تعزو أوساط ديبلوماسية عربية بارزة، الأسباب الكامنة وراء التعثر الذي منع خلال الأيام الماضية حصول تقدم جوهري في مؤتمر الحوار الوطني المنعقد في الدوحة الى عوامل دولية وإقليمية لم يكن ممكناً معها، عزل الملف اللبناني عن مؤثراتها وتداعياتها الضاغطة، على الرغم من المحاولات المكثفة التي بذلتها قطر واللجنة العربية خلال الساعات الماضية للخروج اليوم بالإعلان عن اتفاق.
والعوامل التي ارتبط هذا التعثر بوجودها تكمن في:
ـ غياب ردة الفعل الأميركية حيال مؤتمر الدوحة حيث لم يحرّك أي ساكن، على الرغم من الترحيب بهذا الحوار.
ـ ابتعاد الدور السعودي مرحلياً عن موضوع المؤتمر في البداية، لكن ما لبثت المملكة أن رحبت به لكي لا تُظهر انطباعاً بأنها تتعامل سلباً مع دور قطر.
ـ انعدام وجود حوار حقيقي في الدوحة بين الفرقاء حول المسائل الوطنية ومصيرها، والنظرة الى مستقبل البلاد على قاعدة المشاركة الحقيقية. ذلك أن في الحوار الحقيقي تُطرح الأمور على بساط البحث ويقدم الأطراف الأفكار، ليتم التوصل بنتيجتها الى قواسم مشتركة تحفظ سيادة البلاد واستقلالها ووحدتها. فالذي يحصل، هو، أن هناك تمسكاً بالمواقف التي جرى تكرارها، خصوصاً من جانب المعارضة، في حين تجاوبت الأكثرية مع العديد من الطروحات التي توفر على البلاد مزيداً من التشنج ومن استمرار الفراغ في سدة الرئاسة. وما يحصل هو أن الفريقين يبحثان أفكاراً هي كناية عن اقتراحات قطرية للحل تبتكرها الدوحة لتقريب وجهات النظر والعمل مع الفريقين كل على حدة لتأمين التوافق حولها.
ـ لم يتمكن كل من فريقي الموالاة والمعارضة من أن يقدّم كل واحد للآخر الضمانات المطلوبة للخروج من الأزمة وتسهيل الحل. فالضمانات حول عدم استعمال السلاح في الداخل لم تكن واقعية، كما أنها استجرت تراجعاً في استمرار الضمانات من جانب الأكثرية، حول أن مسألة السلاح لن تطرح في أي نقاش خارج لبنان، لذلك باتت الضمانات حول عدم بحث هذا الملف إلا من خلال الحوار اللبناني ـ اللبناني البحت محور علامات استفهام كبيرة، الى الحد الذي بات معه الطرح يتناول هوية هذا السلاح. وكذلك ما إذا كان فعلاً هو سلاح لمقاومة إسرائيل، أم بات يحمل أجندة داخلية ذات امتداد استراتيجي للتحالف الإيراني ـ السوري؟. كذلك فإن الأحداث الأخيرة التي شهدتها بيروت استدعت من اللجنة العربية وضع بند العلاقة بين الدولة والتنظيمات في صلب مقرراتها، وإن فُهم من أركان "حزب الله" أن قضية سلاح الحزب لن تُبحث الآن في الدوحة، ما يؤشر الى صعوبات تحيط بحثها في الحوار اللبناني برئاسة رئيس الجمهورية العتيد.
ـ لقد ساد ارتياح سوري ليس لانعقاد مؤتمر الحوار في الدوحة، بل للانطباع الذي ظهر من انتقال الفرقاء اللبنانيين الى قطر لمعالجة الموقف، علّ ذلك يثبت للعالم أن النزاع في لبنان داخلي كما تقول دمشق، وهي لا تمانع أي توافق بين اللبنانيين. إلا أن ما هو محور قلق سوري، الاتجاه الأميركي المتجدد والذي سيتبلور في وقت قريب جداً للتصعيد ضد سوريا على خلفية المعلومات التي قدمتها كوريا الشمالية الى واشنطن حول الملف النووي السوري، والتي تؤكد التعاون مع دمشق لهذا الغرض، لكن الهدف الكوري هو هدف تجاري ليس إلا. وبدأت الإدارة الأميركية حالياً إعداد الملف النووي السوري للتعامل معه كما جرى التعامل مع الملف النووي الإيراني، وطرحه على مجلس الأمن الدولي. وهذا يشكل في حد ذاته محطة تصعيدية مرتقبة حيال سوريا، خصوصاً أن قيادة العمليات الخاصة الأميركية وضعت خططاً بعد دراسات، تتناول سبل اللجوء الى عمل عسكري ضد طهران في ظل هذه الظروف.
ـ إن هذه التطورات، وإمكان اللجوء الى التصعيد في المنطقة، سينعكس تغييرات كبيرة، قد يتعذّر على هذه الدول استيعاب نتائجها. وليس صدفة أن يتحدث الرئيس الأميركي جورج بوش عن ضرورة أن تطوّق الدول والأنظمة في المنطقة إيران وسوريا، وعن ضرورة إزالة القمع عن شعوب في المنطقة. والاستيعاب لأي تطور تصعيدي في المنطقة صعب وخصوصاً أن أكثر من طرف متطرّف سيدخل على الخط، الأمر الذي يفسر ما قاله أسامة بن لادن عن أنه آن الأوان للتحرك ضد الأنظمة. وهذا ما يفسر أيضاً التحرك العربي الضاغط إثر أحداث بيروت، لكي لا يكون هناك تحرك مماثل داخل الدول العربية وبالأسلوب نفسه وما قد يجر إليه، ومن هنا فإن طرح إرسال قوة عربية الى بيروت لضبط الأمور في الشارع لم يأتِ من فراغ.
إذاً، تبدو الأمور في خلفياتها وتطوراتها الإقليمية والدولية غير مريحة، والضمانات المتبادلة بين اللبنانيين في مثل حالة الواقع اللبناني، تحتاج الى راعٍ دولي يضمن من الجهتين. وهذا الراعي غائب في المرحلة الراهنة. فلا رعاة دوليين يضمنون التفاهمات والاتفاقات. وكل من واشنطن وطهران اللتين تتفاوضان منذ أسبوعين حول العراق، لم تحققا تصالحاً على الرغم من هذا التفاوض، وإذا ما غض النظر عن أحد أسباب أحداث بيروت، فإن ذلك لا يعني ابتعاداً عن دمشق في تحميل المسؤوليات.
وبالتالي، ما يؤكد غياب الرعاية الدولية هو عدم إجراء تقييم للتجربة التي حصلت في بيروت وردات الفعل ومحاسبتها في إطار السياسة ورفع الغطاء عن الفاعل. وربما حصلت التجربة لشعور من الفاعلين أن هناك فراغاً دولياً في الأساس. لكن الحزب استطاع الحفاظ على هامش أمان، بحيث لم يلجأ الى استهداف الحكومة بالقوة، لكي لا ينجر أكثر الى معضلة داخلية. وجرى بناء الحلول في الدوحة على أساس المشكلة الواقعة.
وتشير الأوساط الى أن الحياد في المعالجة يساوي تأجيل الحل، وأن التوافق والاتفاق يعني إرساء حل. وتبقى التهدئة المحفوفة بالمخاطر الحد الأدنى المطلوب من حوار الدوحة.




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.