8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نهاية لعهد حسني مبارك

هناك سلسة عوامل ساهمت في إنهاء عهد حسني مبارك ومعه النظام المستمر منذ 1952. في مقدم هذه العوامل حسني مبارك نفسه. لا يمكن بالطبع تجاهل ان ثورة شعبية، بكل ما تعني كلمة ثورة، حصلت في مصر. ولا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية المصرية التي نفذت في الساعات الثماني والاربعين التي سبقت تنحي الرئيس وانتقاله مع عائلته الى خارج القاهرة، شبه انقلاب عسكري، او لنقل انقلابا عسكريا مقنعا. يمكن ايضا وصف الانقلاب بانه كان من النوع المهذب اذ استخدم كبار العسكريين ما يمتلكونه من وسائل اقناع كي يخرج نائب رئيس الجمهورية اللواء عمر سليمان مساء الجمعة الواقع فيه الحادي عشر من شباط 2011 ويتلو البيان المقتضب الذي يعلن فيه مبارك تخليه عن السلطة.
من بين أهم وسائل الإقناع التي كانت القوات المسلحة تمتلكها توفيرالحماية للرئيس وافراد عائلته وضمان سلامتهم مستقبلا. اكتشف الرئيس المصري انه مكشوف امنيا، خصوصا بعد انهيار الاجهزة الامنية الواحد تلو الاخر ابتداء من الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي. صار حسني مبارك وافراد عائلته تحت الحماية المباشرة للجيش الذي اصرّ منذ اللحظة الاولى على رفض الدخول في اي مواجهة مباشرة مع المتظاهرين. حتى الحرس الجمهوري المنتشر في محيط منزل الرئيس، بدا مترددا في البقاء في امرة الرئاسة، خصوصا ان حسني مبارك رفض في الاسبوعين الاخيرين التعاطي بواقعية مع الأحداث المتسارعة.
ولكن كيف نجح حسني مبارك في إنهاء عهده بهذه الطريقة، في حين انه كان قادرا على دخول التاريخ من ابوابه الواسعة لو سمح باجراء انتخابات رئاسية حرة قبل سنوات قليلة؟ الجواب بكل بساطة انه تحول الى رئيس من الرؤساء او ملك من الملوك او امير من الامراء الذين لا يحيطون نفسهم سوى بالمنافقين الذين لا يستطيعون قول كلمة لا عندما تكون هناك حاجة الى قول مثل هذه الكلمة. بالنسبة الى مبارك، كان كل شيء يسير على ما يرام. لم يعد يقابل اي شخص، أكان سياسيا او صديقا او اعلاميا يشرح له ما يجري حقيقة في مصر. على سبيل المثال وليس الحصر، لم يكن يقبل الا باستقبال الصحافيين المستعدين لقبول نشر مقابلات معدة سلفا. صار الإعلام بالنسبة اليه محصورا بشخص معيّن يتقن الاعلان لا همّ له سوى ظهور الريس على شاشات التلفزيون وفي الصور وشعر رأسه مصفف باتقان لا أثر للشيب فيه!
فقدت مصر- مبارك بسبب المنافقين اي علاقة لها بالاعلام البناء والذكي منذ ما يزيد على عشرين عاما. كان من بين الشروط الواجب توافرها لدى اي صحافي عربي او مصري كي يحظى بلقاء مع الريس وكي يجري حديثا معه ان يكون هذا الصحافي تافها لا يحسن سوى المديح... او إلقاء النكات المبتذلة بدل الكلام في الامور الجدّية. كانت هناك بالطبع استثناءات قليلة جدا، مثل المقابلة التلفزيونية التي اجراها الرئيس المصري قبل سنوات قليلة مع احدى الزميلات اللامعات. وقد عانت الزميلة الكثير من اجل تفادي حذف مقاطع معينة من المقابلة. لكن تلك المقابلة، شبه اليتيمة، لم تكن كافية لجعل حسني مبارك يستمع الى سياسيين او صحافيين يخبرونه بصراحة وشجاعة عن حقيقة ما يدور في الشارع وعما يقال عن مصر وغياب دورها على الصعيد الاقليمي.
في السنوات العشرين الاخيرة خصوصا، وضع بعض المحيطين بمبارك حواجز بينه وبين الواقع. لم يعد هناك من يقول له، في السنوات الخمس الماضية مثلا، ان هناك مشكلة اضافية تطرح نفسها بحدة اسمها التوريث وانه تأخر كثيرا في تقديم نجله جمال الى الجمهور المصري كي يكون مرشحا مقبولا في انتخابات رئاسية حرة؟ ربما كان جمال مبارك من بين افضل من يمكنهم شغل الموقع الاوّل في مصر نظرا الى انه مثقف ومنفتح على ما يدور في العالم وراغب في ان يتعلّم من غيره، علما بان هناك من يأخذ عليه الغرق في الملفات وطبيعته الخجولة. ولكن، في نهاية المطاف، يبدو ان المحيطين بحسني مبارك اساؤوا الى جمال الذي كان يمكن ان يلعب دورا مهما لو عرف كيف يخلف والده قبل ترهّل عهد الاخير الذي انتهى في ظرف ثمانية عشر يوما.
ما قد يكون أهمّ من ذلك كله، ان احدا لم يتجرأ على إخبار مبارك بان لا كلام في الشارع سوى عن كبار رجال الاعمال الذين باتوا يمتلكون مليارات الدولارات بسبب ارتباطهم بطريقة او باخرى بالعائلة الرئاسية...
في الاسبوعين اللذين سبقا تخلّي حسني مبارك عن الرئاسة، بدا الرئيس المصري وكانه يعيش في عالم اخر. لم يبق امام المؤسسة العسكرية سوى اخذ المبادرة. وضعت المؤسسة العسكرية الخطوط العريضة لما ستكون عليه مرحلة ما بعد مبارك. ما يمكن فهمه من تلك الخطوط ان مصر ستنتقل الى حكم مدني. وهذا يعني ان نهاية عهد مبارك كانت ايضا نهاية لنظام مستمر منذ العام 1952 لدى وقوع الانقلاب العسكري الذي اطاح الملكية. هل يتمسك العسكريون بعهودهم ووعودهم؟ الى الان، تصرف الجيش بحكمة حفظت مصر. كان ملفتا انه اعتبر مطالب المتظاهرين مشروعة وذلك في اللحظة التي بدأت فيها دباباته تنزل الى شوارع القاهرة. من النقاط الايجابية التي لا يمكن تجاهلها ايضا رفضه اي نوع للمزايدات. فقد اكد البيان الذي اذاعه الناطق العسكري بعد اربع وعشرين ساعة من تنحي مبارك التزام المعاهدات الاقليمية والدولية. مصر لا تريد حروبا مع احد. اكثر من اي وقت، مصر تريد الاهتمام بمصر اوّلا... كي يكون لها دور اقليمي فاعل في ظل الهجمة التي يتعرض لها الوجود العربي في الشرق الاوسط!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00