ثمة من يعتقد ان السلطة الوطنية تتعرض حاليا لحملة لا سابق لها تستهدف جعلها تحلّ نفسها. المطلوب، من وجهة نظر بعضهم، وقد يكون ذلك صحيحا او لا، ان تعلن السلطة انها غير قادرة على المضي في التحرك السياسي في اي اتجاه كان وان عليها إخلاء الساحة لجهة اخرى تتولى ادارة شؤون الشعب الفلسطيني. هل من جهة قادرة على ذلك؟ ام ان الهدف من الحملة يتمثل في ايجاد فراغ فلسطيني ولا شيء غير الفراغ؟
ايا يكن الغرض من نشر وثائق، يقال انها سرّية، تتعلّق بالمفاوضات الفلسطينية- الاسرائيلية بواسطة قناة الجزيرة او غيرها، يفترض في المفاوضين الفلسطينيين الا يشعروا بأيّ نوع من الخجل، خصوصا ان ليس ما يشير إلى ان تلك الوثائق مزورة. على العكس من ذلك، على هؤلاء الاعلان صراحة ان هناك تنسيقا امنيا مع الاسرائيليين الذين ما زالوا يحتلون الضفة الغربية ويتحكمون بكل منافذها. من دون هذا التنسيق، لا يستطيع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية السيد محمود عبّاس (ابو مازن) مغادرة الاراضي الفلسطينية في اي اتجاه كان، بما في ذلك الاردن. هل مطلوب بقاء ابو مازن اسير المقاطعة، اي مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، ام عليه ان يتحرك مع مساعديه في كل الاتجاهات لمقابلة كبار المسؤولين العرب والاجانب بغية فتح آفاق جديدة امام الديبلوماسية الفلسطينية بحثا عن تسوية معقولة ومقبولة بدعم من المجتمع الدولي؟
ما الذي تطلبه حماس مثلا من المجتمع الدولي؟ انها تدعو المجتمع الدولي إلى العمل من اجل فكّ الحصار عن قطاع غزة الذي خرج منه الاحتلال في العام 2005 بهدف واضح كل الوضوح يتمثل في التركيز على الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. مع من ستنسق حماس في حال فكّ الاسرائيليون الحصار؟ هل ستنسق مع الجيش الفلسطيني الذي يطوق القدس وتل ابيب وحيفا ويافا، ام تنسق مع الاسرائيليين الذين ما زالوا يطوقون القطاع ويمنعون وصول مواد البناء اليه؟
كيف كان يخرج الفلسطينيون من غزة قبل الانقلاب الذي نفّذته حماس منتصف العام 2007 وقبل ان تصبح حماس اسيرة الاسير الاسرائيلي الذي تحتفظ به منذ حزيران- يونيو 2006؟ كان اهل غزة، بمن فيهم الذين ينتمون إلى الحركة الاسلامية، يخرجون عن طريق معبر رفح. كان ذلك يحصل بموجب اتفاق رباعي بين الرئاسة الفلسطينية واسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي الذي وضع مراقبين عند المعبر. هذا ليس سرّا عسكريا. وكان الجميع، بما في ذلك حماس راضين عن الاتفاق الذي سمح بالتنقل بين غزة والاراضي المصرية.
كان الاتفاق عمليا ثمرة تنسيق امني فلسطيني- اسرائيلي برعاية اميركية مباشرة. اين العيب في ذلك؟ هل كان لدى الفلسطينيين خيار آخر في تلك المرحلة؟ جربوا بعد ذلك خيار السلاح، خصوصا بعد استيلاء حماس على القطاع بالقوة. كانت النتيجة ان اطلاق الصواريخ، التي كانت ستحرر فلسطين من البحر إلى النهر، صار عملا مرفوضا، بل اقرب إلى الخيانة من اي شيء آخر. هكذا بقدرة قادر، صارت حماس مجندة ضد الصواريخ. هل ذلك يعني انها تحمي الامن الاسرائيلي، ام تحمي امن سكان غزة الذين لا يزال قسم منهم في العراء منذ مارست اسرائيل ارهاب الدولة في اواخر العام 2008 ومطلع العام 2009؟ ان منع الصواريخ التي تطلق من غزة عمل وطني بامتياز. احسنت حماس عندما اكتشفت ذلك... ولو بعد فوات الاوان!
يتوجب على الجانب الفلسطيني الاّ يخجل من المفاوضات او من نشر وثائق تتعلّق من بعيد او قريب بالمفاوضات. يكفي المفاوض الفلسطيني انه طرح مع الجانب الاسرائيلي كل المشاكل العالقة. كان ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، يقول في مجالسه الخاصة انه يفاوض عدوه من اجل استعادة حقوق شعب فلسطين او بعض هذه الحقوق. كان يضيف لو كانت اسرائيل صديقا، لما كان عليّ التفاوض معها.
كان من الافضل لو تجنبت السلطة الوطنية الفلسطينية اي مشكلة مع قطر بسبب نشر الوثائق. اذا كان هناك من يعتقد ان هذه الوثائق سبق صحافي او انها ضربة للسلطة الوطنية الفلسطينية، فهو حرّ في ذلك. من مصلحة رئيس السلطة الوطنية المحافظة على علاقة جيدة بالدوحة وابقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع كبار المسؤولين فيها. اكثر من ذلك، هناك مصلحة فلسطينية في زيارة الدوحة هذه الايام في ضوء التطورات التي يشهدها الشرق الاوسط.
في النهاية، هناك في الوقت الراهن انسداد كامل على صعيد المفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين نظرا إلى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بيبي نتنياهو لا يريد تسوية من اي نوع كان. يقول المنطق ان على الجانب الفلسطيني متابعة جهوده الهادفة إلى الحصول على مزيد من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية في حدود العام 1967 مع تأكيد ان عاصمتها هي القدس الشرقية. الاهم من ذلك كله، لا مفرّ من المحافظة على علاقة جيدة مع الولايات المتحدة من جهة ومتابعة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية من جهة اخرى.
اي غرق في قضية مثل قضية الوثائق المتعلقة بالمفاوضات لا معنى له ولا يقود إلى اي نتيجة. انه غرق في متاهات واضاعة للوقت واختلاق لمعارك جانبية لا اكثر. متى توصل الفلسطينيون إلى صيغة اتفاق ما مع اسرائيل، يمكن عندئذ القول هل الاتفاق جيد ام لا؟ في لعبة المفاوضات، يظل كل شيء مسموحا، اللهم الا اذا كانت لدى العرب خطة سرية لتحرير فلسطين لا تنتظر سوى ساعة الصفر لم يعد يقف في وجهها سوى المفاوض الفلسطيني!
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.