في وقت يجمع الوسط السياسي على تقدير الخطوات التي اتخذتها الحكومة في مجال المسألة الأمنية حقّ قدرها، بما هي التعيينات والتشكيلات الأمنية أولاً والاستنفار العسكري والأمني الميداني ثانياً وإجراءات تعزيز القدرات اللوجيستية والتدريبية للأجهزة ثالثاً، فإنه يعتبر أن سيطرة الحكومة على الوضع الأمني العام لا تزال بعيدة المنال وأنها بحاجة لذلك إلى مجموعة من الإجراءات والقرارات في ميادين حيويّة رئيسية.
أولاً ـ يبدي الوسط السياسي اعتقاده بداية أن إقرار التعيينات الأمنية لا بد أن يقترن بعملية إعادة تأهيل للمؤسسات الأمنية في مجال الخضوع للسلطة السياسية وقرارها وفقاً لما ينصّ عليه الدستور، وذلك ليس من زاوية مبدئية ـ دستورية وحسب على أهميّتها، بل من زاوية "عملية" أيضاً، لأن هذه الأجهزة والمؤسسات "متعوّدة" على أداء آخر خلال الحقبة السابقة.
ثانياً ـ ولكي يتحقّق خضوع المؤسسات الأمنية للسلطة السياسية وفقاً للدستور، لا بد من تأكيد أمر في غاية الأهمية وهو وحدة الأمرة على هذه المؤسسات ووحدة المرجعية، فإن كانت هذه المسألة متوفّرة في "مكان ما" في الأنظمة والقوانين الراعية لعمل هذه المؤسسات فلا بد من تفعيلها، وإن لم تكن متوفّرة فلا بد من إيجادها. ذلك أن القادة الأمنيين في المرحلة السابقة كانوا يرفعون تقارير عدة في آن واحد: واحد الى "البورياج" وثانٍ الى عنجر وثالث الى بعبدا... لكن ليس الى رؤسائهم ولا الى الحكومة ورئيسها، وكان مركز "توحيد" التوجه واحداً، أي سوريّاً، لا بل أحياناً كان المسؤول الأمني السوري يوزّع تعليمات مختلفة الى كل جهة ليزرع التناقضات باستمرار ويجعل كل الجهات تلوذ إليه، ولطالما كان ضابط "على كعب" ضابط آخر.
ولا تزال الخشية قائمة حتى اليوم مِن أن يكون ثمة من يرفع تقريره الى المكان غير الصحيح، ولذلك فإن توحيد الأمرة وتوحيد المرجعية أمران قانونيّان ودستوريّان بامتياز فضلاً عن كونهما ضروريين تحقيقاً للفاعلية الأمنية نفسها.
تعريف دور كل جهاز.. الحرس الجمهوري مثالاً
ثالثاً ـ إن أيّ خطة لتطوير عمل المؤسسات الأمنية يجب أن تلحظ إعادة تعريف كل جهاز بدوره وعدم حصول أي تداخل. ولكم حصل في المرحلة السابقة تدخّل من قبل المدير العام السابق للأمن العام في مديرية مخابرات الجيش مثلاً، وذلك في ما يتجاوز التنسيق الذي يجب أن يمرّ بالضرورة بالمرجعية الموحّدة.
وأكثر من ذلك أن خطة التطوير وإعادة الهيكلة ينبغي ألاّ تكتفيان بملاحظة أن لا جدوى من وجود هذا الجهاز الأمني أو ذاك، كما بالنسبة الى جهاز "أمن الدولة" على سبيل المثال، لأن البحث لا بد أن يذهب نحوَ ما إذا كان يحقّ لجهاز من الأجهزة وتحت أي عنوان من العناوين أن يتحوّل الى "جيش" ضمن الدولة قائم بذاته، له عديده وعتاده وبرنامجه على نحو مستقلّ كما حصل بالنسبة الى "الحرس الجمهوري" الذي باتَ جيشاً نظامياً بكلّ معنى الكلمة له ميزانيّته وشبكاتُه إلخ... أي أنه تضخّم على نحو غير مسبوق.
التطهير
رابعاً ـ ويرى الوسط السياسي أن إعادة بناء الأمن الوطني اللبناني، لا بدّ لها أن تمرّ بعملية تطهير للأجهزة الأمنية. ولا شكّ أن القاعدة هي "المهنيّة" والولاء للدولة. غير أن الشروع في عملية تنظيف "البيت الأمني" قد يؤدي سريعاً الى اكتشاف أن مَنْ يتبقّى بعد التطهير والتنظيف قليل أو أقلّ من مقتضيات الأمن، ولذلك لا مفرّ من أن تكون عملية إعادة البناء مِن ما فوق "الصفر" بقليل، وهذا ما يستدعي خطّة خاصة بهذا البند.
التنظيمات الأمنية.. "فرق الموت"
خامساً ـ والأخطر من كل ما تقدّم طرحه حتى الآن، هو أن إعادة بناء الأمن الوطني اللبناني تقتضي حلّ الأمن غير الشرعي الموازي الذي أسّسه النظام الأمني السوري ـ اللبناني.
فقد اكتشف اللبنانيون في السنة الماضية خصوصاً، بعدَ أن أخرج النظام الأمني ما في أحشائه مِن عفن، أن ثمة تنظيمات مسلّحة تشكّل جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية. ويعطي الوسط السياسي مثلاً هنا يتعلّق بـ"جمعية المشاريع الإسلامية" المعروفة بـ"الأحباش". فهذه المجموعة التي بدأت ارتباطها بالأمن اللبناني في بداية عقد الثمانينات ثم التحقت بالأمن السوري بعد العودة السورية الى بيروت في منتصف ذلك العقد، تملك مخازن أسلحة وتمارس إدارة أمنية في مقارّها وحولها.. وأكثر من ذلك تمدّ هذه الجهة خيوطها داخل مؤسسات أمنية رسمية، وثمّة من يقول إنها متمدّدة داخل الحرس الجمهوري ولها فيه عدد من الضبّاط والرتباء، حتى إن أمن الرئاسة في القصر الجمهوري هو برعايتها بواسطة ضابط الحماية وهو شقيق المسؤول الأمني فيها الموقوف حالياً. وكان ذلك كله يتم تحت رعاية قائد الحرس الجمهوري السابق. ولا ينسى اللبنانيون "مسيرة السواطير والجنازير" التي تشبه عرّاضات "فرق الموت" في أميركا اللاتينية قبل عقود، وهي المسيرة التي نظّمت يومها لـ"حساب" المسؤول الأمني السوري السابق.
وإيراد الوسط السياسي هذا المثل، يهدف الى التشديد على ضرورة حلّ كل التشكيلات الموازية للأمن الشرعي، أي التشكيلات التي تتّخذ صيغة تنظيمات سياسية فيما هي مجموعات أمنية في واقع الأمر.
سادساً ـ أن كل ما عرض آنفاً يدخلُ في صلب مهام الحكومة على طريق السيطرة على المسألة الأمنية في البلد، بالإضافة طبعاً الى مطاردة الشبكات الاستخباراتية الإرهابية، وإعادة بناء شبكات المخبرين لصالح الدولة، مع الانتباه بطبيعة الحال الى حقيقة أن ثمة جانباً مافيوياً في الصيغة الأمنية السابقة، حوّلت الأمن في جانب رئيسي منه الى عمليات غسل أموال وتهريب إلخ..
مبادئ سياسية أمنية
سابعاً ـ بيدَ أن كل ذلك يحتاج الى قرار سياسي في الأمن وأهداف الأمن الوطني. وهنا يطرح الوسط السياسي مبادئ عامة رئيسية:
أ ـ إن العدوّ الأول للأمن الوطني اللبناني يبقى التهديد الإسرائيلي والاستخبار الإسرائيلي، مع التذكير هنا بأن نشاط المخابرات الإسرائيلية في المدى العربي يزداد حتى لو كان بلد من البلدان مرتبطاً مع إسرائيل باتفاقية سلام، فكيف في لبنان الذي لا يزال في حالة حرب معها.
ب ـ غير أن التسليم بأن الأولوية في كل زمان ومكان هي لمواجهة الاستخبار والإرهاب الإسرائيليين، لا يجوز أن تحول دون تحديد أولوية أخرى هي مكافحة فلول النظام الأمني السابق، شبكاتٍ ومجموعاتٍ أمنية، لأنها تشكّل مصدر الخطر المباشر على الاستقرار وعلى مجمل الحياة السياسية في البلد.
ج ـ إن هاتين الأولويتين اللتين تبقى مكافحة الجريمة والتجسّس في موازاتهما، تجعلان العمل الأمني فعّالاً من غير أن يتغاضى عن مهامه الأخرى من مراقبة الحدود ومراقبة الدخول والخروج الى لبنان ومنه وسوى ذلك ممّا يمكن أن يفتح على اكتشاف جوانب أمنية إضافية.
المفاعيل الإيجابية في الأمد الطويل
ثامناً ـ على أن الوسط السياسي "المهجوس" بالمسألة الأمنية في هذه الأيام، والذي يأمل أن تشكّل ملاحظاته واقتراحاته الآنفة مساهمة في "تركيز" البحث في هذا العنوان، يعتبر أن العمل الأمني على كل المسارات المطروحة مجتمعةً من شأنه أن يحسّن الوضع الأمني في البلاد تدريجاً وتباعاً. لكن أحداً لا يحقّ له توقّع "أخذ" مفاعيله الإيجابية كاملةً إلاّ في مدى بعيد أو طويل نسبياً، وإن كانَ من حقّ اللبنانيين أن يتوقّعوا تطوّراً في بعض الجوانب الملموسة. ذلك أن ما تواجهه الحكومة في حقيقة الأمر هو بناء ما كان يجب بناؤه طوال السنوات الماضية منذ الطائف، أي أن عليها إنجاز عمل سنوات في شهور، لأن سلطة الوصاية أقامت أمناً لوصايتها وديمومة هذه الوصاية ولم تساعد في بناء أمن وطني لبناني استراتيجي بكل ما للكلمة من معنى.
الورشة السياسية
تاسعاً ـ ويبدي الوسط السياسي اقتناعه بأن "الجبهة الأمنية" بما تستدعيه من ورشة على المسارات كافة، لا يعوّض عن الأمد الطويل الذي تحتاج إليه مراحلها وخطواتها، إلاّ "الأمن السياسي". ولذلك، فإن الورشة السياسية لا تقلّ أهمية عن الورشة الأمنية، بل لعلّها تفوقها أهمية. والورشة السياسية يجب أن تهدف ليس فقط إلى تحقيق تفاهم حول "السياسة الأمنية" بل الى استنهاض الطائف بواسطة تفاهمات وطنية إضافية إما أنها غير ملحوظة في ميثاق الطائف بظروفه، وإما أنه تم تطبيق بنود الطائف بشكل مشوّه، أي تفاهمات حول مرحلة مفصليّة في تاريخ البلد. ذلك أنه لا بد من الاعتراف بأن الطائف أقرّ في مرحلة مختلفة في لبنان وحولَه، وبأنه إذا كان "المبنى" العام للطائف يبقى سليماً وصحيحاً، فإن تطويراً في "المعنى" تقتضيه الظروف خاصة أن تطبيق الطائف آل الى اللبنانيين الذين من صلاحيّتهم وحدهم تحديد مسار حياتهم السياسية.
وإذا كانت الورشة السياسية اللبنانية على هذا القدر من الأهمية من أجل تكوين رؤية مشتركة الى المرحلة المقبلة وعناوينها ومهامها بما في ذلك البحث في كيفية التعاطي مع القرارات الدولية، فإن حواراً موازياً يجب أن يقوم بين السلطة اللبنانية والسلطة الفلسطينية بشأن العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية ومن ضمنها بند السلاح الفلسطيني، وذلك بما يمنع الاختراقات الاستخباراتية من التلاعب بالاستقرار اللبناني والقضية الفلسطينية على حدّ سواء.
عاشراً ـ ويختم الوسط السياسي بالتشديد على أن "الأمن الأمني" لا يكتمل إلاّ بـ"الأمان السياسي"، وهذا ما يستدعي أن يتحرّك الحوار الداخلي سريعاً للإجابة عن الأسئلة في الميادين كافة، وبناء اتفاق متكامل الأبعاد يكون بمثابة خارطة طريق لبنانية إلى المرحلة المقبلة إقفالاً للمرحلة الانتقالية التي طال أمدها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.