21 أيلول 2026 | 10:39

أخبار لبنان

من العرّافين وخوارزميات الفساد إلى العمل

مازن عبود

أغمض عينيك، وارسم لبنان في عصر الذكاء الاصطناعي، كيف تتصوّره؟ بعضنا يلجأ إلى العرّافين لكشفه، والبعض الأخر يستشرفه من خلال علاقات سببية في إطار جيو-استراتيجي.

ننظر إلى المستقبل كاليونانيين القدامى: سلسلة أحداث محددة سلفا بفعل عوامل القدر والضرورة والنبوءة والمصادفة.

نعيش زمن الأساطير، حيث يشكّل القدر (Moira) والضرورة (Anankē) الحدود المفروضة على أفعالنا. نستسلم للأحداث التي "لا بد أن تقع" ويتعذر الإفلات منها (Winnington-Ingram, 1980)، ونلجأ إلى العرّافين لمعرفة جزئية وملتبسة بما يحمله المستقبل، نبوءاتهم تؤثر في سلوكنا على نحو يدفعنا إليها. ولكن مهلا، فنحن من يخترع المستقبل ويصنعه إلى حدود كبيرة.

لن يتطوّر بلد يهرب مواطنوه إلى المستقبل خوفا من ماضيهم، متجاهلين حاضرهم.

في كتابها "التنبؤ، والسلطة، والصراع من أجل المستقبل، من عرّافي العصور القديمة إلى الذكاء الاصطناعي"، رأت Carissa Véliz (2026) أنّ التحدي الذي يواجه البطل ليس قبول قدره. فقد تناولت تأثيرات الاكتشافات العلمية على المستقبل، معتبرة أن تخمينات العرّافين مدروسة، وهي تسويق وألعاب قوة مقنّعة. أفادتنا بأنّ العرّافين يؤثرون، بل إنهم يشكلون أدوات السلطة.

مستقبل لبنان تصنعه علاقات سببية في إطار ظروف خارجية، لا العرافون.

ونحن أمام سيناريوين:

الأول يرتكز على بلد يتلوث بأدوات التجسس وعالم الكاميرات والميكروفونات، ويصير سجنا كبيرا لا يستطيع من يقيم فيه أن يغادره. بلد يحكمه بارونات بأسلحة ووسائل رقمية لأغراض قَبَلية استكمالا لمسلسل النهب والحروب والانهيارات. وستعيد شبكات المصالح هندسة النظام كي يرقمن الفساد، ويتحول إلى خوارزمي.

أما الثاني، فيرتكز على قواعد ترسمها دينامية خارجية وسلام حقيقي وهويات ملائمة، فتتبدل المناخات من الطرد إلى الجذب للنمو.

أرى بلدا يتكئ على لامركزية موسّعة على كل المستويات، تجعل المدن محركات حقيقة للاقتصاد، فتعمل الإدارات المحلية من دون خلل بيروقراطي يشكّل قيدا هيكليّا على النمو، وبكلفة تبادل منخفضة. قواعد ترتكز على الوضوح وتعدد نقاط القرار، مما يخفض كلفة التحقق والامتثال، ويحدّ السلوك الانتهازي (Williamson, 1985).

أرى بلدا يثق به أبناؤه، وبمؤشرات حوكمة ملائمة، فتستعاد ثقة المستثمرين والانتشار اللبناني. بلد بتكنولوجيات وإصلاحات تفعل القضاء وتبني المؤسسات.

أيّ سيناريو نريد؟ (1963) Dennis Gabor في "اختراع المستقبل" رأى أنه "لا يمكننا التنبؤ بالمستقبل، ولكن يمكننا اختراعه". حان الوقت لاختراع مستقبل بلد لا نملك سواه.

ثمة دروس من التاريخ والحاضر يجب تعلمها!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

21 أيلول 2026 10:39