8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إنهيارُ قوى الحملة المضادّة للحقيقة عشيّة تقرير ميليس "المليء"

مع بداية "أسبوع ميليس"، تتوافرُ مجموعةٌ من المؤشرات الى أن التقرير الذي سيصدره رئيس لجنة التحقيق الدولية يوم الجمعة المقبل سيشكّل بالفعل محطّة فاصلة ليس فقط على مستوى التحقيقات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بل على صعيد مجمل الوضع السياسي أيضاً.
وفاةُ كنعان بين "الصفقة" و"تكتيك الفساد"
أولاً ـ لقد شكّلت الوفاة "اللغز" لوزير الداخلية السوري غازي كنعان النقطة الحاسمة في كون تقرير ديتليف ميليس مليئاً وليس فارغاً.
وفي المعلومات المتوافرة مِن مصادر مطّلعة أن "انتحار" كنعان حصلَ بعد نحو ثمان وأربعين ساعة من عودة رئيس الاستخبارات العسكرية السورية اللواء آصف شوكت من جولةٍ ذُكر أنها قادته الى القاهرة والرياض وباريس قدّم خلالها عرضاً سورياً بصفقة تقضي بتنازلات سورية كبيرة في العراق وفلسطين ولبنان في مقابل عدم تجاوز التحقيق ـ والمحاكمة ـ مستوى معيّناً في النظام السوري. وبحسب المعلومات فإن شوكت عاد خاليَ الوفاض ليبلّغَ المسؤولين عنه أن أبواب الصفقة "مغلقة".
وفي المعلومات أيضاً أن أركان النظام بحثوا عندئذٍ "الخطة" البديلة أو "التكتيك" البديل. وفُهم أن هذا "التكتيك" قضى بالتضحية برؤوس أمنية منها غازي كنعان، عبرَ الكلام عن أن الضبّاط الأمنيين الذين "خدموا" في لبنان ربطتهم علاقة فساد بالرئيس الشهيد، وأنهم لذلك لا يمكن أن يقدموا على قتله نتيجة المنفعة، أو إذا أقدموا على ذلك فيكون السبب مافيوياً وليس سياسياً، ولا علم بالتالي للقيادة "السياسية" بالجريمة. وهكذا يصيب النظام عبرَ هذا "التكتيك" عصفورين بحجر واحد: من جهة يبرّر النظام أمام العسكريين والأمنيين كما أمام السوريين التضحية بكنعان وغيره تحت عنوان الفساد، ومن جهة أخرى يزوّر طبيعة الجريمة المرتكبة بحقّ الرئيس الحريري، وما بينهما يقطع التحقيق بتضليله، لا سيّما إذا كان كنعان مرشحاً لأن يكون "الشاهد الملك" في الجريمة.
وفي المعلومات أيضاً وأيضاً، أنه وفي ضوء هذا "التكتيك"، سلّم شوكت المحطة التلفزيونية المعروفة تقريراً عن فساد كنعان وخلفِه رستم غزالي طالباً إذاعته مساء الثلاثاء الماضي. فهمَ كنعان الرسالة فانتحر.. أو احتجّ فنُحر.
الحملةُ المضادة في أيامها الأخيرة استقوت
بفرضيّة "الصفقة"
ثانياً ـ يستدلّ من المعلومات الآنفة على أن وفاة كنعان حصلت على خلفية التحقيق الدولي والمحطة المتقدّمة التي بلغها، حيث فهم النظام أن تقرير ميليس سيتضمّن "أشياء" كثيرة.
غير أن اللافت في موازاة ذلك، كان الارتباك الذي أصابَ خطة سوريا وحلفائها في لبنان، في موازاة وفاة غازي كنعان وبعدَها، علماً أن أحداً لا يعرف ماذا حلّ برستم غزالي الذي تناوله تقرير آصف شوكت الى المحطة التلفزيونية.
كانت ثمة خطة سورية تقضي بالحملة على التحقيق الدولي، تارةً بزعم أنه مسيّس وأخرى بزعم أنه فارغ. وبدَت الحملة مطمئنّة الى أن التقرير لن تكون له تداعيات سياسية على أساس أن العرض "السخيّ" الذي قدّمه النظام سيكون مقبولاً حتماً. وأكثر من ذلك، فقد بدت الحملة مستقوية بوضعيّة "الشاهد" محمد زهير الصدّيق. فبعدَ حملات على هذا "الشاهد النصّاب والكاذب"، انتقلت "الأجواء السورية" فجأة الى تعميم أن الصدّيق اختراق مخابراتي سوري للجنة التحقيق الدولية.. الى أن اكتُشف أمرُه وتمّ توقيفه بإشارة من اللجنة.
وكانت "الخطة" التي بدت مطمئنّة ومستقوية، تقضي بوضع حلفاء الحقيقة في موقع دفاعيّ. ولم توفّر وسيلةً بما في ذلك تحريك السلاح الفلسطيني الموالي لسوريا خارج المخيّمات جزءاً من الهجوم. وعادَ الى الظهور "المستقوي" رموزٌ من الحقبة السابقة تحت عنوان تجميع الصفوف من جديد والتحضير لتحرّك سياسي ـ شعبي يواكب صدور تقرير ميليس، ويعدّ لـ"انقلاب" سياسي يُسقط الحكومة. وهكذا أطلّ الرئيس عمر كرامي والنائب السابق سليمان فرنجية والوزير السابق وئام وهّاب وغيرهم وراحوا يتحدّثون بلغة المرحلة السابقة.
"التورّط" السياسي لعون
وقد تورّط العماد ميشال عون أو جرى توريطه. وراحَ يطلقُ المواقف التي تصبّ في النهاية في مصلحة الهجوم على قوى الحقيقة. وهكذا استمرّ عون يتصرّف بوصفه حاجزاً أمام إميل لحود الى أن تُفتح أبوابُ الرئاسة له، وشنّ هجمات على "تيّار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري (كما على رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط)، وأعلن رفضه ما سمّاها "سرقة رئاسة الجمهورية"، وكرّر الحديث عن "نصف حقيقة" فقال إنهم (الغالبية النيابية) يريدون أن نسيرَ معهم في الحقيقة حول جريمة الاغتيال بينما لا يريدون أن يسيروا معنا في الحقيقة حول الفساد. والمؤسف أن عون الذي ما فتئ يتكلم على الفساد، كرّر كلامَه هذا في لحظة انكشاف التكتيك السوري الجديد القاضي بتزوير أبعاد الجريمة التي استهدفت الرئيس الشهيد والوزير باسل فليحان ورفاقهما، وللقول إمّا أنها لم تحصل وإمّا أنها "مافيوية" وليست سياسية.
إذاً، الحملةُ هذه ارتبكت في الأيام الماضية بعد وفاة كنعان، وإن كانت لم تصمت بعد، وغلَبت على الوضع حقيقة أن تقرير ديتليف ميليس ليس عادياً، وبالتأكيد هو ليس فارغاً.
الحركة الدولية الناشطة.. والمحكمة الدولية
ثالثاً ـ وإلى المؤشرَين السابقَين أي وفاةُ غازي كنعان وارتباك الحملة المضادّة على التحقيق الدولي، برز خلال الأيام الأخيرة، مؤشّرٌ بالغ الأهميّة يتمثّل في الحركة الدولية النشطة المواكبة لفترة صدور تقرير ميليس.
فمن مواقف الرئيس الأميركي جورج بوش، الى تصريحات الناطقين باسم الإدارة الأميركية نفياً لـ"صفقة" مع النظام السوري وتجديداً للمطالب من سوريا، الى تحرّك وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ولقائها الرئيس الفرنسي جاك شيراك ودعوته مجلس الأمن الى استخلاص النتائج من تقرير المحقّق الدولي... كل ذلك أعطى إشارةً واضحةً ليس فقط الى اهتمام الأسرة الدولية بالتحقيق ونتائجه، بل الى تقدير المجتمع الدولي أن التقرير يحتوي تحديداً لشُبهات بـ"دليل" التحرّك السوري لعرض صفقة تسبقُ هذا التقرير، وإشارة الى أن المجتمع الدولي سيَبني على التقرير الاستنتاجات القانونية والسياسية.
ولا سرَّ في القول أن هذا الاستنفار الدولي المواكب للتقرير بنتائج التحقيقات، لا يُمكن أن يُصرف بتحويل التحقيق الى محكمة عادية، لا بل إن كل المؤشّرات تدلّ على نيّة مجلس الأمن الأخذ بخيار "المحكمة الدولية" انطلاقاً من التقرير "الاتهامي" لديتليف ميليس.
الإطلالةُ على المستقبل: ماذا لو نجح المهاجمون؟
إذاً، في ضوء ما تقدّم مما هو مبنيّ على معلومات وعلى تحليل في آن، يُستنتج أن الأيام الماضية حملت معطيات ترجّح الحقيقة على الحملة المضادّة وحملَت معطيات عن انهياراتٍ في صفوف قوى هذه الحملة عبّرت عن نفسها بصيَغٍ مختلفة.
بيدَ أن الإطلالة على المرحلة التي تلي صدور تقرير ميليس، محكومةٌ بأن تأخذ في الاعتبار حقيقةً رئيسية: لو قدّر لموت غازي كنعان أن يمرّ مروراً عابراً، ولو قدّر أن ترى الصفقة المعروضة من النظام السوري النور، ولو قدّر أن تُحبَطَ "قوى الحقيقة" في لبنان تحت ضربات الحملة المضادّة.. لتحقّق انقلاب مضادّ كان هدفُه المعلن من دون مواربة إلغاء مفاعيل استشهاد الرئيس رفيق الحريري وانتفاضة 14 آذار، وإلغاء القوى السياسية المساهمة في الانتفاضة، وربما قتلُ رموزها، وصولاً الى إعادة عقارب الساعة الى الوراء.
من هنا، فإن الإطلالة على مرحلة ما بعد تقرير ميليس، لا بد أن تكون واعيةً لحجم التغيير المطلوب سواء على مستوى أداء الأكثرية النيابية ـ السياسية أو على مستوى التجديد في النظام السياسي. وبكلامٍ آخر، كانت سوريا و"جوقتها" في لبنان لـ"تقتُلا" خصومهما ولـ"تنقضّا" على التوازن السياسي، الأمر الذي لا يعني اللجوء الى "الثأر" لكنه يعني "الحسم" في الخيارات.
مبادرةٌ.. وخطاب سياسي للمرحلة الجديدة
وعلى هذا الأساس، لا مفرّ من الاعتراف بأن المطلوب ابتداءً من يوم صدور تقرير ميليس ومواكبةً لمفاعيله، هو مبادرة تجمع صفوف القوى الرئيسية في البلاد بدءاً من قوى الأكثرية النيابية، و"استقطابُ" الشركاء الرئيسيين من خارج هذه الأكثرية النيابية حول خطاب سياسي جديد يتضمّن رؤيةً الى المرحلة المقبلة.
ويجب الاعترافُ هنا بأن "خطاب المرحلة الانتقالية" لا يصلُح للمرحلة المقبلة الجديدة. فخطابُ المرحلة الانتقاليّة كان أشبه بعملية ترحيل للمسائل الرئيسية الى أمد غير منظور تحت عنوان "الحوار" الذي لم يحصل فعلاً، في حين أن المرحلة المقبلة ـ الجديدة تفترض رؤية موحّدة تُطمئن كل اللبنانيين، وتؤكّد قدرتهم على حكم أنفسهم بأنفسهم. وبكلامٍ صريح، إن كل الطوائف في لبنان ولأسباب مختلفة تمرّ بـ"قلق" يعود الى هواجس كل طائفة من جهة وإلى هواجسها من "الطوائف" الأخرى من جهة ثانية. فثمّة قلقٌ شيعي وآخر مسيحي وثالث سنّي ورابع درزيّ إلخ... ولا مفرّ من أن تخاطب المبادرة المطلوبة، أي الخطاب الرؤيوي الجديد كل هذه الهواجس فتصوغ دور الجميع في إطار الوحدة اللبنانية... وإلاّ يكونُ البلد قد خسر معركة استقلاله وسيادته.
إن مجرد التفكّر بما كان سيحلّ بالبلد لو أن المعطيات كانت مغايرة، يُفترض أن يختصر الطريق نحو استيعاب تقرير ميليس، والشروع في بتّ ما جرى استئخارُه حتى الآن. الموقف السياسي يُحصّن وعلاقات الثقة بين الطوائف تُحصّن.. و"الوعي الأمنيّ" لدى الحكومة والمؤسسات الأمنية يُحصّن أيضاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00