28 أيار 2026 | 12:06

أخبار لبنان

"ليبراسيون الفرنسية" تحاور وليد جنبلاط: حكيمٌ بين زعماء متطرفين

يرسم ابتسامة خجولة تحت شاربه الأبيض الصغير حين يُشاد بما يطفو من حنان وصدق في مذكراته، رغم أنها في جوهرها تاريخية وواقعية. ويُعدّ وليد جنبلاط، البالغ من العمر 77 عاماً، شخصية لا يمكن تجاوزها في المشهد السياسي اللبناني منذ نحو خمسين عاماً، ويتمتع بقامة نحيلة وطويلة تشبه الأعمدة التي تسند الأقواس الثلاثة لمنزله اللبناني التقليدي في المختارة. تلك القرية المطلة من جبال الشوف، حيث التقيناه سابقاً، تُعدّ معقل الزعيم الدرزي اللبناني. نلتقيه هذه المرة في مكاتب ناشره الباريسي، منهكاً من سلسلة المقابلات الصحافية بمناسبة صدور سيرته الذاتية، لكنه فوق ذلك مثقل بالحروب التي تعصف اليوم ببلاده وبالشرق الأوسط بأسره.

يقول مؤلف كتاب "قدر في المشرق": "لا أحب هذه المصطلحات الاستشراقية مثل الشرق الأوسط والشرق الأقصى، التي اخترعها الغرب الاستعماري". ويضيف: "المشرق أسهل، وربما أكثر فرنسية، وهو نطاق أضيق"، محدداً حدود منطقته بأنها: سوريا ولبنان والأردن وفلسطين وإسرائيل.

صدر كتابه، الذي كتبه مع المؤرخ سيباستيان دو كورتوا، بعد خمسين عاماً على كتاب والده كمال جنبلاط، الذي اغتالته الأجهزة السورية في مارس/آذار 1977 خلال الحرب الأهلية اللبنانية. وكان الوالد الراحل يتزعم الطائفة الدرزية، كما قاد ما كان يُعرف آنذاك بـ"المعسكر الإسلامي التقدمي"، أي التحالف بين اليسار اللبناني والفلسطينيين بقيادة ياسر عرفات الذين كانوا يتمركزون في بيروت.

ويقول وليد جنبلاط: "بوصفي الابن الوحيد، كان من المستحيل أن أهرب من قدري ومن قدر أسلافي منذ القرن التاسع عشر". فعند سن الثامنة والعشرين، اضطر إلى خلافة والده الذي كان يشكل المرجعية المطلقة بالنسبة إليه. ورغم إعجابه الكبير ووفائه المطلق لوالده، وجد نفسه يقود الطائفة والحزب التقدمي الاشتراكي ويخوض الحرب المستمرة ضد ميليشيات اليمين المسيحي اللبناني.

ويضيف: "سرت على خطى والدي في السياسة، لكن ليس في الدين. فقد انشغل هو بدراسة التصوف ثم المسيحية، وفي نهاية حياته لجأ إلى أشرم في الهند هرباً من العالم العربي. وعندما بلغت السابعة عشرة حاول أن يزرع فيّ شيئاً من تلك البهجة الروحية، لكنني كنت متمرداً وقلت له إن هذا ليس عالمي".

بعينيه الزرقاوين الجاحظتين شبه المغمضتين، يتحدث وليد جنبلاط بصوت منخفض ومتعب، مستخدماً جملاً قصيرة وبالفرنسية السلسة. فقد نشأ على هذه اللغة إلى جانب والدته اللبنانية الفرنكوفونية، ثم تولّت "مدام إيفون"، المربية الفرنسية، رعايته بعد طلاق والديه. وتابع دراسته في ثانوية عبد القادر الفرنسية في بيروت.

ويقول: "نساء عائلتي لعبن دائماً دوراً مهماً في حياتي في مراحل مختلفة". ويروي كيف عادت والدته لتسانده بعد اغتيال والده. كما يخصص فصلاً كاملاً لجدته لأبيه "الست نظيرة" التي كانت تُعرف في المختارة بـ"ملكة الجبل".

ويأسف قائلاً: "هناك نقص في الاعتراف بدور النساء في الحياة السياسية اللبنانية والعربية"، مشيراً إلى أنه أقرّ حصة نسائية بنسبة 30% داخل الحزب التقدمي الاشتراكي.

تزوج أول مرة، رغم اعتراض والده، من ممثلة إيرانية جميلة "توفيت بشكل مأساوي بعد سنوات قليلة من الحياة المشتركة". ثم خضع لزواج مرتب من قبل العائلة مع ابنة عم بعيدة من أصول شركسية في الأردن. وكانت جيرفيت، والدة أولاده الثلاثة، قد شاركته حياته لما يقارب عشر سنوات. إلا أن زواجه الثالث كان الناجح مع نورا شرباتي السورية الأصل، شريكته ورفيقة دربه وحاميته، والتي ترافقه في جميع مقابلاته.

ويقول: "مضى ثلاثون عاماً على زواجنا"، قبل أن تذكّره نورا بأن زواجهما كان عام 1989، ليبتسم قائلاً: "الرجال لا يتذكرون هذه التواريخ أبداً، أليس كذلك؟".

ورغم شعوره بالارتياح لنقل مسؤولياته السياسية بهدوء إلى نجله الأكبر تيمور جنبلاط، المنتخب نائباً في البرلمان اللبناني منذ عام 2018، فإن وليد جنبلاط لم يعتزل السياسة تماماً. فالذي يبدو اليوم أشبه بالحكيم بين زعماء لبنان المتطرفين من مختلف الجهات، يشعر باليأس من عدم القدرة على إيصال صوته.

ويقول: "لم أعد أستطيع، ولا أعرف كيف أتحدث مع حزب الله! في زمن حسن نصر الله كنت أستطيع التواصل معه والنقاش، لكن منذ اغتياله على يد إسرائيل عام 2024 لم يعد هناك محاور. القيادة الجديدة باتت بالكامل تحت التأثير الإيراني".

ويتابع: "أما المعسكر المقابل، الذين كان والدي يسميهم “الانعزاليين”، أي اللبنانيين المعادين لحزب الله، فهم أيضاً متصلبون بالكامل. الزعيم المسيحي سمير جعجع يتصرف كأنه موسى. الجميع عالقون في دوامة العنف ويتبادلون الشتائم، فيما اختفى الصوت العقلاني".

وقبل أن يشتعل لبنان مجدداً، حاول وليد جنبلاط أن يلعب دور الوسيط لدى دروز سوريا خلال المواجهات مع قوات السلطات الجديدة في دمشق، والتي أوقعت مئات القتلى صيف عام 2025.

ويقول: "تذكرت أن صور والدي كمال جنبلاط كانت قد رُفعت خلال التظاهرات السلمية للدروز ضد نظام بشار الأسد قبل عامين. ظننت إذاً أن لديّ مساحة للاستماع، لكنهم لاموني لأنني التقيت بالرئيس أحمد الشرع. وأنا الآن أُعتبر خائناً من قبل الدروز السوريين، الذين هم أصلاً من أصول لبنانية".

ويعرب عن قلقه من تصاعد "الانعزالية الدرزية". فأنصار هذا التوجه يقولون: "لسنا عرباً، بل قبيلة منفصلة، حتى عن الإسلام". ويتهم جنبلاط إسرائيل بلعب دور لدى بعض المشايخ الدروز السوريين، مضيفاً: "أشعر بتنامي النفوذ الانفصالي والتقسيمي".

ويرى أن مشروعاً قديماً يُنسب إلى إسرائيل يعود إلى الواجهة، وهو "إنشاء كيانات طائفية ودينية وقبلية، وابتكار أي شيء لتفكيك المنطقة بأكملها".

ويتابع بنبرة رتيبة سرد ما يراه سيناريو كارثياً يتأكد أمام عينيه، مشيراً إلى "الفوضى الشاملة التي تستقر في الشرق الأدنى"، ومندداً بـ"الإفلات الكامل لإسرائيل من العقاب، إذ لديها ضوء أخضر لتدمير غزة وجنوب لبنان واستعمار ما تبقى من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية".

وحين يُقال له إن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ليسا خالدين، يذكّر بأن الأول لا يزال في البيت الأبيض لثلاث سنوات تقريباً، وأن الثاني يواصل دفع المشروع الصهيوني الممتد منذ أكثر من قرن.

ويتوقع أن تستمر الحرب ضد إيران، "لأن المستفيدين منها كثيرون: شركات السلاح، ومنتجو النفط، وحتى شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي تجد في الخليج ساحة اختبار". ثم يضيف: "البورصة ترتفع، وكذلك الذهب"، قبل أن يعترف بأنه "متشائم بالكامل".

أسود… كل شيء أسود، ولم يعد هناك أمل.

https://anbaaonline.com/news/328878

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

28 أيار 2026 12:06