ليس صعباً العثور على المعادلة المناسبة، القائمة على البديهيات، في حال كان مطلوباً مواجهة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء الافريقية. إنّها المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي الى البحر الأحمر، أي من موريتانيا الى السودان مروراً بمالي ونيجر وتشاد وليبيا وجنوب الجزائر طبعاً.
في غياب المعادلة المناسبة، ستبقى تلك المنطقة المهمة مرتعاً للإرهاب والإرهابيين والحركات المتطرفة ما دامت هناك دول معيّنة ترفض الاعتراف بالبديهيات. أولى البديهيات ضرورة التعاون بصدق بين دول المنطقة، بدل استخدام هذه الدولة أو تلك ظاهرة الإرهاب، التي تتصدى لها داخل أراضيها، في عملية ابتزاز دول الجوار والضغط عليها.
لا شكّ أن الحرب على الإرهاب تبدأ داخل كل دولة من دول المنطقة، لكنّها لا تنتهي عند حدود تلك الدولة. ولا شكّ أيضاً أن سيطرة العناصر المتطرفة من القاعدة وما شابه ذلك على مساحات شاسعة من مالي أمر في غاية الخطورة يهدد الأمن في كلّ دول المنطقة، خصوصاً مجتمعات هذه الدول.
لكنّ ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته، أن الوضع في مالي في غاية التعقيد نظراً الى تشابك عناصر وعوامل عدة، بما في ذلك عامل الظلم التاريخي اللاحق بالطوارق والذي جعلهم يتعاطفون مع المتطرفين. وهذا يجعل من مسألة شن حملة عسكرية للتخلص من إرهاب القاعدة في مالي مسألة في غاية الدقة تحتاج الى أكثر من قرار صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يجيز استخدام القوّة ومن مهلة خمسة وأربعين يوماً يحددها المجلس.
من هذا المنطلق، يبدو الموقف الجزائري الحذر مبرراً الى حدّ كبير. وقد عبّر كبار المسؤولين الجزائريين عن هذا الحذر في أثناء الزيارة التي قامت بها للبلد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. أرادت كلينتون من خلال المحادثات التي أجرتها مع الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الحصول على مشاركة جزائرية في عملية عسكرية في مالي. حصلت على غطاء جزائري لمثل هذه العملية. هل يعتبر ذلك كافياً كي تقول الجزائر بعد الآن، إنّها شريكة في الحرب على الإرهاب في الإقليم وإنه ليس صحيحاً ما يردده بعض الخبثاء عن أنها تحارب الإرهاب داخل الأراضي الجزائرية وتسعى الى الاستفادة منه الى أبعد حدود عندما يتعلّق الأمر بالدول الأخرى القريبة منها؟
كان لافتاً أنّ زيارة وزيرة الخارجية الأميركية للجزائر ترافقت مع زيارة للرباط قام بها كريس روس، مبعوث الأمين الأمم المتحدة الى الصحراء الغربية. جاء روس، وهو في الأصل ديبلوماسي أميركي شغل موقع السفير في الجزائر وسوريا، الى المغرب على الرغم من سحب الرباط ثقتها به. كانت زيارته بمثابة إشارة الى أن هناك تفكيراً جديداً في كيفية التوصل الى مخرج في الصحراء الغربية التي هي مشكلة مغربية- جزائرية ولا شيء آخر غير ذلك. كلّ ما في الأمر أن جبهة بوليساريو أداة جزائرية تستخدم في عملية ابتزاز واضحة يتعرّض لها المغرب تحت شعار برّاق هو حق تقرير المصير. لو كانت الجزائر تريد بالفعل إعطاء الصحراويين حقّ تقرير المصير وإقامة دولة لهم، لماذا لا يكون ذلك على الأرض الجزائرية... أو في أي مكان من الشريط الصحراوي الممتد من موريتانيا الى جنوب ليبيا؟
شاركت الجزائر، أم لم تشارك في العملية العسكرية المتوقعة في شمال مالي. ليس ذلك مهمّاً. المهمّ أن تكون هناك مقاربة جديدة للحرب على الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء. مثل هذه المقاربة ليست ممكنة من دون تعاون إقليمي على كل صعيد بعيداً عن العقدة الجزائرية التي اسمها المغرب.
لعلّ المدخل الأوّل لمثل هذا التعاون التفكير جدّياً في حل في الصحراء على أساس اقتراح الحكم الذاتي للمغرب الذي أكّده الملك محمّد السادس مجدداً لدى استقباله كريس روس. كذلك، أكّد العاهل المغربي تمسّك المملكة المغربية بـعلاقات أخوية ونموذجية مع الجزائر. هل طبيعي في السنة 2012 بقاء الحدود مغلقة بين البلدين منذ العام 1994؟
سنرى في الأسابيع القليلة المقبلة هل هناك نيّة جزائرية في الابتعاد عن المناورات والتخلي عن اللغة الخشبية. هذه اللغة التي يتقنها وزير الخارجية السيّد مراد مدلسي الذي لم يتردد، حديثاً، في الدفاع بشكل مبطّن عن النظام السوري لدى وجوده في نيويورك لحضور دورة الجمعية العمومية للأمم المتحدة...
مع مرور الوقت، يتبيّن أن احتضان الجزائر لجبهة بوليساريو وإقامة مخيمات لصحراويين في تندوف بدل السماح لهؤلاء بممارسة حق تقرير المصير فعلاً والعودة الى الصحراء الغربية، في حال شاؤوا ذلك، سيرتدانّ عليها، بل بدآ يرتدّان عليها فعلاً.
بالطبع، يجب ترك الحرية للصحراويين المحتجزين في تندوف كي يقرروا بملء مشيئتهم هل يريدون العودة الى الصحراء لممارسة حقهم في المواطنة الكاملة في ظلّ اللامركزية الموسعة التي نصّ عليها المشروع المغربي، أم أنهم سيبقون ضحية بوليساريو التي بدأت الشكوك تحيط بتورّطها في مسائل مرتبطة بتهريب أسلحة وأمور أخرى الى مجموعات مرتبطة بـالقاعدة مارست كلّ أنواع الإرهاب والخطف والتهريب.
المسألة مسألة وقت فقط. سنعرف قريباً هل تنوي الجزائر أن تكون طرفاً في الحرب على الإرهاب الذي عانت منه طويلاً؟ ستكون العبرة في الرغبة في التخلي عن سياسات عفى عليها الزمن. سياسات ترفض أن تأخذ في الاعتبار أن الحرب على الإرهاب، أما تكون شاملة أو لا تكون. لا يمكن على سبيل المثال وليس الحصر مكافحة الإرهاب داخل الأراضي الجزائرية والوقوف موقف المتفرّج حيال ما يدور في الجوار والرهان على أن في المكان الاستفادة من مصائب الآخرين.
هل نسيت الجزائر أن لديها ديبلوماسيين خطفوا في مالي؟
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.