8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خروج لائق لمبارك.. يليق بمصر؟

لا شكّ ان هناك عوامل عدة اوصلت الوضع في مصر الى ما وصل اليه والذي يمكن اختصاره بعبارة انّ عهد الرئيس حسني مبارك انتهى بعدما خرج الرئيس المصري من السلطة بإعلانه تفويض صلاحياته الى نائب الرئيس. من الناحية العملية، انتهى عهد حسني مبارك مع اعلان الرئيس المصري انه لن يترشح للرئاسة مجددا وان نجله جمال لن يسعى الى الوراثة. بل انتهى لدى قبوله بتعيين اللواء عمر سليمان نائبا لرئيس الجمهورية بعدما رفض ان يكون هناك نائب لرئيس الجمهورية طوال ثلاثة عقود. هذا يعني بكل بساطة ان مصر طوت صفحة عائلة حسني مبارك على غرار طيّها صفحة عائلة جمال عبدالناصر اثر وفاة الاخير في العام 1970 وانور السادات اثر اغتياله في العام 1981.
اكّد الرئيس مبارك بنفسه نهاية عهده بعد الثورة الشعبية التي تشهدها مصر. فعل ذلك بطريقة لائقة الى حد كبير. انها طريقة تليق بمصر اوّلا. من الواضح انه يحظى بدعم المؤسسة العسكرية التي تبدو مصرّة على إيجاد مخرج لائق للرئيس المصري ولإفراد عائلته. وهذا شيء مهم جدا، يدل على وجود وعي لدى كبار الضباط لضرورة تفادي سفك الدم من جهة وضمان انتقال البلد الى عهد آخر بهدوء وفي ظل دستور جديد يؤسس لنظام مختلف من جهة اخرى.
لم يكمل مبارك ولايته الدستورية التي تنتهي في أيلول المقبل. ومع خروج مبارك من السلطة دخلت مصر المجهول الذي لا يمكن ان تخرجها منه سوى المؤسسة العسكرية، في حال ارتضت لعب دور السلطة الانتقالية التي تؤمن الوصول الى مصر ديموقراطية لا علاقة لها بمصر التي عرفناها منذ ثورة يوليو 1952.
في كل الاحوال، دخل الشرق الاوسط، وليس مصر وحدها، مرحلة جديدة، وسيظل السؤال هل تنتقل مصر الى نظام ديموقراطي بعد فترة طويلة من الديكتاتورية، ام انه سيكون هناك شكل آخر من اشكال الديكتاتورية في اكبر دولة عربية؟ الجواب ان مستقبل مصر مفتوح على كل الاحتمالات. اما التطور الذي يمكن ان يدفع في اتجاه التفاؤل فهو يتمثل في ان المتظاهرين الذين اسقطوا نظام حسني مبارك انما تفادوا حتى الآن اي نوع من الشعارات الغوغائية من نوع الموت لاميركا او الموت لاسرائيل او ما شابه ذلك. هل اكتشف شبان مصر باكرا ان الشعارات لا تطعم خبزا وان رافعي مثل هذا النوع من الشعارات يؤدون افضل خدمة لاسرائيل، خصوصا انهم يسعون الى عقد صفقات معها من خلف ظهر مصر استنادا الى اجندة تصب في خدمة تقاسم النفوذ مع اميركا واسرائيل في المنطقة؟
في انتظار وضوح الصورة في مصر، لا بدّ من ملاحظة ان القوات المسلحة تلعب دورا محوريا في الحؤول دون انزلاق الوضع المصري الى المجهول. يحصل ذلك في وقت هناك مراعاة الى اقصى الحدود للرئيس المصري ولرغبته في عدم الظهور في مظهر الهارب مع افراد عائلته من مصر، كما حصل في تونس اخيرا. لجأت القيادة العسكرية الى هذه المراعاة نظرا الى الرغبة في ان يكون التغيير في مصر تغييرا سلميا الى أبعد حدود. كان ملفتا رغبة الجيش في تفادي اي صدام مع المتظاهرين واعتماده ضبط النفس على الرغم من ان هناك فئات سعت الى استفزاز الجنود بكل الوسائل الممكنة.
ما الذي سيحصل في الايام القليلة المقبلة؟ الجواب ان الرهان على ان مصر انتقلت الى جبهة الممانعة في المنطقة ليس كلاما في محله. كلّ ما في الامر ان هناك عهدا انتهى. اسوأ ما في هذا العهد ان الرئيس حسني مبارك انتظر حتى اللحظة الاخيرة كي يقرر ما اذا كان نجله جمال سيخلفه على الرغم من انه جرت تهيئة جمال مبارك للخلافة. غرق الرجل في الملفات. نسي انه كان عليه القيام بحملة شعبية واسعة كي يقنع المواطن العادي بأنه المصري الافضل لتولي الرئاسة. ربما نسي انه كان عليه ان يتسلم الرئاسة في مرحلة لا يزال فيها والده ممسكا بمقاليد السلطة وان لعبة الانتظار ليست في مصلحته!
ما يمكن توقعه الآن هو انتقال سلمي للسلطة عن طريق الجيش مع الحفاظ على كل ما يحفظ لحسني مبارك كرامته. قد ينطبق ذلك على العائلة، عائلة مبارك، لكنه لن ينطبق بكل تأكيد على طبقة اصحاب الملايين والمليارات الجدد الذين صعدوا فجأة الى الواجهة في السنوات العشرين الاخيرة.
مصر تسير في الطريق الصحيح، أقلّه حتى الآن. انها في طريق التحول الى دولة ديموقراطية بفضل المؤسسة العسكرية التي لا تبدو، ظاهرا، انها تطمح الى السلطة. من الدلائل على ان مصر في الطريق الصحيح، الشعارات التي رفعت في التظاهرات. كل ما يريده المصريون هو اصلاحات سياسية تؤدي الى حياة افضل. مصر دولة غنية بفضل مواردها الكثيرة. مصر هبة النيل. مصر تمتلك ثروة بشرية مهمة. مصر تمتلك عقولا. تستحق مصر الديموقراطية وتستحق العودة الى دور رائد في المنطقة. مثل هذا الدور كفيل بإسكات المزايدين الذين تظاهروا في بيروت، وليس في دمشق، رافعين شعارات لا علاقة لها بما يدور حقيقة في القاهرة.
مصر متعلقة بثقافة الحياة. التعلق بثقافة الحياة هو ما يميّز ثورة مصر التي ستكون قدوة للعرب في مرحلة يحتاجون فيها الى مثل هذه القدوة اكثر من اي وقت. انهم في حاجة الى تجاوز الغوغاء والغوغائيين من دون خوف او وجل...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00