8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"الهجوم المضاد" ينطلق فاشلاً لكنه يفتش عن "حدث كبير" يغطّي على الحقيقة

ماذا عن أحوال الهجوم المضاد الذي ذُكر أن دمشق في صدد شنّه ضد مَن اتهمها بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟
في مجال الإجابة عن هذا السؤال، يلاحظ الوسط السياسي اللبناني بداية أن سوريا وما تبقّى من الفريق الموالي لها انتقلا في ظرف أسبوع فقط من الترويج لكون التحقيق الدولي لم يتوصل إلى نتائج في ما يتعلق بالمسؤوليات عن الجريمة عندما أُعلن أن القاضي ديتليف ميليس سوف يستهلك كامل الفترة المعطاة له في القرار 1595، إلى الحديث مجدداً عمّا يسمّى "تسييس" التحقيق عندما بات واضحاً أن ميليس سيقدم تقريره رسمياً إلى الدولة اللبنانية في 21 تشرين الأول الجاري وأن مجلس الأمن الدولي سيبدأ درس هذا التقرير في 25 الجاري، وأن الفترة بين 25 تشرين و15 كانون الأول مطلوبة من لبنان لإبقاء المظلّة الدولية سارية المفعول إلى حين تتقرر الإجراءات القضائية اللبنانية من جهة وتتقرر صيغة المحاكمة من جهة أخرى.
إذاً، بالعودة إلى نغمة "التسييس" بعد أن ثبت أن التضليل بوجود فراغ في ملف التحقيق الدولي لم يُجدِ نفعاً، يكون ما يسمّى "الهجوم المضاد" بمثابة إعلان مسبق من جانب الفريق الموالي لسوريا وللنظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك، بأن التقرير ليس فارغاً وأنه يتضمن تحديدات وأدلّة وقرائن، وإلا لماذا اتهامه مسبقاً بـ"التسييس"، ولماذا الهجوم المنهجي المبرمج على ميليس نفسه؟
إذا لم تتهم رؤوس عالية أو لم تشكل محكمة دولية
من هنا يعتبر الوسط السياسي أن "الهجوم المضاد" ينطلق فاشلاً سلفاً من هذه الزاوية، حيث يثبت أن "المهاجمين" يعلنون بأنفسهم أنهم "محشورون". لكن ذلك لا يعني أن "الهجوم" توقف هنا. ذلك أن الوسط السياسي يسمع في هذه الأيام أن الاندفاعة القوية للهجوم ستكون مع صدور تقرير ميليس إذا لم يتضمن اتهاماً مباشراً لرأس النظام الأمني في لبنان أي لرئيس الجمهورية اميل لحود أو اتهاماً لأعلى المواقع في سوريا. ويسمعُ الوسط السياسي أيضاً أن "الذروة" ستكون فيما لو لم ينتج عن مداولات مجلس الأمن قرار بإنشاء محكمة دولية للمتهمين في جريمة العصر.
والحال هنا أن "الهجوم المضاد" الذي يعلن أصحابه أنهم لو تمكّنوا من الإفلات من الاتهام الدولي أو من العدالة الدولية سوف "يقتلون" كل من تجرّأ واتهمهم، لا أفقَ لبنانياً ولا عربياً ولا دولياً لديه. فأصحاب ما يسمّى "الهجوم المضاد" الذين يكفيهم ألا تُذكر أسماء الرؤوس الأوائل ليحاولوا الاقتصاص من وضع سياسي برمته، يعرفون قبل غيرهم أن التجاذب السياسي الداخلي الذي حصل ويحصل حول عناوين عدة، لن يتحوّل إلى انشقاق لبناني حول الحقيقة وإن كان أحد لا يضمن أن تكون ردود الفعل حيال الحقيقة على نفس "السويّة".
الموقف العربي: نموذج مبارك
وإذا كان أحد عناوين "الهجوم المضاد" في الأيام الماضية، تمثّل في الحديث عن ولاءات غربية تشقّ طريقها وسط الغالبية النيابية وداخل الحكومة، فقد تبيّن بوضوح أن هذا الاتهام كان عشوائياً وأن ليس بين القوى الفاعلة مَن يبني على حسابات خارجية باستثناء معطى هو أن لبنان يحظى في هذه المرحلة برعاية عربية ـ دولية استثنائية، وأن هذه الرعاية تتم تحت عنوان حماية استقلال لبنان ووحدته، علماً أن هذا المعطى لا يخصّ فئة لبنانية بل هو يعني كل الفئات.
أما على الصعيد العربي، فمن الواضح سلفاً أن لا أفق لهجوم مضادّ على الحقيقة. فللمحور العربي المصري ـ السعودي موقف واضح، وحوله تتحلّق محصّلة الموقف العربي الرسمي. فالمملكة العربية السعودية لم تقُم بأي مسعى بين دمشق والمجتمع الدولي خصوصاً في موضوع التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وتداعياته.. أما مصر فلم يجد رئيسها حسني مبارك ما يقوله للرئيس السوري بشار الأسد الذي زاره قبل أيام سوى دعوته إلى التعاون مع التحقيق الدولي و"تسليم المطلوبين". ومع أن الوسط السياسي اللبناني يجزُم نقلاً عن مصادر ديبلوماسية عربية أن عدداً من الدول العربية لا سيّما كُبرياتُها قد أحيطت بالمرحلة التي بلغها التحقيق الدولي وما توصّل إليه من استنتاجات حتى الآن، فإنه (أي الوسط السياسي المحلي) يعتبر أن حديث مبارك عن تسليم المطلوبين السوريين حتى لو لم يكن مستنداً إلى معلومات فإنه يعني أنه يبلغ الأسد سلفاً بأن لا خيار أمامه سوى تسليم من يتم "طلبهم".
وإذ لا حاجة في رأي الوسط السياسي إلى إعادة تحديد الموقف الدولي لأنه محدّد ومكرّر، يلفتُ إلى أن دمشق ومَن تبقّى من النظام الأمني في لبنان (لحود تحديداً) يراهنان على عدم توصل مجلس الأمن إلى قرار بتشكيل محكمة دولية. والحال أن أي صيغة سيقرّرها المجلس للمحاكمة لن تكون خارج السقف الدولي وبحماية المجتمع الدولي.
التفتيش عن "حدث كبير"
إذاً، يعرب الوسط السياسي اللبناني عن اقتناعه بأن ما سمّي "الهجوم المضاد"، ما نفّذ منه وما يجري تحضيره، وقع في شرّ أفعال أصحابه حتى الآن، بما في ذلك محاولة اقتناص إخلاء سبيل للأمنيين الأربعة المشتبه بحجة أن الملف "فارغ".
بيد أن الوسط السياسي يبدي في المقابل قلقه من أن يسعى فريق سوريا ـ لحود إلى إشعال "حدث كبير" يتوازى مع حدث إعلان الحقيقة ويتزامن معه لا بل يغطّي عليه، وذلك في محاولة لـ"تعويض" انسداد الأفق محلياً وعربياً ودولياً.
وفي هذا الإطار، كان تأكيد على أهمية الكلام الذي قاله رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط في مداخلته أول من أمس عبر شاشة الـ"ال.بي.سي" إذ حذّر من أن يكون ثمة مَن يدفع باتجاه صدام لبناني ـ فلسطيني يكبر ويتّسع في محاولة لـ"إغراق" الحقيقة.. بالدماء. وفي السياق نفسه، جرى لفت النظر إلى الأحداث المتتالية الآتية بعد الإعلان عن اكتشاف حركة تسلّح مِن قِبل فصائل فلسطينية موالية لسوريا:
عرّاضة "القيادة العامة"
1 ـ غداة البيان الذي أصدرته متضمناً اتهام رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة بتنفيذ القرار 1559 وتحذيراً من زجّ الجيش وتقسيمه وتهديدات أخرى، قامت "الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" بما يشبه العرّاضة المسلّحة الإعلامية، فسمحت لمحطة "اللبنانية للإرسال" بدخول موقعها في الناعمة وأنفاقها، وكانت العرّاضة مصحوبة بكلام لمقاتلين يروي قصص هذا "الحصن الحصين" واستعصائه على إسرائيل، وبكلام سياسي لمسؤول هذا الفصيل في لبنان يتوعد بـ"أمطار سوداء". ولا يخفى أن الغرض من هذه العرّاضة وما رافقها من كلام إعلامي، هو الترهيب في وجه اللبنانيين جميعاً بشكل عام، وفي وجه الجيش اللبناني بشكل خاص، ومحاولة استدراج المؤسسة العسكرية إلى مواجهة.
استهداف الجيش ...
و"تحطيم" مرجعية السلطة الفلسطينية
2 ـ وجرى تعميم مقولة مفادها أن الحكومة اللبنانية تتسلّح بدعم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي اتصل بالرئيس السنيورة وبعث برسالة إلى وليد جنبلاط، وأكد وقوفه بجانب لبنان وقوانينه وأمنه، وأن الحكومة تخطئ العنوان لأن عباس الذي لا يستطيع شيئاً في الداخل الفلسطيني هو عاجز أمام الوضع الفلسطيني في لبنان كما تدّعي هذه المقولة. أي أن الهدف هو "تحطيم" صورة المحاور الفلسطيني والمرجعية القيادية الفلسطينية ووضع الدولة اللبنانية مسبقاً أمام أفق مسدود لجهة الحلول.
4 ـ وعشية اللقاء المتوقع اليوم بين السنيورة والفصائل الفلسطينية، أُعلن استنفار فلسطيني عام مسلح تحت عنوان التصدّي لعدوان إسرائيلي وشيك، بهدف وضع الجيش في موقع "التقاطع" مع إسرائيل باستهداف السلاح الفلسطيني، علماً أن الجيش كان استبق هذه "المعزوفة" بتوجيه الأمر إلى جميع وحداته بالتصدّي لأي عدوان إسرائيلي.
5 ـ وفي وقت يؤكد الرئيس السنيورة أن لا نيّة لمواجهة مع الفلسطينيين لكن لا قبول لبنانياً بالسلاح خارج المخيمات الفلسطينية، يبدو واضحاً أن الفصائل الموالية لسوريا تريد التفاوض لتظليل الأمر الواقع بحجة أنّ مسألة السلاح خارج المخيمات مسألة سياسية وتُناقش في السياسة، علماً أنه ولكون مسألة السلاح سياسية، فإنها في السياسة محسومة.. أي لا مبرر لمواقع عسكرية فلسطينية في البلدات اللبنانية، وما يجب أن يناقش هو سلاح المخيمات في إطار حوار شامل حول العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية.
الحماية السياسية للحكومة:
موقفان مطلوبان من "فتح" و"حزب الله"
من هنا، فإن الوسط السياسي اللبناني يدرج هذه التطورات الفلسطينية في لبنان في سياق صرف الأنظار عن تقرير الحقيقة بغبار حدث كبير لا يمكن تأكيد أن التخطيط له انتهى.
وبطبيعة الحال، فإن الحكومة التي لن تُستفزّ كما قال رئيسها ولن تستدرج إلى مواجهة، بحاجة إلى حماية سياسية لمقاربتها حركة التسلح خارج المخيمات. وهي إذ تلقّت دعماً من وليد جنبلاط في أمرين: رفضه السلاح الفلسطيني خارج المخيمات والحوار مع الفلسطينيين حول الملف المتكامل مع السلطة الفلسطينية. فإنها بحاجة إلى موقفين رئيسيين: موقف "فتح" في لبنان التي يفترض بها أن تكون من ضمن خطّ قيادتها وموقف من "فتح" الأم يطوي تناقضاتها أولاً، وموقف من "حزب الله" الذي قد لا يكون على معرفة مسبقة بخطوات الجيش وإجراءاته لكنه شريك في الحكومة ومن حق اللبنانيين عليه أن يحسم في هذا الموضوع بعد أن جرى "تثقيف" اللبنانيين على امتداد أكثر من عقدين بأن لا سلاح مقاومة خارج سلاح الحزب وبأن لا سلاح فلسطينياً خارج المخيمات حتى ولو كانت المواقع في الناعمة أو غيرها أمراً واقعاً استمر مفروضاً بالرغم من زوال أسبابه بعد العام 1991,. ثانياً، وبينهما موقف لفصائل أخرى كحماس ينظر إليها اللبنانيون باعتبارها مدركة لمركزية النضال الفلسطيني داخل فلسطين.
التطورات الفلسطينية الأخيرة لا تزال مصدر قلق، ومشروع "الحدث الكبير" لا يزال في البال.. لكن الحقيقة آتية قريباً رغم ذلك.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00