8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حيثُ نجحَ السنيورة وحيث تتكاثرُ الإشكاليات

في قراءة متأنية لمجريات الأيام الماضية على صعيد ملف التسليح والسلاح الفلسطيني، يجدر التوقف عند مجموعة من النقاط الرئيسية التي يمكن لها ان تشكّل مجتمعة نوعا من التقويم لما جرى يستفاد منه للمرحلة المقبلة.
الفصل بين سلاح المخيمات والسلاح خارجها
أولاً ـ لقد نجحت الحكومة اللبنانية في تحقيق الفصل بين السلاح والتسلح خارج المخيمات الفلسطينية وبين السلاح في المخيمات، اذ اعتبرت انّ الاول ـ خارج المخيمات ـ مرفوض وغير قابل للتفاوض وانّ الثاني برسم حوار سياسي لبناني ـ فلسطيني. ويسجل هذا النجاح علي الرغم من بطء الخطاب السياسي المواكب للتطورات شرحا للتمييز ولموجب الفصل بين العنوانين.
ثانياً ـ ولا شك أيضاً انّ الحكومة التي أكدت باستمرار في الآونة الاخيرة على لسان رئيسها السنيورة انّ الاولوية بالنسبة اليها هي للقرار 1595 المتعلق بكشف الحقيقة عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، انما اخذت في الاعتبار هذه الأولوية بحيث لا تنشأ مشكلة كبرى تغطي على أولوية الـ1595. وإلى ذلك تضاف حقيقة ان الصلة ليست بعيدة بين السلاح خارج المخيمات وقضية الحقيقة، طالما ان السلاح الفلسطيني خارج المخيمات بنظر معظم اللبنانيين يدخل ضمن المنظومة الامنية السورية "المشاغبة" على الحقيقة والمعادية لها.
أولوية الحقيقة
ثالثاً ـ ولم يكن خافياً من خلال التطورات انّ ثمة فخاً سورياً نصب للحكومة اللبنانية، هو فخ استدراجها إلى أمرين: دفعها إلى مواجهة مع الفلسطينيين تحت عنوان انها تنفذ القرار 1559 من المدخل الفلسطيني من جهة وجعلها تخسر هذه المواجهة لتكون هذه الخسارة بمثابة برهنة على انّ السلطة اللبنانية عاجزة عن تنفيذ القرارات الدولية من جهة ثانية. والحال انّ الحكومة لم تقع في هذا الفخ السوري الذي يقصد ايصال لبنان إلى محطة الحقيقة عبر تقرير ديتليف ميليس وهو غارق في لا استقرار وفي احداث "كبرى"... علما ان الحكومة قررت التعاطي مع الـ 1559 بالحوار اللبناني ـ اللبناني في ما يتعلق بسلاح المقاومة وبالحواراللبناني ـ الفلسطيني في ما يتعلق بسلاح المخيمات، وان المجتمع الدولي يدعم هذا التوجه اللبناني.
اشكالية نقص الوفاق السياسي
رابعاً ـ غير انّ الحكومة التي يسجّل لها نجاحها في العناوين الثلاثة الآنفة، كان عليها ان تختبر في الأيام الماضية حدود الوفاق اللبناني حول موضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات.
ولا بدّ من الاعتراف في هذا المجال بأن ما هو مصنف في خانة البديهية، أي رفض السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، لم يبدُ انه بديهي خلال الأيام الماضية، اذ لم يستنفر الحدث قوى رئيسية مشاركة في الحكومة، ولم يستدعِ مواقف من هذه القوى. فباستثناء الموقف الذي اعلنه رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط والذي زاوج فيه بين رفض السلاح والتسليح خارج المخيمات وبين الدعوة إلى معالجة عاقلة للملف، بدا "حزب الله" و"حركة امل" مثلاً خارج الصورة "العلنية"، وان كان بعض المعلومات غير المحسومة تحدث عن "وساطة" قام بها الحزب بين الجيش و "القيادة العامة" بالنسبة الى مواقع فلسطينية معينة.
من هنا القول ان ثمة اشكالية على صعيد الوفاق السياسي حول هذا الموضوع، خاصة انّ الفخ السوري القاضي بقلب الأولويات لصالح دفع الحكومة نحو تنفيذ الـ1559 لتفشل ـ علما انها ليست في وارده أصلا ـ انما ينطلق (الفخ السوري) من نظرية ان تطبيق القرار 1595 "قد" يجعلُ تنفيذ الـ1559 أسهل، لأن الـ1595 سيؤدي الي متغيرات سياسية وازنة على صعيد الوضع اللبناني وتوازناته.
الإشكاليات الفلسطينية الكثيرة
وعلاقة السلطة الفلسطينية بمخيمات لبنان
خامساً ـ ولا بد من الاعتراف أيضاً بأن الحكومة واجهت في تجربة الأيام الأخيرة الإشكاليات العديدة للوضع الفلسطيني في لبنان.
الإشكالية الأولى هي أن السلطة الفلسطينية التي أعلن رئيسها محمود عباس الوقوف بجانب لبنان وأمنه وقوانينه ورفضه السلاح خارج المخيمات، يواجه مشكلةً مع مجموعات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان بما في ذلك معظم مسؤولي حركة "فتح". والإشكالية الثانية هي أن المنظمات الفلسطينية التي لا قواعدَ لها ولا سلاح خارج المخيمات اكتفت بالتصريح عن ذلك ولم تذهب الى حدّ إعلان رفضها السياسي للسلاح خارج المخيمات، لا بل "دمجته" بالسلاح داخل المخيمات وتحدثت عن "حلول تراعي السيادة اللبنانية والحقوق الفلسطينية" واضعةً السلاح بالمُطلق في خانة الحقوق. والإشكالية الثالثة هي أن الوفد الذي مثّل منظمة التحرير في اللقاء مع الرئيس السنيورة أول من أمس لم يأتِ الى الحوار مفوضاً من السلطة الفلسطينية ولم يلفُظ المتحدثون باسم الوفد اسم الرئيس أبو مازن مرة واحدة.
أما الإشكالية الرابعة فهي أزمة العلاقة داخل فتح بين "الداخل" و"الخارج"، بين أبو مازن وفاروق القدومي رئيس اللجنة المركزية للحركة التي يتبنى منذ مدة طويلة مواقف مغايرة لمواقف السلطة. والإشكالية الخامسة هي أن مجموعة "فتح" في مخيمات لبنان صارت لها "قضية" قائمة بذاتها هي قضية مسؤولها سلطان أبو العينين الذي لم تُسقَط الأحكام القضائية اللبنانية الصادرة بحقه على عهد النظام الأمني السابق الذي لم ينفذ على آخر أيامه الوعود التي أعطاها لأبو العينين بالعفو عنه، ويبدو أن العفو عنه يمثل مفتاحاً لدور يمكن أن يلعبه تعاوناً مع الدولة اللبنانية.
الخيارُ الفلسطيني للبنان: أبو مازن
سادساً ـ ويمكنُ الحديثُ عن إشكاليات إضافية عدة في الوضع الفلسطيني، ومنها الصلة "المباشرة" بين ما يجري في لبنان وما يجري في غزة.
غير أن ما يقتضي الإشارة إليه هنا، هو أن الخيار السياسي للحكومة اللبنانية لا يمكن أن يكون غير السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس. وهذا الأمر يستوجُب من السلطة الفلسطينية، باعتبارها "الشرعية" الفلسطينية والمحاوِر باسم الفلسطينيين، تكثيف مواقفها السياسية حيالَ لبنان وتوضيحها أكثر فأكثر لتشكل تغطيةً سياسية للشرعية اللبنانية. ويقتضي الأمر أيضاً حضوراً مباشراً لمن يمثّل السلطة الى لبنان ليكون مشاركاً في الأبحاث الجارية، على أن يكون مفوّضاً بصلاحيات جوهرية، حيثُ يُقال أن الوزير الفلسطيني عباس زكي جرى "إغراقُه" من قبل "فتح" في لبنان ودخلَ في "صراع على النفوذ" مع قيادات فلسطينية في الداخل.
لا بد من موقف لبناني يظهّر
المآل الأخير للعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية
سابعاً ـ وإذا كان موضوع السلاح داخل المخيمات مؤجلاً في انتظار ظروف حوار لبناني ـ فلسطيني رسمي، فإن "المصلحة" تقتضي منذ الآن وعبر العلاقة بين الحكومة اللبنانية والسلطة الفلسطينية، "تظهير" المآل الأخير للعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية، أي أنه لا بد من "تذخير" الفلسطينيين الذين يعتبرون لبنان حليفاً لقضيتهم بأوراق سياسية.. أي بمكاسب. وفي هذا المجال يأتي ما دعا الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط إليه سواء ما يتصل بإقامة سفارة فلسطينية تشكّل مرجعية للفلسطينيين في لبنان، أو ما يتعلق بحقوقهم الحياتية وغير ذلك، ليشكّل أساساً صالحاً للعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية، ولفرز المواقف الفلسطينية على "الساحة" اللبنانية.
ثامناً ـ على أن ما ينبغي تسليط الضوء عليه في هذه المرحلة بالذات، وفي ضوء التجربة اللبنانية ـ الفلسطينية تاريخياً، هو ضرورة عدم الغرق في لجان مشتركة، ثمّة معرفة بأين تبدأ لكن لا معرفة بأين تنتهي. فالحكومة اللبنانية يجب ألاّ تكون مجرد فريق، تماماً لأنها السلطة الحاكمة باسم اللبنانيين، وصنوُها هو السلطة الفلسطينية.
الجيش وحصاناته
تاسعاً ـ لقد اتخذ الجيش اللبناني خلال الأيام الماضية سلسلة خطوات وإجراءات ميدانية تطويقاً لمواقع عسكرية فلسطينية ومداهمة لمواقع أخرى وإغلاقاً لمعابر تهريب.
واذا كان صحيحاً ما ذكرته أوساط فلسطينية أول من أمس بعد اللقاءين اللذين عقدهما الرئيس السنيورة مع وفدَي المنظمة والفصائل، من أن الفلسطينيين اقترحوا أن يقوموا بمبادرة ذاتية لمعالجة أمر المواقع والأسلحة خارج المخيمات، واذا كان ما قاله رئيس الحكومة منطقياً وجدياً لجهة أن لا نية ولا قرار بالدخول في صدام مع الفلسطينيين، فسيكون من الخطأ الطلب الى الجيش التراجع عن الخطوات التي اتخذها، وإن كان من المنطقي إفتراض قدرته على "التحكم" بالخطوات وحدودها، لكن من ضمن الحزم المفترض.
وغني عن القول هنا ان "الفخ" كان يقتضي إخضاع الجيش لاختبار قاس لقدرته، وهو في أول مهمة من نوعها منذ إعادة تأسيسه. ولذلك فان المطلوب عدم إصابة معنوياته بأي أذى، والمطلوب تحصينه سياسياً بمزيد من الوفاق السياسي.. والتأكّد من أن الأمرة غير مخترقة.
عاشراً ـ أن ما جرى في الأيام الماضية، لا سيما ما أسفر عنه الحوار الذي قاده الرئيس السنيورة، يسمح بالقول أن المحصلة هي تفكيك "الفخ" وتعطيل الألغام واستيعاب "المشكل" وخفض التوتر. بيد أن ما جرى لا يعني ان الملف أقفل أو أنه بات موضوعاً على سكة المعالجة "الفعلية"، ومن "الممكن" جداً أن يُفتح من جديد في الأيام المقبلة. فالحكمة والحزم اللذان أظهرهما رئيس مجلس الوزراء معترف بهما ولهما، غير أن التحصين السياسي لبنانياً وفلسطينياً هو الأساس ليبقى القرار 1595 الأولوية المطلقة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00