لوّح أمين عام الحزب الأصفر، في خطابه المتلفز، بالنزول الى الشارع لإسقاط حكومة الرئيس نواف سلام، وحين يسعى القارئ لقراءة النص الحرفي في مواقع الحزب الإخبارية يكتشف أن لا أثر لهذا التهديد وكأن هناك من لفت الشيخ إلى أنه، وكما يقول العامة، عرّض كتفيه أكثر مما هو متاح له. فالنص غير مرتجل، مبدئيا، وهذا يعني أحد أمرين، إما أن التلويح باسقاط الحكومة زلة لسان، وإما أن مراجعة لاحقة انتبهت إلى أن هذا التصعيد السياسي في غير مكانه، وإن موازين القوى، إقليميا ودوليا، لا تبيحه، فجرى "تطهير" النص من الشائبة السياسية المذكورة، و"يا دار ما دخلك شر" على القول المصري. فالحكومة الحالية لم تولد من تفاهم داخلي نقي، ويعرف اللبنانيون أن كواليس الديبلوماسية اكتظت بالإتصالات والزيارت لفرض ولادتها، عربيا ودوليا، بدليل الاستشارات، في 31 آب لتشكيل حكومة بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020، وسمّى 90 نائبًا السفير مصطفى أديب (الذي اعتذر عن قبول المهمة) بينما سمّى 15 نائبًا سلام، 14 من "القوات" والنائب فؤاد مخزومي.
اعتذر أديب وبقيت الأزمة حتى إعادة تسمية الرئيس سعد الحريري في 22 تشرين الأول 2020. 65 نائبًا سمّوه بينما امتنع 53 عن التسمية ولم يطرح اسم نوّاف سلام في المواجهة مع الحريري.
بعد اعتذار الأخيرعن عدم التأليف في 15 تموز 2021، اختار "حزب اللّه" تسمية نجيب ميقاتي في 26 تموز بتأييد 72 نائبًا، بينما نال نوّاف سلام صوتًا واحدًا هو صوت فؤاد مخزومي.
هذا الصوت الواحد كان ترجمة لميزان قوى تمتد أوزانه من واشنطن الى الرياض، ولا يقوى على زعزعته زعيق من هنا، ونفخ عضلات من هناك، ولا توصيف الدمار وسيل الدماء بأنه انتصار، وجعل خيم النزوح واللجوء والتشريد عنوانا لكرامة لم تصن الجنوب وأهدرت انتصار العام 2000 والتحرير.
الصوت اليتيم نفسه لحقه 95 صوتا نيابيا كانت أقرب الى اعلان ثقة نيابية شبه مطلقة بنواف سلام وحكومته، فيما 12 حجبوا الثقة، وامتنع 4 عن التصويت، وتغيب 19.
يُبدي الحزب، لاسيما في أحاديث أمينه العام، المستجد، صورة المقتدر، وحتى المفتري، على الحياة العامة، وعلى توافق لبناني تاريخي يملي احترام الدستور والقوانين، وتجنب الاستفزاز بالسلاح أو من دونه، لكن الحزب ومنذ ولادته في حارة حريك، عام 1982 إقتطع بقوة الأمر الواقع المسلح منطقة الضاحية الجنوبية وجعلها جمهوريته التي لها قوانينها، وحدودها، ومدارسها وأناشيدها وطريقة إيمانها، ولو تعدت على مشاعر الآخرين، ودمرت مصالحهم ، وشردتهم، ليعانوا ما عاناه الفلسطينيون في نكبة 1948 التي أوقفتها هدنة في 29 أيار 1949، يمكننا اليوم "الإحتفال" بذكراها الـ 77.
تواصل تهجير الفلسطينيين نحو 7 سنوات بين عامي 1949و1956 من الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل بعد توقيع الهدنة ولم تتأخر في خرقها بالعدوان الثلاثي على مصر شراكة مع بريطانيا وفرنسا.
أمام هول المأساة اللبنانية الراهنة من تهجير وتدمير وقتل، تكاد النكبة تصغر في عيون الضحايا، خصوصا حين يقلب الحزب الهزيمة الى نصر، ويجعل من نحرالشبان الشجعان بطولة لا تمارى، وذودا عن كرامة لا نجدها بين الركام والدمار، وصناديق الإعاشة، وصهاريج الماء، وبين خيام بألوان القهر.
راشد فايد بيروت في27 أيار 2026 [email protected]




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.