من لا يزال يتذكّر وجود القضية الفلسطينية في ضوء ما شهدته مصر اخيرا وما تبدو منطقة الشرق الاوسط كلها مقبلة عليه من تحولات مصيرية؟ الثابت ان القضية الفلسطينية تواجه منذ ما يزيد على عشر سنوات تحديات من نوع جديد حولتها الى قضية من قضايا المنطقة بعدما اصرّ العرب، بصدق احيانا وخبث في احيان اخرى، طوال عقود على انها قضيتهم الاساسية، بل المركزية.
في الوقت الراهن، لم يعد من اهتمام دولي واقليمي سوى بمصر وتداعيات ثورتها على الداخل والمحيط. اي شرق اوسط بعد الذي حصل في مصر؟ نسي العالم، وحتى العرب، ما شهدته تونس التي فاجأ شعبها كثيرين كانوا يظنون ان هناك انظمة لا يمكن ان تتزحزح. نسوا ان هناك بلدا عربيا تعرض للتقسيم هو السودان، وان دولة جديدة لا تزال تبحث عن اسم، ولدت من رحمه. ربما وجدت الدولة الجديدة الاسم اخيرا ويبدو انه سيكون السودان الجنوبي وليس السودان الجديد كما كان متوقعا.
تتسارع الاحداث الى درجة انه بعد مضي اقل من شهرين على بداية العام 2011، بتنا امام شرق اوسط جديد يبحث لنفسه عن خريطة جديدة لا علاقة لها بتلك التي عرفناها في السنوات الخمسين الماضية...
بدأ التدهور يزداد على الصعيد الفلسطيني صيف العام 2000 نتيجة فشل قمة كامب ديفيد الني ضمت الرئيس كلينتون والزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني ياسر عرفات، رحمه الله، ورئيس الوزراء الاسرائيلي وقتذاك ايهود باراك. تبين نتيجة القمة ان رئيس الوزراء الاسرائيلي، وهو في موقع وزير الدفاع الان، لا يريد تسوية وانما سعى عمليا الى جرّ ابو عمّار الى فخ ووضعه في موقع الرافض لعرض سخي قدمه له الجانب الاسرائيلي. في الواقع، لم يكن هناك عرض اسرائيلي واضح، بمقدار ما كانت هناك افكار عامة كان على ياسر عرفات الموافقة عليها من دون ضمانات. لم يحسن ابو عمّار التصرف في تلك المرحلة، فكان قراره الكارثي المتمثل في عسكرة الانتفاضة والذي عاد على الفلسطينيين وقضيتهم بالويلات، خصوصا مع وصول ارييل شارون الى السلطة في الشهر الثاني من السنة 2001.
لم يكن القرار القاضي بعسكرة الانتفاضة الوحيد الذي ساهم في الاساءة الى القضية الفلسطينية، خصوصا ان المطلوب اسرائيليا في تلك المرحلة كان قطع طريق واشنطن على ياسر عرفات. جاءت احداث الحادي عشر من ايلول 2001 لتزيد من التقارب الاميركي- الاسرائيلي من جهة وتمكين شارون من وضع ياسر عرفات في الاقامة الجبرية في رام الله من جهة اخرى.
لكن نقطة التحول كانت الاجتياح الاميركي للعراق في اذار من العام 2003، الذي قلب التوازنات الاقليمية رأساعلى عقب. نقلت الخطوة الاميركية في اتجاه العراق كل الاهتمام الى هذا البلد الذي كان ركيزة من ركائز النظام الاقليمي القائم منذ نحو تسعة عقود والذي تشكل الشرق الاوسط، الذي كنا نعرفه، انطلاقا منه ابتداء من مطلع الخمسينات وصولا الى قيام الكيانات الخليجية التي نعرفها الان في الستينات والسبعينات.
اننا الان في مرحلة يعاد النظر فيها بكل شيء في الشرق الاوسط. من الطبيعي ان يكون الفلسطينيون معنيين بما يجري على حدودهم المباشرة، خصوصا في مصر. كيف سيتصرفون في هذه المرحلة؟ هذا هو السؤال البديهي. من حسن الحظ انهم لم يستسلموا للاحتلال الاسرائيلي، بل يبدو رد فعلهم سليما الى حد كبير. هناك دعوة الى انتخابات عامة ورئاسية قريبا. وهناك استقالة لحكومة الدكتور سلام فيّاض، على ان يعود الرجل الى الموقع ذاته على رأس حكومة جديدة. اليوم، اكثر من اي وقت لم تعد هناك اوهام فلسطينية.
لم يعد هناك حتى وهم اسمه المصالحة الوطنية الفلسطينية. لا تزال الوثيقة المصرية التي صاغها نائب رئيس الجمهورية لفترة ايام السيد عمر سليمان والذي يبدو انه خرج من السلطة مع الرئيس حسني مبارك، حية ترزق. ولكن ما قيمة الوثيقة ما دامت حماس لا تمتلك حرية قرارها وهي مكتفية بالسيطرة على امارة غزة الطالبانية بعدما توصلت الى هدنة طويلة مع اسرائيل تضمن بقاءها في السلطة الى ان يقضي الله امرا...
للمرة الاولى في تاريخهم الحديث، يعتمد الفلسطينيون استراتيجية جديدة قائمة على العمل من اجل بناء مؤسسات لدولة مستقلة في ظل الاحتلال. نعم، هناك مؤسسات تقوم غصبا عن الاحتلال. هناك امن فلسطيني يعمل للمحافظة على المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية. انتقل الفلسطينيون، ربما بسبب ما تشهده المنطقة من تطورات مصيرية، من مرحلة النحيب والشكوى من غياب الاهتمام العربي الحقيقي بقضيتهم الى مرحلة السعي الى طرد الاحتلال بفضل قدرة مجتمعهم على الانتماء الى ثقافة الحياة بديلا من ثقافة العمليات الانتحارية التي استخدمتها حماس للقضاء على كل امل في مستقبل افضل من جهة وخدمة كل نوع من انواع التطرف داخل المجتمع الاسرائيلي المريض من جهة اخرى. لم يعد هناك اهتمام بالانقسام بين فتح وحماس وحتى بالتجاذبات التي تشهدها فتح حيث يحاول رجال الحرس القديم القضاء على اي محاولة لتطوير الحركة. انتقلت القضية الفلسطينية الى مكان اخر. انتقلت الى الفلسطينيين الذين لم يعد امامهم سوى خيار واحد وحيد يتمثل في جعل الارض الفلسطينية مرحبة بأهلها بدل ان تكون ارضا طاردة لهم كما يتمنى بيبي نتنياهو. من علامات الزمن ان عدد الذين عادوا الى الضفة الغربية في 2010 يزيد على عدد الفلسطينيين الذين خرجوا منها. انها مجرد بداية في زمن مختلف وفي منطقة تتغيّر بأسرع مما يمكن للمرء تخيّله.
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.