8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي والتوجّه المفترض إلى كسر ثنائيّة 14 آذار ـ 8 آذار

من بين قلائل جداً لم يعلقوا على مسار التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، في العلن على الأقلّ، ولم يدخلوا في سجال استباقي بشأن تقرير رئيس اللجنة الدوليّة ديتليف ميليس، يقف الرئيس نبيه بري في الطليعة.
من البداية إلى النهاية اكتفى الرئيس برّي بالدعوة إلى انتظار نتائج التحقيق، وشدّد على أنّ الحقيقة ستظهر، معرباً عن أمله في أن يشكّل التقرير علامة جمع بين اللبنانيين وليس علامة قسمة (وفتنة).
في مجالسه الخاصة التي لم يعد ثمة مكان فيها لصحافيين محبين أو أكثر محبّة له من غيرهم، كما في بعض اللقاءات السياسيّة، يكرّر بري أنّ دماء الرئيس الحريري أمانة في عنقه وأنّ الحقيقة يجب أن تظهر ولا بدّ أن يبنى عليها المقتضى، ويذكر من نسي أو تناسى أنّه اتخذ من البداية صفة الادعاء باسم مجلس النواب في هذه القضية، ما يعني بالنسبة اليه متابعة الحقيقة إلى أن "تكتب".
غير أنّ بري الذي مارس سياسته بعدم استباق تقرير ميليس مشدداً على عدم الاستعجال طالما أنّ الرئيس جورج بوش نفسه يعلن انتظار ما في هذا التقرير، أعطى في الآونة الأخيرة مجموعة من الإشارات السياسيّة اللافتة:
الانتقاد للحكومة من يوقع المشارك فيها...
ثم الصمت
أولاً ـ في معرض الانتقادات التي وجهها قبل فترة إلى الحكومة سواء من مدخل المسألة الأمنية أو من زاوية عناوين الخصخصة، لم يخرج رئيس المجلس النيابي من دائرة الحرص المعلن على ألا تصاب الحكومة بالشلل الأمني عبر استئخار التعيينات الأمنية وخطة تفعيل المؤسسات المعنية بهذا العنوان المركزي، والحرص على ألا تصاب الحكومة بـ"الانتظاريّة" بحجة أنّ تقرير ميليس هو المحطة التي ستسمح للحياة الدستوريّة والسياسيّة بالانطلاق. كذلك، ساهمت توضيحاته في جلاء مقاصده بالنسبة إلى الخصخصة إذ لم يكتفِ بالتذكير بدوره في إقرارات التشريعات التي مهدت لباريس ـ2 في المجلس السابق، بل أكد الاستعداد لمواكبة الحكومة في جهودها الإعدادية للمؤتمر الدولي لدعم لبنان المزمع عقده قريباً ولمناقشة كلّ قطاع من القطاعات على حدة.
بكلام آخر، إذا كات انتقادات بري خلقت "التباساً" في الصياغة وفي التوقيت في حينها، فإنها في واقع الأمر لم تكن مختلفة جوهرياً عن انتقادات شريك آخر في الحكومة هو "اللقاء الديموقراطي" برئاسة وليد جنبلاط.
ثانياً ـ وفي جلسة المناقشة النيابيّة العامة التي خصصت للموضوع الأمنيّ، لاحظ المراقبون أنّ أياً من نواب كتلته لم يتحدث أو يثر تحدياً ما في وجه الحكومة.
إشارة إلى مسافة سلبية من لحود
ثالثاً ـ وفيما يلفت الوسط السياسي إلى الانتقادات التي وجهها إلى ذهاب رئيس الجمهورية إلى نيويورك، ولو في سياق انتقاده لمظهر الانقسام اللبناني أمام العالم، وإذ يذكر الوسط السياسي بأنّ الرئيس بري كان أول من أثار علناً مسألة حضور الرئيس اميل لحود منفرداً أمام وفد الأمم المتحدة برئاسة الأمين العام كوفي انان، فإنّه يذكّر بأنّ رئيس المجلس امتنع منذ إعادة انتخابه في تموز الفائت عن عقد اللقاء الأسبوعي في بعبدا مع لحود، مع كلّ الدلالات الرمزيّة والسياسيّة لذلك.
رابعاً ـ والمؤكد أنّ بري يحافظ على الجسور بينه وبين وليد جنبلاط ولا يقطعها، وهو أبلغ أحد المقربين من الزعيم الاشتراكي أخيراً أنه يؤيد المواقف الوطنية التي يعبر عنها رئيس "التقدمي" وممثلوه، وأنّه يرفض الاتهامات التي توجه إلى جنبلاط وخطه، لا بل أبدى امتعاضه من هجوم مجلة "الاقتصادية" السورية على جنبلاط، وقيل إنه كان منزعجاً من مجمل الحملة التي طاولت أركان الأكثريّة النيابيّة.
"القلق" حيال مهلة
ما بعد التقرير
خامساً ـ وإذا كان كلّ ما سبق يشكّل إشارات حول التموضع السياسي الراهن لرئيس حركة "أمل": الشراكة في الحكومة مع هامش خاص يحتفظ به لنفسه، المسافة من رئيس الجمهوريّة، المحافظة على الجسور مع تيارات الغالبية النيابية لا سيما مع وليد جنبلاط، فإن الاشارة السياسية الأهم التي تستنتج من المواقف العلنية القليلة التي يطلقها ومن مداولاته في مجالسه، هي تساؤله "القلق" عن المرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد تقرير ميليس، وعن كيفية إدارة البلد في المرحلة الآتية، وما إذا كان البلد سيغرق في جدل حول المحاكمة وآلياتها.
الثنائية القائمة
في ضوء ما تقدم من إشارات أعطاها الرئيس بري بنفسه أو نقلت عنه، يعرب الوسط السياسيّ عن اعتقاده أنّ ما يطرحه بري في العمق هو تشكّل شبكة علاقات سياسيّة واسعة تحمي مرحلة ما بعد تقرير ميليس، أي الانتهاء عملياً من ثنائية 14 آذار و 8 آذار ، بما هي فرز من ناحية وضم على قاعدة هذا الفرز وبعده من ناحية ثانية، نحو خلط الأوراق وتشكيل فريق واحد أو قيام تحالف جديد.
ويضيف الوسط السياسيّ أن ما يطرحه بري يتصل بموقعه السياسي الذي سيكون له دور مهم في المرحلة المقبلة وما يفترض أن تحمله من تطورات وتغيرات. ويعتبر هذا الوسط أنه إذا كان من المنطقيّ أن يشهد دور بري كرئيس للمجلس النيابي تغيراً على النحو الذي تمّ في الأشهر الماضية من ضمن مبدأ فصل السلطات، فمن المنطقي في المقابل مناقشة ما يطرحه، من زاويته ومن زاوية نظر الآخرين أيضاً. وفي هذا المجال، يمكن تسجيل المعطيات الآتية:
البدائل...
و "التسوية"
1 ـ من نافل القول إنّ بري "يتمنى" ألاّ تكون لسوريّا علاقة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري وألاّ تؤشر نتائج تحقيقات ميليس تالياً إلى دور سوري فيها وأن تقتصر المسؤوليات في الإطار اللبنانيّ.
2 ـ غير أنّ بري الذي "يحرجه" أن تكون ثمة مسؤوليات ضمن النظام السوريّ، لا يمكنه مع ذلك أن "يطلع" من نتائج التحقيق في هذه الحالة لمجرد أن يسمّي تقرير ميليس مشتبهاً بهم سوريين، وهو القائل إنّه مع ظهور الحقيقة "كاملة". وسيكون أقل حرجاً إذا أتى التقرير متضمناً أدلة وقرائن وبراهين، كما يفترض أن يكون.
3 ـ بين "التمني" و"الحرج"، يرجح الوسط السياسيّ أن يصبح بري "محشوراً" فيما إذا تعاطت سوريا مع التقرير بالهجوم عليه سواء بحجة أنه "مسيس" أو بدعوى أنه حلقة من مؤامرة عليها، وقد يكون أقل "حشرة" إذا تعاطت سوريا مع التقرير بايجابية أي بتسليم المشتبه بهم لإخضاعهم للتحقيق والمحاكمة.
4 ـ إذاً، يبدي الوسط السياسي اعتقاده أنّ الرئيس بري بين ما يتمناه وبين ما يحرجه ويحشره، يتطلع إلى أن تكون ثمة ظروف مؤاتية لـ"تسوية" ما، بعد التقرير، وفي هذه الحالة، إن التسوية الداخلية المرتبطة ظروفها باستعداد سوريّا للتعاون مع نتائج التحقيق بايجابية في ما يتعلق بها، ليست أقل من استكمال التغيير السياسي من لبنان، بما في ذلك تغيير رئيس الجمهورية.
5 ـ وفي ضوء هذه المقدمات، يعتبر الوسط السياسيّ أنّ تفكير بري ـ المُرجّح ـ بالانتهاء من ثنائية 14 آذار و8 آذار، يهدف إلى قيام إطار جديد للعلاقات بين القوى السياسيّة الرئيسيّة، يخلط عملياً أوراق العلاقة بين قوى 14 آذار، ويعدل التوازن السياسي لمصلحة "التسوية" التي يقتنع بها بري. وبكلام آخر، بدلاً من أن يكون النقاش على دفعتين أو بدلاً من أن يكون النقاش بـ"طابقين"، بين قوى 14 آذار أولاً ثم بينها وبين الآخرين ثانياً، بما يكرس رجحان الفريق الأول، يكون النقاش والحوار دفعة واحدة.
إنهاء ثنائية 14 آذار يخلق ثنائيات أخرى
ومن وجهة نظر الوسط السياسيّ، لا شكّ أنّ واقع قوى 14 آذار الراهن يمكن أن يشجع بري في طرحه إلغاء هذه الثنائية. بيدَ أنّ ثمة جانباً آخر من الموضوع لا بدّ من أخذه في الاعتبار: إنّ كسر الثنائية المشار اليها سابقاً بين 14 آذار و8 آذار، قد ينطوي على مجازفة بقيام ثنائيات أخرى تؤدي إلى استقطابات أكثر حدة، علماً أن خلط 14 و8 آذار يتطلّب نقطة انطلاق مشتركة نحو رؤية موحَّدة إلى المرحلة الجديدة.
6 ـ من هنا وللوصول إلى مرحلة يتم فيها الانتقال من الثنائيّة السياسيّة ـ الطائفيّة 14 آذار ـ 8 آذار إلى توافق سياسيّ شامل من دون المرور بثنائيات طائفيّة بديلة، من المنطقي الاعتقاد أنّ المطلوب حوار بين أفرقاء 14 آذار وبين أفرقاء 8 آذار ـ أي الفريقان الرئيسيان "أمل" و"حزب الله" ـ بما يخفّف من حدّة الصراع السياسي.
ويختم الوسط السياسي بتأكيد أنّ هذه المناقشة انطلاقاً من إشارات أعطاها الرئيس بري وأخرى نقلت عنه وثالثة استنتجت إستنتاجاً، إنما كانت محاولة لقراءة "الكلمات المتقاطعة البرية" وليس لتحميله ما لا يحتمله، كما كانت محاولة لقراءة في الدور المنتظر منه على مسافة خمسة أيام من بداية فصل سياسيّ جديد. علّ الرئيس برّي يجد في هذه المناقشة ما يشجعه على تجديد "صالون شهريار" حيث الكلام المباح على مسامع كلّ من يريدون به وصلاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00