8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ماذا لو قالت الأكثرية لعون إنها لن تدفع له ثمن لحود؟

لا يحتاج أداء "التيار الوطني الحر" ـ وتكتل "الاصلاح التغيير" ـ وقائدهما العماد ميشال عون في الآونة الأخيرة إلى كبير عناء لتفسيره. فليس فقط يحيّد العماد عون رئيس الجمهورية إميل لحود وسوريا عن هجماته السياسية المركزة ضد الحكومة وأطراف في الغالبية النيابية كما تجلّى ذلك في جلسة المناقشة النيابية أول من أمس، بل انّ الجنرال ذهب في تصريح له إلى إحدى الصحف يوم الأحد الماضي إلى اتهام الأكثرية النيابية بأنها بمواقفها وسياستها إنما تعمل على بقاء لحود في موقعه السنتين المتبقيتين له من الولاية الممدّدة قسراً، لأنها تفضل هذا "الخيار" على مجيء عون نفسه الى الرئاسة كما قال.
"أنا أو لحود"
في تحليل هذا الأداء، خاصة على خلفية المعرفة اليقينية برغبة عون في الوصول إلى رئاسة الجمهورية، تعرب أوساط مطلعة عن اعتقادها انّ منهجية الجنرال ومنذ عودته إلى لبنان في أيّار الماضي تعني انّه يريد حجز البحث في التغيير الرئاسيّ طالما لم تحسم كتل الأكثرية وتيّاراتها موقفها بتأييد وصوله إلى رئاسة الجمهورية بديلاً من لحود. واتهامه لهذه الأكثرية بأنّها تسعى إلى تمديد بقاء لحود في بعبدا لا تفسير له الا هذا: إن لم تسِر الغالبية معي فلحود باق، وما عليها الا ان تختار بين بقاء لحود أو تغييره بعون.
وفي هذا المجال، ترى الأوساط المطلعة أن عنوان "أنا أو لا أحد" الذي يتكرر بصيغة "أنا أو لحود"، حدُّه الأدنى انّ عون يعتبر نفسه المؤهل الوحيد لتولّي رئاسة الجمهورية ما بعد الانسحاب السوري، لكن حدّه الأقصى هو "الصفقة" التي عقدت بين عون وكان لا يزال في باريس وبين لحود ـ والنظام الأمني ـ والتي تقضي بأن يكون "ثمن" خروج لحود من القصر الجمهوري عندما يحين أوانه هو دخول عون اليه. وهذه "الصفقة" التي تحدث عنها كثيرون في الفترة السابقة وربطوها بالعودة من المنفى، قد تكون متضمنة لتحييد سوريا باسم ان "سوريا لم تعد في لبنان وانّ الوصاية والتدخل باتا وراءنا" كما ردد عون ومحازبوه ومناصروه اكثر من مرة.
وتبدي الأوساط اعتقادها ان هذه المعادلة التي تحيط بمواقف عون وأدائه منذ عودته من المنفى، وخصوصا في الاسابيع الماضية، قد تكون مريحة له حتى الآن أو قد تكون وفرت له مكاسب سياسية معينة: فهو يفترض أولا انه صاحب "فيتو"، ويفترض ثانياً انّ الالتفاف الذي حصل حوله من قبل جماعة سوريّا والنظام الأمني يفيده من زاوية انّه يمكّنه من أن يبدو فوق الصراعات السياسية ومؤهلاً بالتالي لأن يكون رئيساً مرضياً للكثيرين، ويَفترض ثالثاً انه بسبب من كلّ ذلك الوحيد الذي يستطيع ان يؤمن خروج لحود من بعبدا لانه يُطمئن "معسكر لحود"، ويفترض رابعا انه وقد "سلّف" في المجال الدولي مواقف سياسية في مراحل سابقة، سيحظى بتأييد دولي ـ اقليمي لوصوله إلى الرئاسة.
عون والافراط في استخدام قوة التمثيل المسيحي
غير انّ عون الذي ساهمت عوامل عدّة في النتائج الانتخابية التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة وبشكل خاصّ في الدوائر المسيحية "الصافية" وجعلته قادراً على النطق باسم التمثيل السياسيّ المسيحيّ الأكبر، ان عون يُفرط في استخدام موقعه التمثيلي مسيحياً من جهة ويفرط في تقدير انّ الولاء المسيحي يمكن ان يستمر أيّاً تكن السياسة التي يعتمدها من جهة ثانية، ويبالغ في تقدير ثبات العوامل التي تلعب لصالح المعادلة التي اختارها لأدائه من جهة ثالثة.
هل يتحمل مسؤولية بقاء لحود؟
ذلك انّ المعادلة المشروحة آنفاً تحتوي الكثير من "التناقضات"، كما ان الوضع المسيحي لا يمكن ان يقاد "طويلا" تحت عناوين لحودية ـ سورية. وأكثر من ذلك يبدو الجنرال من وجهة نظر الأوساط المطلعة كمن يبني عمارة يمكن ان تقع في أيّ لحظة، فكيف اذا كانت الرياح الآنية في ركاب نتائج التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، عاتية على لحود ودمشق. وإلى ذلك يضاف ان العمارة هذه قابلة لان تقع بمجرد ان تقول له تيارات الغالبية النيابية انها ترفض الابتزاز تحت عنوان "انا أو لحود"، وانها لن تدفع للجنرال "ثمن لحود" أو ثمن خروج لحود من بعبدا، وتحمّل يا جنرال اذا كنت تستطيع مسؤولية بقائه في القصر الجمهوريّ سنتين إضافيتين... أي تحمّل يا جنرال مسؤولية بقاء لحود وتغطيته فيما تشير أصابع الاتهام إليه أو إلى فريقه بالنسبة إلى جريمة العصر.
على انّ الأمر لا يقف عند هذا الحدّ. فالرئيس لحود عبر التسريبات التي يوزعها بكثرة في هذه الأيام كشف "الطبّة". ففي هذه التسريبات لا يخفى انّ لحود يراهن في بقائه ما تبقى له من الولاية الممددة قسراً على عدم اتفاق خصومه على بديله، وقد قال ذلك بوضوح، لا بل قال في "مكان ما"، الآتي: لن اغادر بعبدا وأتمسك بالبقاء إلى اللحظة الأخيرة من ولايتي، وإذا كان لا بدّ من ان أخرج فلن يكون ذلك الا لمصلحة عون... لكن بما انّ مجيء عون دونه اهوال لذلك أنا باقٍ.
المنهجية المطلوبة: بحث شامل
فوق ذلك كله، ثمة أسلوب مستغرب في السياسة كما تقول الأوساط نفسها، ذلك انّ اشتراط حصول التغيير الرئاسي بالاتفاق المسبق على ان يكون عون او مطلق "مرشح" رئيساً، ليس منهجية جدية.. لأنّ الجدّي ان يتم اتفاق متكامل يبدأ بالاتفاق على حصول التغيير ثمّ بالاتفاق على التصور ليأتي الاتفاق على من يكون الرئيس المقبل نتيجةً للبحث الشامل. والحال ان أداء عون مغاير اذ لا يربط بقاء لحود في بعبدا او عدمه بمعطيات سياسية متكاملة بل يربطه بالاتفاق عليه هو بديلاً.
على أيّ حال، واذ تعتبر انّ في الأداء العوني ما يناقض النتيجة التي يتطلع الى تحقيقها، تلفت الأوساط المطلعة إلى ان "نقطة القوة" لدى الجنرال، اي حجم تمثيله المسيحي، قد يكون قابلاً للصرف في رئاسة الجمهورية اذا تعدلت المنهجية، لكن ليس ثمّة وجهة صرف وحيدة.
تجربة الرؤساء منذ الاستقلال..
و "الملف الثلاثي"
وتعود بالذاكرة إلى محطات لبنانية تاريخية "حديثة"، فتشير الى انّ "الحلف الثلاثي" الذي ضمّ في العام 1968 الزعماء الأقوياء للمسيحيين، حقق في انتخابات ذلك العام انتصاراً كاسحاً خاصة في جبل لبنان، وحصد نحو ثلث مقاعد المجلس النيابي، ومع ذلك فلا كميل شمعون ولا بيار الجميل ولا ريمون اده وصل إلى رئاسة الجمهورية في العام 1970، بل كانت الرئاسة من نصيب سليمان فرنجية الذي كان مع صائب سلام وكامل الأسعد وجوزف السكاف في اطار ما كان يسمى "تكتل الوسط" آنذاك، فأُعلن ترشيح فرنجية من منزل سلام وأيده الاقطاب الموارنة.
والعبرة من هذا التذكير هي انّ ثمة في التاريخ اللبناني بعد استقلال 1943 امثلة كثيرة على انّ الرئاسة الأولى لا تعود حكما الى من كان الاكثر تمثيلا. لا بل اكثر من ذلك، لم يأت رئيس الجمهورية ـ قبل الطائف ـ على قاعدة انه الماروني الأول في البلاد. فلا الرئيس بشارة الخوري بطل الاستقلال ـ كان الأقوى مسيحياً حيث كانت القوة الأوزن ممثلة في "الكتلة الوطنية" وليس في "الكتلة الدستورية"، ولا الرئيس كميل شمعون كان كذلك عندما انتخب رئيساً، ولا الرئيس فؤاد شهاب الذي "برم" تمثال السيدة العذراء احتجاجاً عليه، ولا الرئيس شارل حلو ولا الرئيس سليمان فرنجية ولا الرئيس الياس سركيس.
في المقابل، وفي التاريخ ايضا انّ بشير الجميل كان الزعيم المسيحي الأقوى في العام 1982، لكنه كان الأقوى في زمن الحرب، وانتخب رئيساً ليس بفعل التفاف لبناني حوله وكان البلد مقسوما، بل بفعل عوامل اقليمية دولية "ضاغطة" وفي ظل وجود فريق لبناني مهزوم بفعل الاجتياح الإسرائيلي في ذلك العام. ومع ذلك اغتيل الرئيس الجميل قبل تسلّم مهامه.
"الماروني الأول"..ودوره
والخلاصة التي تسلط الأوساط الضوء عليها هي ان مسألة الماروني الأول "ليست حاسمة" في ان يكون هذا الشخص ـ أي الماروني الأول ـ رئيساً للجمهورية وهي ان رئيس الجمهورية لا يمكن إلا أن يكون على علاقة بالبيئات اللبنانية المختلفة، وهي ان الضغط الدولي ـ أو "الفورسينغ" الدولي ـ لا يمكن إلا أن يأخذ في الاعتبار المعطيات المحلية. حتى من تجربة العماد عون نفسها، يُستنتج انه "صار" زعيماً مسيحياً بعد إخراجه من بعبدا أو قبيل إخراجه، تماماً كما "صار" الرئيس كميل شمعون زعيماً مسيحياً بعد رئاسته. والمعنى هنا، انه إذا لم يكن الأوزن مارونياً رئيساً للجمهورية لأسباب واعتبارات شتى، فلا يعني ذلك أن لا دور له سواء في اختيار الرئيس أو في سياسة البلد..
على أي حال، تقدّر الأوساط المطلعة ان عون يلعب أوراقاً إمّا انها منتهية الصلاحية (حلفاء سوريا) وإما أنها غير كافية وإما أنها لا تجدي (حجز البحث في الرئاسة مثلاً) وإما أنها لن تعود صالحة أو قابلة للصرف في وقت قريب (حماية رئاسة لحود في انتظار الاتفاق على ان عون هو البديل).. وإما انها لا تأخذ في الاعتبار الوقائع اللبنانية المستجدة (الرهان على "فورسينغ" غير موجود). وورقة واحدة لا يلعبها عون: إعادة النظر في المنهجية والانفتاح على الآخرين وبدلا من حجز البحث الرئاسي حجز مقعد أساسي في عملية اختيار الرئيس المقبل. فهل يقرأ الجنرال التطورات الآتية لا محالة على "رافعة" تقرير ديتليف ميليس؟ وهل يطلق سراح الكتلة المسيحية التي يمثلها لتشارك في التغيير بدلاً من أسرها مما يجعلها تتراجع أو تُحبط مجدداً؟ أم سيستمر بالسماح للحود بأن يتخذه متراساً؟.. أسئلة برسم الجنرال خلال الأيام القليلة المقبلة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00