في الحديث الأخير الى محطة "سي.ان.ان" الأميركية، أعطى الرئيس السوري بشار الأسد مجموعة إشارات متناقضة أبرزها إشارتان. ففي الجانب "المرن" من الصورة وإذ يؤكّد الأسد أن سوريا غير متورطة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يعلنُ أن أي سوري يثبت تورطه سيُعتبر خائناً ومصيره العقاب إما أمام محكمة دولية أو أمام محكمة سورية. أما في الجانب "المتشدد" من الصورة فيذكّر الأسد بما يعتبر أنها "أوراق قوته"، ويقول للولايات المتحدة أنها ستكون معزولةً إن لم تفتح على دمشق سواء في المسألة العراقية أو في المسألة الفلسطينية أو في لبنان.
الدفاع عن النظام
وفي تقدير الأوساط السياسية أن الجانبين "المرن" و"المتشدّد" يشكّلان مشهداً واحداً، أي أن الأسد الذي يبدي استعداداً لتسليم مشتبه بهم سوريين في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، يستعرض في الوقت نفسه ما يعتبر أنها قوته متجسدةً في "الأوراق" المذكورة، مِن أجل وضع الإدارة الأميركية أمام خيار مِن اثنين: إما أن تقبل بـ"صفقة" معه أو "تسوية ما"، وإما الاستعداد لمواجهة مِن قِبله معها. وواقع الأمر أن الأسد لا يقول للولايات المتحدة فقط أن تستعد لواحد من الخيارين المذكورَين، بل يقول أنه هو نفسه أمام خيار واحد بإحدى صيغتين للدفاع عن النظام السوري، فإمّا أن يحميه بتسوية مع أميركا ـ والمجتمع الدولي ـ وإمّا أن يحاول حمايته بـ"المواجهة".
إذاً، مِن وجهة نظر الأوساط، يبدو واضحاً أن بشار الأسد هو الآن في صميم معركة للدفاع عن نظامه، في وقت ثمّة معركة على النظام السوري مفتوحة بطريقة أو بأخرى من جانب المجتمع الدولي، والولايات المتحدة بشكل خاص.
قراءةُ النظام للموقف الأميركي
وتضيفُ الأوساط أنه إذا أُخذ الموقفُ الأميركي في الاعتبار، وهو الذي يعلن رفض أيّ صفقة مع نظام الأسد، لا في ما يتعلّق بالحقيقة حول جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ولا في ما يتعلّق بالعناوين الإقليمية الأخرى، ويعلنُ أن على النظام السوري "الامتثال" لما هو مطلوبٌ منه لبنانياً وفلسطينياً وعراقياً... إذا أخذ الموقف الأميركي هذا في الاعتبار، فإن النظام في سوريا يعتبر أن "المعروض" عليه واحد: إمّا أن يوافق على تغيير نفسه بنفسِه بدايةً بالتخلّي عن نهجه السياسي فيُصبح عندئذٍ أمام حماية وحيدة هي حماية أميركا له، أي حمايتُه بالتوازن الدولي ـ الإقليمي هذا إذا فعلت أميركا ذلك، وإمّا أن يُفرض التغيير عليه مِن خارِجه.
لذلك، فإن نظام الأسد الذي ينطلق مِن اعتبار أن الانتقال من وضعية "سوريا الإقليمية" أي المتدخّلة في الملفات والعناوين الإقليمية العديدة الى "سوريا السورية" أي المتعاطية في أمورها فقط، إنما يعني (هذا الانتقال) إلغاءً لمبرر وجود هذا النظام بالذات وإسقاطاً له، سيتصرف على الأرجح بـ"منطق المواجهة" إذ يشعر بأن لا شيء يربحه أو لا شيء يخسره لا فرق. والحال أن وضعية "سوريا الإقليمية" من وجهة نظر النظام تتحقق بشكل أساسي إذا أتيح له الاحتفاظ بـ"نفوذ" ما في لبنان أو بـ"موقعية" ما له فيه. ولذلك كانت بدايةُ طرح مصير النظام السوري على بساط البحث مع دفعه الى الخروج من لبنان، ولذلك كانت بدايةُ دفاعه عن نفسه في هذا السياق أيضاً.
خيار "المواجهة" ورهاناته
من هنا، ووسط تقدير بأن النظام السوري إذ يدخل في محطة رئيسية من محطات الدفاع عن نفسه، قد يلجأ إلى خيار "المواجهة"، تبدي الأوساط الآنفة اعتقادها ان النظام في دمشق يراهن على العوامل الرئيسية الآتية:
1 ـ ثمة رهان تقليدي يقوم على الاعتقاد بأن "تكبير" المشكلة "قد" يدفع "الخصم" أو "العدو" الى العدول عن خططه وإلى مراجعة حساباته.
2 ـ وثمة رهان تقليدي آخر على ان الولايات المتحدة الغارقة في العراق والتي لا تزال لم تحسم الحرب على الإرهاب، لن تستطيع تحمل وزر "معركة" إضافية.
3 ـ وثمة رهان تقليدي ثالث على الوقت في ظل تقدير بأن الفترة التي تستطيع الولايات المتحدة مواصلة معاركها في المنطقة لا تتجاوز ثلاث سنوات أي المدة التي تتغير بعدها الإدارة الأميركية.
4 ـ ويقوم الرهان السوري أيضاً على إمكان "ضمّ" النزاع السوري مع المجتمع الدولي إلى النزاع الإيراني مع هذا المجتمع، بحيث ينشأ محور دمشق ـ طهران في مواجهة أميركا.
5 ـ ويقوم الرهان السوري على ان دمشق تملك من الإمكانات والتحالفات في لبنان، ما يجعل لبنان خط دفاع من جهة، وما يجعل التهديد بالفوضى "سلاحاً" فتّاكاً من جهة ثانية.
6 ـ وجزء رئيسي آخر من الرهان يستند إلى ان البدائل الداخلية السورية ليست في وضع يمكّنها من أن تطرح نفسها فوراً.
في ضوء هذا الاستعراض لما يعتبر النظام السوري انه يشكّل "أوراق" قوته وللرهانات التي يرتكز إليها من وجهة نظر الأوساط المتابعة، تبدي هذه الأوساط إقتناعها بأن مجموع هذه الرهانات لا يشكل شبكة أمان للنظام. ذلك ان هذه الرهانات مستمدة من حقل التجربة في مرحلة سابقة تغيرت كثيراً أولاً، وهي مستندة إلى تقديرات قابلة لأن تتغيّر في أي لحظة ثانياً، وهي في معظمها تعوّل على "آخرين" لهم ظروفهم وحساباتهم ومصالحهم وليسوا "موظفين" عند سوريا وفي إطار سياستها ثالثاً، وهي تُعدم كلياً الوضع الداخلي السوري كما الوضع الداخلي اللبناني رابعاً وأخيراً.
مفاصل الهجوم السوري في لبنان وعناوينه
ومع ذلك، ترى الأوساط نفسها أن لا مفرّ من أن يؤخذ في الحسبان إمكان أن يلجأ النظام السوري إلى تصعيد "المواجهة" انطلاقاً من لبنان بعد صدور تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس. وتلفت إلى ان لبنان هو أصلاً الآن في دائرة هجمة سورية لم تتوقف:
أ ـ منذ انسحابها العسكري من لبنان في نيسان الماضي، بادرت سوريا إلى تأزيم العلاقة مع البلد بشتى السبل بما في ذلك إغلاق الحدود لفترة من الزمن، قاطعة الطريق على أي معالجة للعلاقات اللبنانية ـ السورية.
ب ـ ولم تتوقف للحظة واحدة الحملة السياسية السورية على الواقع السياسي اللبناني الجديد، فظلت سوريا تخوّن من تريد وتهاجم من ترغب وتهدد من تشاء كما لو كانت لا تزال في لبنان، ولم توفر أحداً حتى الرئيس فؤاد السنيورة. لا بل تفَاخرَ رئيس وزرائها بأنه لم يردّ على اتصالات رئيس الحكومة اللبنانية ثلاث مرات متوالية.
ج ـ وسمحت ليس فقط باستمرار ممرات التهريب إلى لبنان بل باستخدامها لتهريب الأسلحة.
د ـ وَسَعت إلى "تفجير" ملف السلاح خارج المخيمات الفلسطينية في وجه الحكومة اللبنانية.
هـ ـ حتى وفاة وزير الداخلية السوري غازي كنعان في الظروف الغامضة التي حصلت فيها، هي من ضمن الهجوم السوري.
و ـ والحملة الاتهامية ـ التهديدية للإعلام اللبناني لا سيما إعلام "المستقبل" صحيفةً ومحطةً مرئية، جزء من الهجوم.
المشهدان اللبنانيان
إنطلاقاً من ذلك كلّه، تعتبر الأوساط السياسية أن النظام السوري المنتقل منذ مدّة غير قصيرة بعد الانسحاب العسكري من لبنان الى الدفاع عن نفسه، إنما جعلَ ويجعلُ من لبنان ساحة لهجومه الاستباقي على الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد التي تؤثّر عليه، ولهجومه في "مواجهة" التداعيات المرتقبة لتقرير ميليس. ولذلك تقول أن الأمرَ ليس توقّعاً لهجوم سوري بل هو تذكير بهجوم قائم أصلاً، مِن غير نسيان أن الحضور الأمني ـ المخابراتي السوري لا يزال موجوداً في البلد بصيغٍ شتّى.
وعليه، تقول الأوساط المتابعة أن في البلد الآن مشهدَين: الأول هو مشهدٌ لبناني صرف حيثُ ثمة اتفاق "مبدئي" بين الأطراف الرئيسية على وجوب احترام الحقيقة التي ستحملها نتائج تحقيقات ميليس وعلى وجوب استنتاج المقتضى السياسي من الحقيقة.. والثاني هو مشهدُ الهجوم السوري المتواصل المُنذر بتداعيات خطيرة، حيث كل المؤشرات تدلّ على أن هذا الهجوم سيتصاعد، خصوصاً أن النظام يخوضُ معركةً يكادُ يعتبرها معركته "الأخيرة".
وعندَ هذا الحدّ، تشدّد الأوساط على ضرورة التحصّن من هذا الهجوم السوري من ناحية، وعلى ضرورة أن "تفهم" سوريا أن إنقاذ الوضع السوري هو عملية متكاملة لبنانية ـ سورية ـ عربية ـ دولية من ناحية أخرى، أي أن ما بعد تقرير ميليس يجب أن يشهد تعاوناً سورياً مع نتائج التحقيق الدولي تأسيساً لاستقرار في لبنان، ثمّ بحثاً عربياً ـ دولياً في حماية استقرار سوريا حيث لا مصلحة لبنانية إلا في استقرار سوريا، وحيث لا مدخل الى استقرار سوريا إلاّ المدخل العربي على قاعدة التسليم بنتائج التحقيق الدولي، ويجب أن يكون موقف لبناني بأن لا علاقة للبنانيين بالتغيير في سوريا.. كما يجب أن "يفهم" النظام أنه بهجومه إنما يجازفُ بحصول تداعيات أكبر بما في ذلك في سوريا نفسها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.