أخبار لبنان

سعد الحريري: الغائب الأبرز في زمن الفتن.. صوت العقل المفقود في لبنان المهدد

تم النشر في 3 أيار 2026 | 00:00

بقلم:مروان داغر

يواجه لبنان اليوم أخطر مرحلة في تاريخه الحديث، حيث تتلاحق عليه أربع مخاطر جوهرية تهدد كيانه الوطني وبنيته الاجتماعية واستقراره الاقتصادي. في ظل هذه العاصفة، يغيب صوت الحكمة والاعتدال، وتتصاعد الاستفزازات الطائفية إلى مستويات تذكرنا بعشية 13 نيسان 1975، يوم اندلاع الحرب الأهلية المأساوية. وفي قلب هذه الصورة المظلمة، يبرز غياب الرجل الذي ضحى بمسيرته السياسية وصحته وثروته لتجنيب لبنان مثل هذه اللحظات: الرئيس السابق سعد الحريري.مخاطر وجودية أربعةأولاً، الحرب الإسرائيلية التي عادت لتشتعل منذ مارس 2026، بعد التصعيد الإقليمي. أسفرت العمليات العسكرية عن مقتل أكثر من 2600 شخص وإصابة آلاف، ونزوح أكثر من 1.2 مليون لبناني (نحو 20% من السكان)، مع تدمير آلاف المنازل في الجنوب والبقاع وضواحي بيروت. هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق هشاشة وقف إطلاق النار السابق.

ثانياً، الانقسام العمودي بين الدولة اللبنانية وحزب الله حول سلاحه. يضغط المجتمع الدولي والحكومة اللبنانية لنزع السلاح جنوب الليطاني وفرض احتكار الدولة على القرار العسكري، بينما يرفض الحزب تسليم سلاحه. هذا الخلاف أدى إلى تصريحات حادة وتهديدات متبادلة، مع تحذيرات من مسؤولين حزبيين بـ"قلب الطاولة" أو مواجهة "حتمية".

ثالثاً، النزوح والحساسية الديموغرافية، إذ يفاقم النزوح الداخلي والخارجي التوترات الطائفية في بلد يعاني أصلاً من توازن دقيق بين مكوناته.رابعاً، الانهيار الاقتصادي المستمر منذ 2019. رغم بعض مؤشرات النمو الضعيف في 2025، أعاد التصعيد الأخير الاقتصاد إلى حافة الهاوية: ديون عامة تفوق 176% من الناتج المحلي، خسائر مصرفية تجاوزت 72 مليار دولار، وفقر يطال أكثر من 80% من السكان. الحرب تقضي على أي أمل في السياحة أو الاستثمار أو برامج صندوق النقد.

صوت الفتنة يعلو.. وصوت العقل يغيبفي هذا المناخ المتفجر، شهدنا مؤخراً حوادث إعلامية وطائفية خطيرة. فيديو على قناة LBC حول نعيم قاسم أثار غضباً، تلاه ردود غير أخلاقية طالت البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي دعا مراراً إلى نزع السلاح واستعادة سيادة الدولة. هذه الاستفزازات الطائفية ليست مجرد كلمات، بل وقود يغذي نار الانقسام، ويذكر اللبنانيين بأيام ما قبل الحرب الأهلية.

بدلاً من أن يعمل السياسيون والإعلام على وأد الفتنة وتعزيز الوحدة الوطنية، نرى تصعيداً خطابياً يدفع لبنان نحو حافة الهاوية. الجيش اللبناني يحاول تنفيذ خطط نزع السلاح، لكن التوترات الطائفية تهدد تماسكه، وتثير مخاوف حقيقية من تكرار سيناريوهات 1975-1990 التي أودت بحياة نحو 150 ألف لبناني.لماذا يبرز غياب سعد الحريري؟سعد الحريري ليس غائباً عادياً. هو الزعيم السني الذي قاد حكومات متعددة، وسعى دائماً لـ"النأي بالنفس" عن المحاور الإقليمية، ودافع عن الدولة القوية والاقتصاد الحر والتعايش الطائفي. ضحى بصحته بعد الاغتيال السياسي الذي تعرض له، وبثروته في محاولات إنقاذ لبنان من الانهيار. في 2022، ابتعد عن السياسة احتجاجاً على النفوذ الإيراني والفساد، لكنه حافظ على شعبيته وقاعدته.

اليوم، في أزمة 2026، يفتقد لبنان صوته المعتدل الذي كان يجمع بين الطوائف ويحاور الدول الغربية والعربية لدعم الاستقرار. عودته المحتملة مع الانتخابات المقبلة قد تكون أملاً، لكن غيابه الحالي يجعل الصورة أكثر قتامة: الاعتدال مفقود، والتطرف يملأ الفراغ.لبنان يحتاج اليوم إلى قيادة وطنية تجمع لا تفرق، وتضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. التاريخ يعلمنا أن الحروب الداخلية لا تنتصر فيها أي طائفة، بل يخسر فيها الجميع. الوقت لم ينفد بعد، لكن الصمت والغياب لن ينقذا الوطن. صوت العقل، ممثلاً في رجال مثل سعد الحريري وغيرهم من المعتدلين، يجب أن يعود قبل فوات الأوان. لبنان أغلى من أن يُترك للفتن.