8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بين ثورتي تونس ومصر

سيبقى الشرق الاوسط ومعه العالم منشغلا بالحدث المصري فترة لا بأس بها. فقد طغى هذا الحدث على كل ما عداه. صارت الازمة التي يمر بها لبنان جراء الانقلاب الذي تعرض له، وهو انقلاب بكل معنى الكلمة حوّل الاكثرية النيابية الى اقلّية بقدرة قادر في ظرف اقلّ من اسبوع، الى مجرد حادث عرضي. ليس لبنان وحده الذي صار حدثا ثانويا. فجأة، غابت تونس عن الاخبار. باستثناء ان الرئيس زين العابدين بن علي صار خارج السلطة وان هناك تجميدا لحسابات افراد العائلة في المصارف الاوروبية، بدا وكأن تونس لم تعد تهمّ سوى التونسيين، في حين انه كان للثورة الشعبية التي شهدها البلد تاثير مباشر على مصر. ليس صحيحا ان هناك فوارق كبيرة بين مصر وتونس. على العكس من ذلك، هناك قواسم مشتركة عدة بين الثورتين الشعبيتين على الرغم من ان عدد سكان مصر يزيد على اربعة وثمانين مليون نسمة فيما عدد سكان تونس في حدود العشرة ملايين. يمكن البحث عن الفوارق مثلما انه يمكن البحث عن القواسم المشتركة. الاكيد ان الاهمية الاستراتيجية لمصر لا تقارن باهمية تونس، خصوصا ان مصر، وهي اكبر دولة عربية كانت السباقة الى توقيع معاهدة سلام مع اسرائيل في العام 1979، اضافة الى انها تتحكم بقناة السويس وانها دولة عربية وافريقية في آن...
هناك ثلاثة عوامل مهمة تجمع بين مصر وتونس. وقد لعبت العوامل الثلاثة دورا مهما في اندلاع الثورتين وادخال مصر ومعها المنطقة مرحلة جديدة. مصر تغيّرت شئنا ام ابينا، اكمل الرئيس حسني مبارك ولايته او لم يكملها. هناك مصر اخرى، سيتوجب على اي رئيس جديد فيها التعاطي مع مشاكلها الداخلية تفاديا لانهيار كبير تتسبب به الفروقات الاجتماعية والنمو السكاني واستمرار العمل ببرامج تعليمية لا تشجع سوى على التطرف. هناك اجيال مصرية تنشأ في ظل الفقر والعوز والمدارس التي تخرّج ارهابيين لااكثر ولا اقلّ.
لعلّ العامل الاول الذي يجمع بين مصر وتونس هو جيل الشباب الذي اشعل شرارة الثورة. في الحالين، لعب شبان مستنيرون دورا في قيام تظاهرات شعبية واجهتها السلطة بالقمع معتقدة ان سقوط بضعة قتلى كفيل بعودة المتظاهرين الى منازلهم. على العكس من ذلك، دفع القمع مزيدا من الشبان الى النزول الى الشارع. استفاد الشبان في مصر وتونس من وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، خصوصا الانترنت، لمتابعة تحركهم. شرّعوا الابواب امام انضمام فئات اخرى اليهم. بين هذه الفئات الاسلاميون الذين سيعملون من دون شك على استغلال الوضع في مرحلة لاحقة وعلى استيعاب الثورة الشعبية وتوجيهها بالطريقة التي تخدم طموحاتهم. هل ينجح اسلاميو تونس ومصر في ذلك؟ في الحالين هناك علامة استفهام كبيرة تشكل بدورها قاسما مشتركا آخر بين الثورتين.
قد يكون العامل الثاني الذي يجمع بين الثورتين طبقة الفاسدين التي نشأت حديثا في البلدين. هناك ما يزيد على خمسين مليارديرا في مصر. معظم هؤلاء من حديثي النعمة الذين سمحت لهم السلطة باستباحة كل شيء بما في ذلك مساحات شاسعة من الاراضي والاستيلاء على الاستثمارات المربحة. هؤلاء هم الذين يسعون حاليا الى تشكيل ميليشيات تهاجم المتظاهرين في ميدان التحرير وغيره. لدى هؤلاء مصلحة في عرقلة اي تطور سياسي يحصل في مصر. المسألة بالنسبة اليهم مسألة حياة او موت. لذلك انشأوا فرق جنجويد خاصة بهم على الطريقة السودانية. استخدم جنجويد مصر الجمال والخيول في مهاجمة المتظاهرين. خلقوا من دون شك واقعا جديدا، لكنهم لن يتمكنوا في نهاية المطاف من اعادة عقارب الساعة الى خلف. لعب الاغنياء الجدد في مصر دورا اساسيا في تأليب الرأي العام على الحكم القائم وفي جعل القوات المسلحة تتخذ موقفا متضامنا مع المطالب الشعبية التي وصفها ناطق عسكري بأنها مشروعة.
وفي تونس، كانت الشكوى عارمة، حتى في الاوساط الحزبية النافذة، من رجال الاعمال المرتبطين بالاسرة، اسرة السيدة ليلى طرابلسي زوجة الرئيس بن علي. لم يكن مسموحا باقامة اي مشروع كبير في البلد من دون المرور بهؤلاء الذين كانو يصرون على تقاسم الحصص مع المستثمرين في غياب القضاء المستقل!
اما العامل الثالث الذي يجمع بين الثورتين فهو موقف الجيش في كل من تونس ومصر. كان الجيش وراء اقصاء زين العابدين بن علي والانتهاء من حكم العائلة. وكان الجيش وراء فرض تعيين نائب لرئيس الجمهورية في مصر بعدما رفض الرئيس مبارك ذلك طوال ثلاثين عاما. في الحالين حولت المؤسسة العسكرية نفسها الى ضامن للسلم الاهلي ولعملية الانتقال الى مرحلة جديدة. لم يعد مكان لا في تونس ولا في مصر لرئيس للجمهورية يبقى في موقعه مدى الحياة.
في كل من تونس ومصر، لم يفرض الجيش الامن، او لنقل حدا ادنى من الامن الا بعد حصوله على تنازلات معينة. اكدت المؤسسة العسكرية انها صاحبة الكلمة الفصل خصوصا بعد تفكك المؤسسة الامنية التي انشأها زين العابدين في تونس وانهيار الاجهزة التابعة لوزارة الداخلية في مصر.
تبقى تونس تونس ومصر مصر. تبقى هناك فوارق كبيرة بين البلدين، خصوصا ان الفقر في مصر لا يمكن مقارنته بالفقر في تونس حيث نجح بن علي بتوسيع الطبقة المتوسطة. ولكن يبقى ايضا ان الثورتين ليستا نهاية الثورات. انهما مجرد بداية لمسلسل الاحداث التي تبدو السنة 2011 حبلى لها!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00