8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الوضع الأردني دقيق..

كيف يمكن وصف الوضع في الأردن؟ هل هناك بالفعل ثورة شعبية فجرها رفع الدعم عن أسعار الوقود وأنّ هذه الثورة ستأتي على الأخضر واليابس ولن تبقي شيئاً من النظام؟ باختصار، الوضع في الأردن دقيق، لكنّه ليس خطيراً الى الحدّ الذي يصوره كثيرون لا يدركون أن التصويب، لدى الذين يحرّكون الشارع، ليس على أسعار الوقود وأن همّ هؤلاء ليس همّاً مرتبطاً برفاه المواطن.
التصويب هو على الإصلاحات لا أكثر وذلك من أجل منع إجراء الانتخابات المقررة في كانون الثاني- يناير المقبل. الهدف النهائي للذين حرّضوا على النزول الى الشارع اعتراضاً على القرار الشجاع الذي اتخذته حكومة الدكتور عبدالله النسور، هو عرقلة الانتخابات، وبالتالي الإصلاحات التي يُفترض أن تنقل الأردن الى مرحلة سياسية جديدة.
ولذلك رفعت شعارات وأطلقت هتافات تستهدف شخص الملك عبدالله الثاني الذي أصرّ ويصرّ على الانتخابات رافضاً أن يكون هناك قانون انتخابي على قياس الإخوان المسلمين. تمسّك الملك بقانون انتخابي للأردن والأردنيين وليس لفئة معيّنة لا همّ لها سوى الاستحواذ على السلطة. إنها حركة الإخوان المسلمين التي تعتقد أن الوقت مناسب لاستخدام الشارع من أجل تحقيق أهدافها التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالتحديات الحقيقية التي تواجه وطناً اسمه الأردن، حماها وحمى غيرها في الظروف الحالكة.
قبل كلّ شيء، لا بدّ من تفادي السقوط في فخ المبالغات. هناك أزمة اقتصادية حقيقية في الأردن. إنها أزمة عميقة عائدة الى عوامل عدّة بعضها خارجي وبعضها الآخر داخلي مرتبط بانعدام الموارد الطبيعية في بلد يعتبر من أفقر بلدان العالم، إذ لا ثروة في الأردن سوى الإنسان. ما يمكن قوله باختصار إنّ المملكة الأردنية الهاشمية ستكون قادرة على تجاوز المرحلة الراهنة في حال استوعب المواطنون أنّ الشعارات لن تأخذهم الى أي مكان ولا يمكن، خصوصاً أن تأتي بحلول.
ما ينقص الأردن، الى حد كبير، هو الوعي الشعبي لعمق الأزمة الاقتصادية التي لا يمكن أن تُعالج إلاّ عن طريق خطوات مدروسة تؤدي الى سدّ العجز في الموازنة. ما رفع أسعار المحروقات سوى خطوة أولى في هذا المجال من أجل ضمان الحصول على قروض من مؤسسات دولية، على رأسها البنك الدولي، تساهم في سد العجز في الموازنة.
ليس سرّاً أن فاتورة المحروقات ارتفعت بشكل خيالي في الأردن. هناك كميات من النفط كانت الأردن تحصل عليها، بأسعار مخفضة، من العراق قبل العام 2003. توقف الكرم العراقي مع الأردن. زاد الطين بلّة توقف الغاز المصري الآتي من سيناء. لم تلتزم السلطات الجديدة في مصر الاتفاق الموقّع مع الأردن. لم تزودها سوى بنسبة 18 في المئة من الكميات التي تحتاجها المملكة. اضطرت الأردن الى استخدام الفيول والسولار لتشغيل معامل الكهرباء. في حال استمرّت الأوضاع على ما هي عليه، ستترتب على الموازنة الأردنية أعباء لا يمكن لأيّ دولة ذات إمكانات أقلّ من محدودة تحمّلها.
في حال كان الإخوان المسلمون يريدون بالفعل خدمة المواطن الأردني، بدل استغلال المشاكل التي يعاني منها البلد، ومن بينها وجود ما يزيد على ربع مليون لاجئ سوري في أراضيه، ليبادروا الى الطلب من السلطات المصرية تنفيذ الالتزامات التي يفرضها الاتفاق بين البلدين... وهو اتفاق موقّع بناء على طلب مصري واستناداً الى أسعار السوق.
من البديهي أن يسأل الإخوان في الأردن إخوانهم في مصر لماذا لا تُعامل المملكة في ما يخص شحنات الغاز بالطريقة الحضارية نفسها التي تعامل بها مصر إسرائيل؟
هذه ليست الخضّة الأولى التي تتعرض لها الأردن. الأكيد أنّها لن تكون الخضّة الأخيرة. سبق في الماضي القريب أن كانت هناك تظاهرات في كل أنحاء المملكة. هناك أرقام رسمية تشير الى أن عدد هذه التظاهرات كان بالعشرات، بل بالمئات. لم يحدث عنف على الرغم من كلّ الجهود التي بذلتها أطراف خارجية، على رأسها إيران، من أجل تحوير الأنظار عمّا يدور في سوريا.
استطاعت قوات الأمن الأردنية ضبط الوضع، على الرغم من الاستفزازات التي تعرّضت لها. لم يسقط سوى قتيل واحد في كلّ الأردن على الرغم من تنظيم مئات التظاهرات على مدى أشهر عدّة. وتبين لاحقاً أنّ القتيل كان ضحية ازمة قلبية تعرّض لها...
لا خيار آخر امام الأردن سوى السير في الإصلاحات السياسية والاقتصادية. هل يعي الإخوان المسلمون الذين يحرّكون الشارع حالياً أنّ لا مصلحة لأيّ أردني في تعميق الأزمة الاقتصادية. في النهاية، لا مكان يذهب اليه الأردنيون، بغض النظر عن أصولهم، سوى الأردن. ولا سبيل للمحافظة على الأردن سوى الإصلاحات. تكمن الشجاعة في التخلي عن الشعارات الفضفاضة التي لا توفّر خبزاً أو كهرباء أو وقوداً بأسعار معقولة.
بكلام أوضح، يفترض في الأردنيين أن يكونوا فخورين ببلدهم بدل العمل على تدمير مؤسساته. يفترض في الأكثرية الصامتة الخروج عن صمتها ووضع حدّ للمزايدات والمزايدين.
كان تسجيل ما يزيد على مليوني مواطن نفسهم في اللوائح الانتخابية بمثابة ردّ فعل صحّي على الدعوات الى مقاطعة الانتخابات. مثل هذه الخطوة يجب أن لا تكون يتيمة. اليوم قبل غد، على الأردنيين القول إنّهم يعرفون تماماً أن الهدف من التحركات الأخيرة ليس الاعتراض على رفع الدعم عن أسعار المحروقات بمقدار ما أنّ المطلوب نسف الإصلاحات من أساسها خدمة لأهداف لا تصب في المصلحة الوطنية بأيّ شكل. هل هناك أردني يريد الانتهاء من الأردن؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00