بقلم : مروان داغر
في أفلام الرعب الهوليوودية مثل سلسلة Hostel، يدفع الأثرياء أموالاً طائلة ليستمتعوا بتعذيب وقتل بشر في أقبية مظلمة. خيال مرعب، لكنه يبدو ناعماً مقارنة بما حدث فعلاً في عالمنا. قناصون يُرقّصون الجثث على خطوط التماس في بيروت، وسياحة قتل منظمة في شوارع سراييفو المحاصرة. سادية باردة، مدفوعة الأجر، وتُكشف اليوم بعد عقود من الصمت.
"ترقيص الجثث"... سادية القناصين في بيروت 1975
مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في أبريل 1975، تحولت أحياء مثل عين الرمانة، السوديكو، المتحف، وبدارو إلى مسارح موت يومية. اشتهر "القناصون" من مختلف الميليشيات باصطياد المدنيين العابرين: أطفال يلعبون، نساء يتسوقن، وشيوخ يمشون ببطء. لم يكن القتل مجرد عمل عسكري، بل تسلية.
كانوا يمارسون ما سُمّي "ترقيص الجثث": يطلقون الرصاصة الأولى على ساق الضحية ليسقط، ثم الثانية على اليد، ثم يتابعون "الرقص" بإصابات متعمدة قبل الضربة القاضية. شهادات ناجين وصحفيين وثّقت كيف تحولت الشوارع إلى مناطق قنص مفتوحة، حيث يتنافس القناصون على الدقة والوحشية. لم تكن الحرب مجرد صراع طوائف؛ بل تحولت إلى مهرجان سادية عام أودى بحياة عشرات الآلاف وشوّه لبنان إلى الأبد.
"سياحة القتل" في سراييفو 1992... قتل بأسعار محددة
بعد 17 عاماً فقط، وفي قلب أوروبا، تكرر الأمر بشكل أكثر تنظيماً وتجارة. خلال حصار سراييفو (1992-1996)، الذي قُتل فيه أكثر من 11 ألف مدني، عرضت ميليشيات صرب البوسنة خدمة جديدة: "سياحة القتل" أو "سفاري سراييفو".
كان الأثرياء – وغالباً من الغرب – يدفعون عشرات الآلاف من الدولارات (تصل إلى ما يعادل 90-100 ألف يورو اليوم) مقابل رحلة نهاية أسبوع: طائرة خاصة، موقع قنص مرتفع، وبندقية قنص. وكانت الأسعار متفاوتة بحسب "الصيد":
رجل عادي: سعر أساسي.
طفل: تكلفة إضافية.
امرأة جميلة: سعر أعلى.
امرأة حامل: الأغلى، مع "جوائز" إضافية لمن يقتل "الأجمل" أو الحامل.
بعد يوم من "الصيد"، كانوا يحتفلون بوجبات فاخرة وخمور. أما الضحايا، فكانوا مدنيين يحاولون عبور الشارع لجلب الماء أو الخبز. واليوم، تتحرك تحقيقات إيطالية موسعة بناءً على شهادات وشكاوى صحفيين مثل إيزيو غافازيني ودوماغوي مارغيتيتش، الذي أصدر كتاباً جديداً يفضح التفاصيل.
الأمير البريطاني... والتحقيقات المفتوحة
الأكثر إثارة في الأخبار الأخيرة: ادعاءات بتورط أمير بريطاني بارز كأحد أبرز "الزبائن". لم يُكشف اسمه بعد، لكن مصادر التحقيقات الأوروبية تتحدث عن "عضو في عائلة ملكية أوروبية" شارك في هذه "الرحلات". التحقيقات الإيطالية مستمرة، وهناك دعوات في الكونغرس الأمريكي للتحقق من احتمال تورط أمريكيين أيضاً.
هل هذا خيال؟ الوثائق والشهادات والتحقيقات الجارية تقول: لا. فيلم وثائقي مثل Sarajevo Safari بدأ يكشف الستار، والآن تتوسع التحقيقات عبر الكتب وشهادات المدعين العامين.
لماذا الآن؟ وماذا بعد؟
بعد ثلاثة عقود، بدأت الجروح تنفتح من جديد. الناجون يطالبون بالعدالة، والصحفيون الاستقصائيون يجمعون الأدلة. هذه ليست مجرد جرائم حرب عابرة؛ إنها تجارة موت حوّلت الإنسان إلى لعبة. في لبنان كما في البوسنة، أظهرت الحروب الجانب الأكثر ظلاماً في البشرية: ليس فقط القتل، بل الاستمتاع به.
السؤال الذي يطارد الجميع: كم من هؤلاء "السياح" لا يزالون يعيشون حياة هادئة في أوروبا أو بريطانيا؟ ومتى يأتي اليوم الذي تُكشف فيه الأسماء كاملة إلى العلن؟
الواقع، كما ترون، أفظع من أي فيلم رعب. والتحقيقات لا تزال في بدايتها.
