8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

استنحارُ غازي كنعان أي قتلُه يزيدُ الحقيقة وضوحاً

مِن نافل القول انّ وفاة اللواء غازي كنعان انتحاراً أو استنحاراً شغلت الوسط السياسي برمّته خلال الساعات الماضية، في ضوء الأبعاد المحتملة لهذه الحادثة بصلتها مع التحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ومع ان الوسطَ السياسيّ يتمهّل في استنتاجاته فإنّه استعرضَ أمس مجموعة من الاحتمالات بشأن انتحار الرئيس السابق للاستخبارات السورية في لبنان:
مشروع "صفقة" تعرضه دمشق
أولاً ­ تناهَت الى مسامع أوساط سياسية عدة، معلوماتٌ من مصادر ديبلوماسية عربية وغربية تفيد أن النظام السوري نشط في الآونة الأخيرة باتجاه عدد من العواصم منها القاهرة وباريس وغيرهما، من أجل التوصّل الى "تسوية" مع المجتمع الدولي بشأن نتائح التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري.
وتقول المعلومات العربية والغربيّة انّ رئيس الاستخبارات العسكريّة السوريّة آصف شوكت جالَ في العديد من العواصم بعرض سوريّ يقوم على الآتي: التعاون في المسألة العراقية أي "بيع" الورقة العراقية بما في ذلك التعاون عبر تسليم القياديّ في النظام البعثي العراقي السابق عزّة الدوري الذي يقود مجموعات مقاتلة ضدّ الولايات المتحدة، والتعاون في المسألة الفلسطينية عبر رفع الغطاء عن المنظمات الفلسطينية المدرجة في خانة المعوّقات للعملية السلميّة، ورفع اليد نهائياً عن لبنان وتنظيم خروج "شامل" من لبنان يشمل المخابرات والشبكات. أما المقابل المطروح فهو أن يقف التحقيق عند مستوى معيّن في النظام السوريّ لا يتجاوز غازي كنعان.
فإذا كانت هذه المعلومات تشكّل اطار حركة النظام السوري باتجاه الخارج العربي والدولي، يمكن من وجهة نظر العديد من الأوساط اعتبار انّ وفاة كنعان أمس قد تكون انتحاراً احتجاجياً على "الصفقة" التي يعرضها النظام، أو انتحاراً استباقياً لاحتمال بيعه من قبل النظام الذي خدم طوال عقود، وقد تكون وفاتُه قتلاً باعتبارها أقصر الطرق الى التخلّص من أحد الأركان الأمنيين السوريين كي لا يقول كثيراً للتحقيق وهو العارف كثيرا.
"الصفقة" بين حديث الأسد وتصريح كنعان
وعلى أيّ حال، انّ قراءة مدقّقة في التصريح الأخير لغازي كنعان الى إذاعة "صوت لبنان" أمس تقودُ الى استنتاج انّه دافع عن دوره خلال وجوده في لبنان، وتكلّم بلغة تناقض على طول الخط منطق "الصفقة" فلم يدخل في أيّ حديث يميّز بينَ المسؤولين في سوريا في ما يتعلّق بـ"قضية" اغتيال الرئيس الحريري. كذلك فإن قراءة مدقّقة في حديث الرئيس بشّار الأسد الى محطة "سي.ان.ان"، تقودُ الى استنتاج العكس. ذلك أن الأسد الذي نفى أن يكون أعطى الأمر بتنفيذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ونفى تورّط سوريا فيها، فتح الباب في المقابل أمام مسؤوليات ضمن النظام السوريّ حين تحدّث عن اعتبار أيّ سوريّ يثبت تورطّه خائناً يجب مثوله أما المحكمة الدولية أو المحكمة السورية.. الأمر الذي يعني احتمال "البيع".
الشاهدُ على الحقيقة؟
ثانياً ­ ولما كانت أوساط سياسية عدّة لا "تؤمن" باحتمال الصفقة لأسباب عدة منها انّ التحقيق الدوليّ مستقلّ ولا يخضع لحسابات سياسية ومنها ان المجتمع الدولي ليس في وارد مساومات مع النظام السوري، فإنها لا تستبعد حقيقة ان اللواء كنعان الذي شغل مواقع رئيسية في النظام ويعرف الكثير عن آلياته، هو شاهد على الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، إما انه قالها للمحقق الدولي ديتليف ميليس وإما انه كان يمكن أن يقولها في أي لحظة.
وفي هذا الاطار، تصبح حادثة وفاة غازي كنعان، عملية قتل متعمّدة من قبل النظام بهدف إزالة حلقة رئيسية في الحقيقة.
.. أو المرشح لدور مستقبلي؟
ثالثاً ـ وتقول أوساط سياسية أخرى انّ اللواء كنعان كان "مرشحاً" لدور مستقبلي في سوريا في اطار ما يحكى عن تغييرات في النظام أو تغييرات ضمنه. وفي هذه الحالة، لا تستبعد الأوساط تلك ان يكون كنعان قُتل من قِبل النظام لهذا الاحتمال.
نقطة لصالح التحقيق الدولي
على ان الوسط السياسي الذي استعرض الاحتمالات الثلاثة الآنفة: التحضير لـ"صفقة"، موقع كنعان في الشهادة للحقيقة، واحتمال دور مستقبلي له، يؤكد ان وزير الداخلية السوري قُتل أو استنحر. وفي جميع الأحوال، يعتبر الوسط السياسي ان وفاة كنعان التي تؤشر إلى المأزق الذي يواجهه النظام، تُعطي النتائج المباشرة الآتية:
1 ـ ان الوفاة استنحاراً أو قتلاً تعني ان دمشق وخلافاً لما كانت روّجته خلال الأيام الماضية من ان ملف تحقيقات ديتليف ميليس فارغ، تعلم علم اليقين انه ليس كذلك، وأن النظام متورّط في "مكان ما" بالجريمة.
2 ـ ان الوفاة استنحاراً أو قتلاً هي مؤشر إضافي إلى الحماقة السياسية. ذلك ان هذه الوفاة تعطي قوة دفع إضافية إلى التحقيق الدولي، وهي ستضاف إلى الملف حكماً، وسيكون مطلوباً من اللجنة الدولية التحقيق في ظروف الوفاة لاستخلاص النتائج. وإلى ذلك، فإن دمشق التي قد تكون اعتقدت انها بـ"تغييب" غازي كنعان من الوجود إنما تدفن الحقيقة لا بل الحقائق، يبدو انها تتجاهل ان هذه الحادثة تشكّل إدانة لها.
3 ـ ان التحقيق الدولي لا بد أن يأخذ هذ الواقعة في الاعتبار قبل إصدار المحقق ميليس تقريره المنتظر الأسبوع المقبل، وأن يدرجها ضمن التقرير الذي سيناقشه مجلس الأمن، الأمر الذي سيجعل من المحكمة الدولية أمراً حتمياً.
4 ـ ان وفاة غازي كنعان استنحاراً أو قتلاً ـ أي قتلاً ـ يفترض أن تؤدي إلى "صمت" الحملة التي بلغت ذروتها خلال الأيام الماضية ضد التحقيق وضد الغالبية النيابية ـ السياسية في البلد، والتي اتخذت صيغة هجوم تهديدي كرّر حرفياً الهجمات التهديدية التي سبقت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد. كذلك فإن هذه الحادثة تؤكد صوابية رأي رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الذي دعا إلى تمديد مظلة القرار 1595 فوق لبنان حتى الخامس عشر من كانون الأول المقبل.
سوريا نفسها لا تنتظر نتائج التحقيق
5 ـ ان قتل كنعان الذي حصل في ظلّ الهجوم الذي شنّته دمشق في الأيام السابقة، بما في ذلك عبر تحريك موضوع السلاح الفلسطيني خارج لبنان في وجه الحكومة، لا بد أن يعطي الغالبية النيابية ـ السياسية فرصة القيام بحركة متجددة. فالمهم في الموضوع ان التيارات السياسية التي رفعت في المدة الأخيرة شعار انتظار التقرير ليُبنى على الشيء مقتضاه، هي اليوم لا تحتاج إلى التريّث في تحرّكها في وقت يلجأ النظام في سوريا إلى أعمال مكشوفة تدخله عملياً في دائرة الادانة.
ويعرب مجمل الوسط السياسي عن إعتقاده ان وفاة غازي كنعان قرّبت المواعيد السياسية. ذلك ان كل التوقعات قبل هذه الحادثة، كانت ان تقرير ميليس هو الذي سيعلن افتتاح المرحلة السياسية الجديدة، فإذا بقتل كنعان أمس يدهم كل المواعيد، معطياً فرصة لـ"تبكير" الحركة السياسية المطلوبة في موازاة نتائج التحقيق التي بدأت بالظهور قبل صدور تقرير اللجنة الدولية.
الوحدة الوطنية في وجه الانهيارات
ويبدي الوسط السياسي قناعته بأن هذا التطور "الدراماتيكي" في سوريا والذي جاء ليؤكد قصر نظر السياسة السورية الذي تجلّى منذ التمديد السوري لإميل لحود والذي اطلق مسلسل القتل والتفجيرات في لبنان، انما يؤكد (التطور الدراماتيكي) أيضاً حقيقة ان نتائج التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تطرح مصير النظام الأمني اللحودي في لبنان فوراً لكنها تفتح مصير النظام السوري على احتمالات عدة في الوقت نفسه.
لذلك، ولأن الأمور تسير على ايقاع أسرع بكثير مما كان محسوباً، فإن الوسط السياسي الذي يثمّن مسارعة وليد جنبلاط إلى عقد مؤتمر صحافي اليوم لـ"التقاط" المبادرة، يتوجه إلى أركان الحياة السياسية جميعهم، من رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري إلى البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، إلى الرئيس نبيه بري وحركة "أمل" والسيد حسن نصرالله و"حزب الله"، من أجل تحصين لبنان في وجه أي حماقات يمكن أن ترتكب من قبل من يبدو انه فقد التوازن منذ فترة. فاللبنانيون الذين لا يعرف معظمهم مدى تأثير استنحار غازي كنعان أو قتله على التركيبة الطائفية ـ السياسية السورية، لكنهم يعرفون ان ما جرى خطير في سوريا، يرغبون في حماية وحدتهم إزاء تسارع الانهيارات في الجوار.. خاصة ان من يعمل لـ"صفقة" ويفترض انها باتت مؤكدة، لا يتورع عن تبنّي افتراضات وهميّة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00