منوعات

فيروس هانتا على متن سفينة سياحية: هل يهدد بوباء جديد أم يبقى محصوراً؟

تم النشر في 8 أيار 2026 | 00:00

بقلم : مروان داغر

في الثاني من مايو (أيار) 2026، أبلغت السلطات البريطانية منظمة الصحة العالمية عن مجموعة من الركاب يعانون أعراضاً تنفسية حادة على متن السفينة السياحية الهولندية MV Hondius. كانت السفينة تقل 147 شخصاً بين ركاب وطاقم، وسرعان ما تحولت إلى بؤرة قلق دولي بعد تسجيل إصابات مؤكدة بفيروس هانتا (Hantavirus)، وتحديداً سلالة الأنديز (Andes strain) النادرة والخطيرة.

حتى الآن، أُبلغ عن ثماني إصابات (بعضها مؤكد مخبرياً وبعضها مشتبه)، منها ثلاث وفيات، وحالة حرجة واحدة، بينما يعاني آخرون أعراضاً خفيفة. تم إجلاء بعض المرضى إلى هولندا وجنوب أفريقيا لتلقي العناية الطبية، فيما لا تزال السفينة مرساة قبالة سواحل كابو فيردي (الرأس الأخضر) وسط جهود لتتبع الركاب الذين نزلوا سابقاً.

ما هو فيروس هانتا وسلالة الأنديز تحديداً؟

فيروسات الهانتا هي مجموعة من الفيروسات الرناوية التي تنتمي إلى عائلة Hantaviridae، وتنتقل عادة من القوارض (مثل الفئران والجرذان) إلى الإنسان عبر استنشاق أو لمس جزيئات من بولها أو برازها أو لعابها المجفف والمُذرر في الهواء. لا تنتقل بين البشر في معظم السلالات، لكن سلالة الأنديز (المنتشرة في أمريكا الجنوبية) تُعد الاستثناء الوحيد الموثق بوضوح لانتقال محدود من شخص إلى آخر، وغالباً عبر الاتصال المباشر الوثيق أو سوائل الجسم.

معدل الوفيات في سلالات الهانتا الجديدة مثل الأنديز يتراوح غالباً بين 35 و50% في الحالات الرئوية الشديدة، مقارنة بسلالات أخرى أقل فتكاً. هذا يجعلها أكثر خطورة من كوفيد-19 من حيث الفتك الفردي، لكنها أقل قابلية للانتشار الجماعي.

أعراض الإصابة بفيروس هانتا (متلازمة هانتا الرئوية - HPS)

تبدأ الأعراض عادة بعد فترة حضانة تتراوح من أسبوع إلى 8 أسابيع (غالباً 1-5 أسابيع):

المرحلة الأولى (شبيهة بالإنفلونزا، 3-5 أيام): حمى، صداع شديد، آلام عضلية (خاصة في الظهر والفخذين)، غثيان، قيء، إسهال، فقدان شهية، سعال، وألم في الصدر.

المرحلة الثانية (الرئوية الحرجة): ضيق تنفس مفاجئ وسريع التفاقم، سعال جاف يتحول إلى رطب، تراكم سوائل في الرئتين (وذمة رئوية غير قلبية المنشأ)، انخفاض ضغط الدم، وفشل تنفسي يتطلب دعماً ميكانيكياً. وفي بعض الحالات قد تظهر أيضاً تأثيرات على الكلى وأعضاء أخرى.

في الحالات الشديدة، يتدهور المريض بسرعة خلال ساعات، مما يفسر الوفيات المبكرة على السفينة. لا يوجد علاج محدد مضاد للفيروس، ويعتمد العلاج على الرعاية الداعمة في وحدات العناية المركزة.

دليل علمي على انتقال سلالة الأنديز بين البشر

وثقت دراسات سابقة في الأرجنتين وتشيلي (مثل تفشي Epuyén بين 2018 و2019) انتقالاً من شخص إلى شخص في مناسبات اجتماعية مزدحمة لكن هذا الانتشار ظل محدوداً ومرتبطاً بالمخالطة اللصيقة والبيئات المغلقة، وليس عبر الهواء مثل فيروس كورونا.

في حالة السفينة الحالية، يشتبه الخبراء في أن انتقالاً بشرياً محدوداً ساهم في التفشي داخل البيئة المغلقة للسفينة، خاصة أن الرحلة انطلقت من مناطق في جنوب أمريكا حيث السلالة متوطنة.

هل احتمال وباء عالمي مثل كورونا وارد؟

معظم الخبراء يستبعدون ذلك بقوة. فعلى عكس SARS-CoV-2 الذي ينتشر بكفاءة عالية عبر الرذاذ التنفسي حتى قبل ظهور الأعراض، يعتمد هانتا الأنديز بشكل أساسي على الاتصال المباشر أو التعرض لإفرازات القوارض. الانتقال بين البشر يوصف بأنه “نادر ومحدود”، والسلطات الصحية، بما فيها منظمة الصحة العالمية والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض، تقيم الخطر الحالي على الصحة العامة بأنه منخفض.

ومع ذلك، يثير الحادث تساؤلات مهمة حول قدرة الفيروسات الحيوانية المنشأ على الظهور في بيئات مغلقة ومزدحمة. ولا توجد حالياً أدلة على تطور سلالة الأنديز نحو انتقال هوائي واسع، لكن الجهات الصحية تواصل مراقبة الوضع عن كثب، مع تتبع الركاب الذين غادروا السفينة إلى بلدان مختلفة.

الخلاصة العلمية

يذكرنا هذا التفشي بأن الطبيعة لا تزال تحمل مفاجآت، وأن الفيروسات الزونوتية (المنقولة من الحيوانات) مثل هانتا تستحق اليقظة المستمرة. الإجراءات الوقائية البسيطة مثل تجنب التعرض للقوارض وإفرازاتها، غسل اليدين، وتجنب المخالطة اللصيقة للحالات المشتبه بها تبقى أفضل وسائل الوقاية. وحتى الآن، يبدو أن حدوث وباء عالمي واسع النطاق غير مرجح، لكن الفتك المرتفع للسلالة يجعل كل حالة جديدة تستحق المتابعة الدقيقة.

ويستمر العلماء حالياً في تسلسل الجينوم ودراسة السلالة لفهم أي تغيرات محتملة، فيما تتابع السلطات الصحية الدولية الوضع عن كثب.