ـ وفي هذا السياق، تلفتُ الأوساط الى أن الحديث عن تكيّفات يعني بالنسبة إليها أن ينوجدَ مشروع لبناني مشترك يخاطبُ المرحلة المقبلة، ويعلن إمساك اللبنانيين بزمام المبادرة بما في ذلك حيالَ المطالب الدولية مِن لبنان. وبكلامٍ آخر تعتبر الأوساط أن خطاب المرحلة الانتقالية الذي لاذَ بمقولة "الحوار للبننة القرار 1559" لم يعد كافياً والمطلوب خطاب جديد.
سلاح المقاومة: "خارطة طريق" ممكنة
رابعاً ـ وإذ تدعو "حزب الله" الى المساهمة في المشروع اللبناني المشترك، تلفت الأوساط الى أنها تعتقد أن مسألة سلاح المقاومة على أهميّتها ليست المسألة الأهمّ. وتقول إن اتفاقاً يمكن أن يحصل بين اللبنانيين بشأن سلاح المقاومة، فتوضع له "خارطة طريق" كأن يتمّ ربطُه في مرحلة أولى باستعادة مزارع شبعا وتحرير الأسرى من السجون الإسرائيلية، ثمّ في مرحلة ثانية أو بموازاة المرحلة الأولى الاتفاق على مشروع دفاعيّ لبناني في وجه إسرائيل من ضمن الدولة، ثم خطّة زمنية "مريحة" لانتفاء مبرّر السلاح.. ولكن دائماً تحت عنوان أن أحداً لا يريد "نزع" سلاح "حزب الله".
مساهمة "حزب الله" في بناء دور لبنان في المنطقة
خامساً ـ وفيما ترى الأوساط أن الردّ بـ"خارطة طريق" لبنانية على القرار 1559 من شأنِها أن تحول دون استفحال الضغوط والتدخّلات الخارجية، تؤكد أن الجانب المهمّ الذي لحزب الله دورٌ فيه هو المساهمة ليس فقط في إدخال الشيعة الى الدولة، بل إغناء مشروع الدولة وتحصين موقع الشيعة، إضافة الى تعزيز دور لبنان في المنطقة، سواء تعلّق الأمر بالعلاقات الإسلامية ـ الإسلامية أو الشيعية ـ السنية، أو تعلّق بالعلاقات اللبنانية ـ الإسلامية أو العلاقات اللبنانية ـ العربية ـ الإيرانية.
"له" و"عليه"
سادساً ـ وتعتبر الأوساط أن "حزب الله" له على اللبنانيين لكن "عليه" تجاه اللبنانيين في المقابل. "له" حقّ حماية كل اللبنانيين للحزب ومقاومته. و"له" حقّ المشاركة في بناء الدولة و"تطعيمها" بإرثه الثقافي والسياسي. و"له" حقّ ضمان تطوير الاستقلالية اللبنانية عن الخارج. و"له" أنه مكوّن أساسي في "لبنان الجديد". و"له" واجب تمسّك اللبنانيين بمواجهة المشروع الصهيوني. لكن "عليه" أن يقرّ بأن لبنان لا طاقة له ضمن المعطيات العربية والإقليمية والدولية على احتمال "مشروع فوق لبناني" أو مشروع لبناني خارج الدولة. و"عليه" أن يستجيب لما يدعوه اللبنانيون إليه من مساهمة ثقافية ـ سياسية في بناء الغد اللبناني.
سابعاً ـ وتقول إنه إذا كان يحقّ للحزب أن يطلب من الآخرين ضمانات سواء تعلّقت هذه الضمانات بموقع لبنان من إسرائيل ومن التدخّلات الدولية، فإن الكلّ مطالبٌ بأن يعطي الضمانات للكلّ، وذلك عبر التأسيس على الطائف وتعزيزه بتفاهمات وطنية رئيسية. وفي تقديرها أن على "حزب الله" أن يدرك أنه هو نفسه إحدى الضمانات في عملية بناء لبنان المستقبل، وهو عامل قوّة لمواجهة مشاريع الوصاية على لبنان إذا أراد.
دور الحزب في منع الوصاية
ثامناً ـ وتؤكد أن السبل لن تضيق أمام حوار ينتج رؤية سياسية تتضمّن المباشر وما يتعلّق منه بالتعاطي مع المطالب الدولية، وتتضمّن المرحليّ المتعلّق ببناء الدولة من ضمن التوجّهات العامّة المشار إليها آنفاً، وبتجديد بناء دور لبنان. وتختمُ بأن ذلك "التكيّف" ليس خضوعاً للولايات المتحدة والغرب، بل هو حاجةٌ لبنانية تأخذ في الاعتبار المتغيّرات وتحوّلها من احتمال مشكلة الى فرصة ممكنة. والمهمّ من وجهة نظرها أن يطمئن "حزب الله" الى أن مرحلة ما بعد تقرير ميليس والتي يتوقّف على أدائه فيها شطرٌ رئيسيّ من طبيعتها، لن تكون مرحلةَ انقلاب على تراثه الذي دخلَ في صلب التراث الوطني اللبناني.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00