لا يمكن تجاهل ما تعرضت له تونس أخيراً والتقليل من أهمية ما حدث. الدليل على ذلك أن السلطات التونسية اتخذت إجراءات معينة شملت الاعتراف بضرورة معالجة مشكلة البطالة، بشكل جدّي، خصوصاً في محافظات ومناطق معينة لم تستفد كما يجب من التطور الذي شهده البلد في السنوات الأخيرة.
هناك ما يدعو الى معالجة ظاهرة البطالة بشكل جذري وعدم الاستخفاف بها. فهذه الظاهرة، تعكس وجود مشكلة ذات طابع اجتماعي، تعبر عن نفسها بأشكال مختلفة بدءاً بظاهرة العنف في الملاعب الرياضية. وقد تحدث عن الظاهرة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بنفسه في الخطاب الذي ألقاه في السابع من تشرين الثاني الماضي. يضاف الى ذلك أن هناك اتجاهاً نحو التطرف يكشفه شكل الناس في الشارع وانضمام بعض الشبان الى الحركات والأحزاب الدينية التي تعد بالجنة، في حين أن هذه الأحزاب والحركات لا تستطيع توفير شيء آخر غير الكلام المعسول والوعود المستحيلة التحقيق.
كل ما تستطيعه الحركات والأحزاب الدينية المتطرفة التي سعت الى التسلل الى إدارات الدولة في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، هو نشر البؤس وضرب الاستقرار وقطع الطريق على كل ما من شأنه تحقيق تقدم في بلد يمتلك موارد طبيعية محدودة وتبقى ثروته الأولى والأخيرة الإنسان المسلح بالعلم والانفتاح الحضاري على العالم.
أبعد من مشكلة البطالة، هناك أمر آخر يُفترض التركيز عليه تونسياً. إنه الحملة التي تعرضت لها تونس خلال الأحداث الأخيرة وبعدها. كشفت الحملة وجود متربصين بتونس وتجربتها ورغبة في تدمير الإنجازات التي تحققت اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. فالمجتمع التونسي، حيث طبقة متوسطة حقيقية، متصالح مع نفسه. ولعلّ الإنجاز الأهم الذي حققه في السنوات الخمسين الماضية يتمثل في المحافظة على مستوى التعليم من دون أي نوع من العقد، وعلى حقوق المرأة وتطوير هذه الحقوق في منطقة تمر منذ عقود عدة بظروف في غاية الصعوبة والتعقيد. تكفي العودة الى ما تعرضت له الجزائر منذ العام 1988 بسبب نمو ظاهرة التطرف وغياب القدرة على استيعاب هذه الظاهرة من جهة وما تعرض الجار الآخر لتونس وهو ليبيا من جهة أخرى. تحولت الجزائر التي كانت في مرحلة معيّنة تتاجر بالتطرف والمتطرفين، بما في ذلك متطرفي تونس، الذين بقيت تستضيفهم حتى العام 1995، الى حقل تجارب للحركات الإرهابية التي سعت الى ضرب كل ما هو حضاري وكل تجربة سياسية ذات علاقة من قريب أو بعيد بالانفتاح والتقدم في منطقة شمال افريقيا. أما ليبيا، فقد بقيت طوال سنوات طويلة محاصرة. وقد ساهم الحصار الى حدّ كبير في انغلاق المجتمع فيها على نفسه وعلى نمو الحركات الإرهابية التي تستخدم الدين وسيلة للتغلغل الى المجتمع الليبي والتسلل بعد ذلك من الأراضي الليبية الى دول الجوار وحتى الى أبعد من ذلك بكثير...
استطاعت تونس بفضل تحول السابع من تشرين الثاني 1987، تاريخ وصول زين العابدين بن علي الى الرئاسة، حماية نفسها من الأخطار الداخلية والخارجية والمحافظة في الوقت ذاته على ما تحقق في عهد بورقيبة. أكثر من ذلك، حصل تطوير للتجربة التي كانت في مرحلة معينة مهددة بالانهيار. جرت محاولة لاستيعاب التطرف والمتطرفين... الى أن تبين أن لا وجود لمتطرف معتدل يتباهى بأنه يتذوق الموسيقى وآخر لا يؤمن سوى بالتفجيرات والعنف وحتى الذبح. فالمتطرف الذي يستغلّ الدين لتحقيق مآربه هو الشخص نفسه، أياً يكن شكل القناع الذي يستخدمه في ظرف معيّن.
هناك بكل بساطة تشريح للوضع التونسي يصدر عن المرجع الأعلى في البلد يتضمن اعترافاً بوجود مشكلة ذات علاقة بالبطالة. وقد كرر بن علي أهمية معالجة مشكلة البطالة في خطاب ألقاه في مناسبة حلول السنة الجديدة. ولكن، هناك أيضاً فهم تام للمخاطر التي تتعرض لها تونس واستعداد لمواجهة الحاقدين على التجربة التي أمنت مستقبلاً أفضل لمجمل أفراد الشعب التونسي، بغض النظر عن بعض السلبيات. الواضح أن ذلك لا يكون عن طريق أي نوع من التنازلات في أي مجال كان. هذه التنازلات، حتى لو بدت شكلية، مضرة بالتونسيين ومستقبلهم وتبشر بتنازلات أخرى لا تقتصر على الشكل الخارجي للمواطن والمواطنة.
الأكيد أنها ليست المرة الأولى والأخيرة التي تمر فيها تونس بصعوبات، هي التي مرت في مرحلة معينة أيام بورقيبة بما سُمّي ثورة الخبز. لكن تونس ستكون قادرة مجدداً على تجاوز الصعوبات بفضل الطبقة المتوسطة أولاً وبرغبة التونسيين، بأكثريتهم الساحقة ثانياً وأخيراً، في تفادي السقوط في فخ التطرف والتخريب...
هذا لا يعني من دون أدنى شك أن التجربة التونسية لا تحتاج الى إصلاحات، على صعد مختلفة بدءاً بتطوير الحياة السياسية والحزبية والإعلام الرسمي والوطني عموماً واحترام الحريات بشكل عام. لكن الواضح، أن ذلك ليس ممكناً تحت الضغوط التي يسعى المتطرفون في الداخل والخارج الى ممارستها على تونس التي لا تزال الى إشعار آخر تجربة ناجحة بشهادة الأرقام... وليس استناداً الى ما يتردد في الخطب الرنانة للإسلاميين التي لا معنى لها في معظم الأحيان، خصوصاً في منطقتنا العربية.
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.