4 تشرين الثاني 2019 | 07:55

إقتصاد

مصرف لبنان ضمانة للإستقرار النقدي... والإجتماعي

مصرف لبنان ضمانة للإستقرار النقدي... والإجتماعي
المصدر: الجمهورية - أنطوان منسى

إذا كانت الانتفاضة ضد الفساد والمحسوبية الزبائنية، فإنّ أولى الإجراءات الوقائية الواجب ‏تطبيقها هي المادة الخامسة من الفصل الثاني من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تنصّ ‏على وضع سياسات فعّالة منسّقة لمكافحة الفساد تُعزّز مشاركة المجتمع، وتجسّد سياسة القانون ‏من نزاهة وشفافية ومساءلة.‏

قام مصرف لبنان، وفي أحلك الظروف وأصعبها وأكثرها دقة، بتعزيز استقلاليته وإيجاد ‏مبادرات متعددة بُغية تحفيز الاقتصاد وتكبير حجمه، وتأمين السيولة اللازمة لنشاطه، وإرساء ‏قطاع مصرفي سليم ومتين.‏

في ظل الوصايات والحروب والضغوط والاغتيالات وتغليب سياسات المحاور والزواريب، ‏يمكن للمراقب أن يَلحظ تَمسّك مصرف لبنان بسياسة التثبيت النقدي الذي يقوم على منطق ذي ‏حدّين:‏

أولاً، اعتبار أنّ المصلحة الاقتصادية تقتضي أنّ أي تحسّن في سعر الصرف ينبغي أن يستند إلى ‏قاعدةٍ متينة تقوم على تقدّم فعلي في الاقتصاد الحقيقي الكلي، كي يعكس وضعية واقعية لهذا ‏الاقتصاد.‏

ثانياً، اعتبار أنّ أي تعديل يخفّض من سعر الصرف من شأنه أن ينعكس سلباً على الاستقرار ‏الاجتماعي الاقتصادي بما فيه الاستقرار الاستثماري والتسليفي ومستقبل سياسات الشراكة ما بين ‏القطاعين العام والخاص، وغيرها من سياسات تحفيز الاستثمار الانتاجي، خصوصاً في ظلّ ‏الواقع المختلّ للميزان التجاري في لبنان كبلد مُستورد.‏

ولأنّ الاستقرار النقدي لا يكفي لنهضة البلد اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً، كان لا بدّ للحكومة من ‏أن تعمل على تأمين سياسة رشيدة ورشيقة وسريعة، نظراً لدقة المرحلة التي تتطلّب حكمة وجرأة ‏ورجاحة عقل وتوافقاً شديدَين.‏

من أبرز الميزات التفاضلية التي تميّز لبنان، رأسماله البشري، الذي يشكّل ثروة لبنان المُستدامة. ‏ويعود الفضل لهذه الميزة إلى البيئة المتنوعة والذهنية المنفتحة اللتين يتمتّع بهما المجتمع اللبناني، ‏ويتوجّب المحافظة والتعويل عليهما. إذ إنّ الطاقات الموجودة لدى اللبنانيين المؤمنين باقتصادهم ‏الوطني كانت دائماً عَصيّة على كل الأحداث والأزمات التي شهدها لبنان ولا يزال.‏

إنّ تأمين المناخ الاجتماعي الاقتصادي المستقرّ هو شرط لا بدّ منه للحفاظ على هذه الثروة ‏البشرية والبناء عليها. فإن هاجرت ستعود، وإن بحثت عن فرَص عمل واستثمار في الوطن ‏فسوف تجدها.‏

ومن هنا لا بدّ أن يتمّ تحييد المؤسسة النقدية، إذ إنّ الاستقرار النقدي يشكّل حجر الزاوية ‏للاستقرار الاجتماعي الاقتصادي في لبنان. ومما لا شك فيه أنّ السنوات الماضية، وما حَفلت به ‏من تحدّيات على مستوى الاقتصاد اللبناني، فرضت على مصرف لبنان اعتماد مقاربات مالية ‏غير تقليدية تَخطّت العمل المصرفي التقليدي لتشمل جوانب أخرى من الاقتصاد اللبناني، يقوم ‏البعض اليوم بانتقادها من دون الأخذ بالاعتبار الوضع العام الذي أجبَر المصرف على اتخاذ تلك ‏الإجراءات في حينه، إن لجهة ضَخ السيولة أو امتصاصها بحسب أوضاع الأسواق المحلية ‏والخارجية والتقلّبات السياسية والأمنية العاصِفة محلياً ودولياً.‏

لقد تركّزت جهود مصرف لبنان، خلال السنوات الماضية، على تقديم الحوافز المتنوعة ‏للمصارف من أجل الانخراط في برامج تسليفية تشجّع القطاع الخاص على الاستثمار بكلفة ‏مخفّضة في القطاعات الانمائية والسكنية والبيئية والتعليمية. كل تلك المبادرات المالية التي ‏ابتكرها المصرف هدفت الى تنشيط الطلب الداخلي والحركة الاقتصادية عموماً، إلّا أنّها ترمي ‏أيضاً إلى تحقيق أهداف أخرى. فمن خلال دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في ‏القطاعات الإنتاجية، يهدف مصرف لبنان فعلاً إلى خَلق فرص العمل.‏

وعن طريق دعمه القروض السكنية، يسعى إلى المساهمة في الاستقرار الاجتماعي. وبواسطة ‏دعمه تمويل قروض التعليم العالي، يوفّر للأجيال الجديدة فرصاً متساوية في التأسيس للمستقبل. ‏أمّا دعمه لمشاريع البيئة والطاقة البديلة، فيهدف إلى المحافظة على بيئة قليلة التلوّث وتأمين وَفر ‏بكلفة الطاقة على ميزانية الأسَر والمؤسسات والدولة.‏

ساهم مصرف لبنان، من خلال البرامج والحوافز التي أطلقها، في تأمين الاستقرار الاجتماعي ‏والعيش الكريم عن طريق توفير المسكن لأكثر من 130 ألف عائلة. لكن بالرغم من كل ‏المبادرات التي يقوم بها، فإنّ الوضع التسليفي في لبنان هو وضع دقيق، ذلك أنّ السيولة أصبحت ‏منخفضة محلياً وإقليمياً ودولياً.‏

إنّ الاقتصاد اللبناني بحاجة إلى ضَخّ رساميل جديدة. في سنة 2018، كانت نسبة النمو تقارب ‏الـ1 في المئة في لبنان، بينما قاربت في المنطقة الـ 2 في المئة. إنّ الحصول على تمويل محلي ‏من المصارف اللبنانية زاد صعوبة، فالقروض المصرفية للقطاع الخاص باتت تمثّل أكثر من ‏‏110 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة مرتفعة نظراً لحجم الاقتصاد، باعتبار أنّ ‏النمو لم يتحقق حتى تاريخه.‏

من هنا، فإنّ قدرة المصارف على تطوير التسليفات أو سوق التسليف في الوقت الحالي، هي ‏محدودة.‏

إنّ سياسة البلد الاسكانية او الانتاجية ليست من مسؤوليات مصرف لبنان، بل هي من مسؤولية ‏الحكومة. وما يحتاجه البلد هو مبادرة الحكومة بالاصلاحات الضرورية لخفض العجز، وأيضاً ‏لإعادة تفعيل روح المبادرة في لبنان ليعود النهوض الإقتصادي وتَتأمّن فرص العمل للشباب ‏اللبناني. وفي غياب الاجراءات الحكومية، قام مصرف لبنان بمبادرات لدعم الاقتصاد في هذه ‏المرحلة الصعبة.‏

المشكلة في لبنان أنّ القطاع العام توسّع وباتَ حجمه أكبر مما يتحمّله الاقتصاد اللبناني، والقطاع ‏الخاص بحاجة الى إعادة تحفيز وتشجيع من القطاع العام.‏

في لبنان قطاعات واعدة من شأنها أن تشكّل البنية الهيكلية في دعم القطاعات التقليدية، وتؤمّن ‏مستقبلاً أفضل للبنان، هي: القطاع المالي، قطاع اقتصاد المعرفة الرقمي، وقطاع الغاز والنفط.‏

إنّ المصرف المركزي مَعني بالقطاع النقدي وتنظيم القطاع المالي، علماً أنّه أول مَن أطلقَ قطاع ‏اقتصاد المعرفة قبل 5 سنوات، ولبنان بحاجة إلى جهود حكومية فعّالة على مستوى تأمين البنية ‏التحتية اللازمة.‏

إنّ القطاع المالي والمصرفي يضطلع بدور رائد في تنمية الاقتصاد اللبناني وتطويره وتحديثه، ‏غير أنّ النمو مرتبط إلى حدّ كبير بتحسين القدرة التنافسية للبنان، بما يساعد على تطوير اقتصاد ‏المعرفة.‏

لقد أرسى مصرف لبنان القوانين المناسبة والممارسات الفضلى، بحيث باتَ هناك قطاع مصرفي ‏متين يستوفي كل الشروط المطلوبة دولياً، ويتمتع بملاءة، ويحترم القواعد الدولية.‏

إنّ القوانين اللبنانية سمحت بوجود أجهزة الرقابة، فلجنة الرقابة على المصارف تأسست منذ ‏زمن طويل، وأضيفت اليها مهمة جديدة تقضي بحماية مصالح المتعاملين مع القطاع المصرفي. ‏فأُنشِئت وحدة حماية المستهلك لدى لجنة الرقابة، وهي تقوم بمتابعة فعالية الانظمة والتجهيزات ‏والرأسمال البشري لدى المصارف، بما يكفل التعاطي الشفاّف مع الزبائن، ويحسّن سمعة القطاع ‏المصرفي.‏

كما أنشأ مصرف لبنان هيئة التحقيق الخاصة، وهي جهاز يسمح بالتأكّد من أنّ المصارف لديها ‏كل الأنظمة، وتقدّم التدريبات اللازمة لموظفيها، وتتقيّد بمكافحة تبييض الأموال.‏

هذه الهيئة لا تُواجه بالسرّية المصرفية، أي يمكنها الاطلاع على الحسابات الدائنة والمدينة، ‏ولديها أيضاً دور في تطبيق القوانين في حال مخالفات تتعلق بتمويل الإرهاب، وحماية القطاع ‏المصرفي من أموال غير شرعية، ولاسيما تلك التي يُمنع التعاطي بها. فلكي يبقى لبنان مُنخرطاً ‏عالمياً، على مصارفه مراقبة الأموال التي تمرّ عبرها، لأنّها ستمرّ بدورها عبر المصارف ‏المراسلة في الخارج...‏

لقد مَر لبنان بتجارب وأزمات قاسية خلال الأعوام الـ25 التي خَلت، بدءاً من الاعتداءات ‏والحروب الإسرائيلية خلال التسعينات والعام 2006 مروراً بالأزمات السياسية الداخلية ‏المُستعصية، إضافة إلى تداعيات الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في العام 2008، وصولاً ‏إلى الحرب السورية وتداعياتها على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.‏

كانت هذه التجارب بمثابة اختبارات لمدى فعالية سياسة مصرف لبنان النقدية وكفاءتها ومناعتها، ‏ولاسيما في ما يتعلق بالحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية. ومن هنا، وللحفاظ على ‏الحد الأدنى وعلى المؤسسة الوطنية، فإنّ التعويل على وَعي الانتفاضة الشعبية هو الأساس للبدء ‏بورشة بناء لبنان الواحد.‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

4 تشرين الثاني 2019 07:55